الأربعاء، 11 يناير 2012

زياد الدريس .... والسلفية التي قصد !

بسم الله الرحمن الرحيم

زياد الدريس ... والسلفية التي قصد !

ردًا على الدريس في مقالته (السلفية: هل هذا وقتها؟) وتوابعها


الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على نبيه وعبده ,,, أما بعد :

كتب الأستاذ زياد الدريس مقالًا في صحيفة الحياة بعنوان (السلفية ... هل هذا وقتها ؟) وهب للرد عليه ثلة من الأفاضل الكرام, ممن أخذتهم الغيرة على بيان الحق ونصح الخلق, وفي مقدمتهم الأستاذ عبد الرحمن الأنصاري, في رد شاف واف, أرتكز على فهم دقيق لمقصود مقال الأستاذ الدريس, والمنطلقات الفكرية التي أنتجت ذاك المقال .
وقبل تسرب الوسوسات الشيطانية أقول: إن معرفة حقيقة المقاصد والنيات للأشخاص لا يعلمها إلا الله وحده جل في علاه, وأما مقصود ألفاظ وعبارات الأشخاص فمتاح لكل عارف بلغة الضاد, ولا يكون التنصيص على أن مقصود العبارة وأنه كذا أو كذا دخولًا في نية القائل وقصده, بقدر ما يكون بيانًا لمقصود الكلام وما يدل عليه, والإنسان مؤاخذ في الشرع بما يصدر عن لسانه, وإنما جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا, وذلك على معتقد السلف.
وعلى ما قاله عمر رضي الله عنه : " إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم, فمن أظهر لنا خيرًا أمنَّاه وقرَّبناه وليس إلينا من سريرته شيء, اللهُ يحاسبه في سريرته, ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه, وإن قال إنّ سريرته حسنة " .

فعندما يقول الأستاذ الدريس (السلفية ... هل هذا وقتها ؟) مختتمًا العبارة بعلامة استفهام وهو استفهام استنكاري كما وضّح في مقاله, فمقصود هذا الصنيع : استنكار تبني خطابًا يدعو إلى التمسك بالسلفية, وأن ذلك ليس وقته بالكلية سواء اتفقنا على كنه تلك المسماة بالسلفية أو اختلفنا.
ولن ينفع الأستاذ الدريس اضطرابه وتناقضه بعد المقال وبعد توالي الردود عليه من كرام أفاضل, نص هو على عقل بعضهم وإن رمى البعض الأخر بفرية التأليب والاستعداء لمجرد اختلافه معهم منهجيًا, فإن سلّمنا تسليم السذج وتركنا هؤلاء المؤلبين بزعم الدريس ومناصريه, فما القول فيمن نصصت على رجاحة عقله وفهمه كالأستاذ عبد الرحمن الأنصاري زاده الله توفيقًا ؟

والعقلاء يعرفون أن زيادًا الدريس هداه الله تورّط بمقاله وقاله, ثم ذهب المذاهب للخروج من هذه الورطة, ولا يعلم بأن لسانه قد أدانه عند كل ذي لب وصدر متجرد للحق.
فخذ هذه أيها القارئ الكريم لتعرف أن الدريس بصره الله بما ينفعه قصد أصول السلفية المتفق عليها بين أهلها, فيقول الدريس بلسان فصيح : ((أن الدولة العربية الكبرى التي دعت، الأسبوع قبل الماضي، إلى الارتقاء بمنظومة التعاون الخليجي العربي نحو «اتحاد خليجي»، هي ذاتها الدولة الإسلامية الكبرى التي دعت، الأسبوع الماضي، إلى الهبوط من دورها المركزي في رعاية الإسلام والدعوة إليه إلى رعاية «السلفية» والدعوة إلى «تبنّي إستراتيجية لنشر المنهج السلفي» ... الدوائر الدينية التي يمكن المملكة العربية السعودية أن تكون فيها: الدائرة الكبرى هي الدولة الإسلامية التي تحتضن قبلة المسلمين الذين يتجهون إليها من مشارق الأرض ومغاربها خمس مرات كل يوم. الدائرة الوسطى هي الدولة السُّنّية التي تحمي  مذهب أهل السنّة وتدعمه. الدائرة الصغرى هي الدولة السلفية التي تتبنى منهج دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، يرحمه الله)). انتهى الكلام المقصود من منطوق الدريس

فالكاتب صرّح بأن تبني الدولة لاستراتيجية لنشر المنهج السلفي ورعاية السلفية هو هبوط من الدائرة الاولى الكبرى التي يدعو إليها الكاتب بزعمه إلى الدائرة الصغرى وليست الوسطى أيضًا ! بل الصغرى المتمثلة في «الدولة السلفية التي تتبنى منهج دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب يرحمه الله » وهذا نص عبارته !!
ثم يأتي الأستاذ الدريس فيُشهد الله على أنه لم يقصد السلفية المنهج الذي عليه الصحابة والسلف الصالح فقال في تغريدة له : ((وليس هدفي علم الله نقد السلفية المنهج الذي هو منهاج الصحابة والسلف الصالح الذين نفخر بإتباعهم والانتماء لهم دينًا ووطنًا)) !؟

إذن هما أحد أمرين :
إما أن الأستاذ الدريس سدده الله يهرف بما لا يعرف, ويكتب بضحالة معرفية لا تمت للواقع بصلة, ومن هذه حاله لا يجوز له التطرق لمسئوليات الدولة والتعرض لنقدها.
وإما أن الأستاذ الدريس عفا الله عنه يعتقد ويدين الله بأن منهج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ليس على منهج الصحابة والسلف الصالح.

ولو لي الخيار لاخترت للأستاذ الجهل على الثانية !!!

ولكنّ تعقيبات الأستاذ الدريس وردوده بعد المقالة الورطة, تدل على أنه يتخبط ويتناقض وهما علامة الأقوال الباطلة والمنحرفة كما هو معلوم .
فالأستاذ أراد الهروب من الورطة برمي ما احتمل من بطلان على ظهر ما يسمى بالجامية أو السلفية الحزبية, فوقع في شر أعماله بأن سقط في برزخ بين باطلين والله المستعان.
علمًا بأن الاستاذ وكل من فرح بهذا المقال وتمنى أن يكون هو من كتبه !, لو صدقوا لصدعوا بالحق وأنه لا فرق بين السلفية الوهابية وبين السلفية الجامية وبين السلفية التقليدية وبين السلفية العلمية بحسب التقسيم المحدث الباطل.

وإنما هم ناقمون على السلفية أصولًا لا أفرادًا, وهو الذي قصده وعناه زياد الدريس بمقاله الورطة, وفهمه المعجبون على هذا النحو دون مواربة, ولكن الباطل لجلج وأصحابه في ذلة وصغار ولو هملجت بأقوالهم مواقع إفساد المجتمعات أقصد التواصل الإجتماعي.

فإيهام الأستاذ الدريس للناس بأنه إنما ينقم على بعض السلفيين الذين ينبزون بالجامية زورًا وبهتانًا من الكاتب وغيره, وسوف تكتب شهادتهم ويسألون, ينقضه نص كلامه عن مجموع المشاركين في الندوة وذلك عند قوله : ((إن النبرة الحزبية الخفية أو المستترة في نقاشات وتوصيات الندوة لا تنبئ عن ذلك الهدف النبيل، بل هي تكريس لمزيد من الحزبية الاقصائية)) .انتهى

انظر ملخصات البحوث وأوراق العمل على الرابط للتحقق من دعوى الكاتب !؟

ولا أدري عن أي إقصائية يتحدث, علمًا بأن المشاركين في هذه الندوة المباركة جاءوا من مختلف البلاد الإسلامية, بل وكثير منهم تحدث عن الأخطاء الفردية التي تقع من بعض السلفيين في تطبيقهم للسلفية كمنهج, فانتقدوا الغلو في التبديع والتكفير وانتقدوا التساهل والتمييع, وبهذا تعرف أن الذم من قبل الدريس إنما هو موجه لأصل المنهج لا إلى من ينبزهم الكاتب بالجامية فقط, ولو أفصح لنطق بذلك صراحة, بل لتعدى إلى القول بأن كل العلماء السلفيين الكبار هم من الجامية, لأن السلفية من حيث أصولها هي إقصائية في نظر الكاتب وكل من اُعجب بمقاله من أهل الانحراف سواء من الرافضة والصوفية أو من الليبرالين أو من أصحاب التفسير السياسي للإسلام من الحركيين.

وبهذه النظرة المجحفة يكون أئمة السلف كلهم من أتباع الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ورفع درجته في المهديين, ويذكرنا هذا بالنكتة الصوفية التي تقول: إن ابن تيمية وهابي !! .

إذن فالشيخ صالح اللحيدان حفظه الله جامي لأنه صرّح بمثل ما يُنتقد على ما يسمى بالجامية فقال سلمه الله بقوله : " بالنسبة للاخوان المسلمين أرجو ألا يتولوا سلطة في أي بلاد إسلامية، وأن لا تكون السلطة لهم، هم ليسوا في عملهم ساعين لنصرة العقيدة واعلاء شأنها هم عمل في الغالب طلاب حكم، هم في ذلك يرون قول المرشد كأنه تشريع من السماء ". انتهى ونطق به حفظه الله في محرم 1433 للهجرة.

وكذلك الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله يكون جاميًا لأنه صرّح بمثل ما يُنتقد على ما يسمى بالجامية " فحذّر سلمه الله من الحزبيين الذين يريدون انتزاع الحكم في البلاد السعودية " عند تعليقه خلال هذا الشهر على كلمة ولي العهد الأمير نايف بن عبد العزيز حفظه الله في ندوة السلفية التي أكد فيها سموه تمسك الدولة السعودية بالمنهج السلفي السوي.

وكذلك الشيخ عبد المحسن العباد البدر حفظه الله يكون جاميًا لأنه يصرّح بما يُنتقد على ما يسمى بالجامية فحذّر من جماعة الإخوان المسلمين ومن جماعة التبليغ ونص حفظه الله على مفارقة دعوة هذه الجماعات للدعوة الصحيحة المتمثلة في الدعوة السلفية فقال حفظه الله : " وبمقتضى كلام مؤسس هذه الحزب - يقصد حسن البنا - الذي تبرأ فيه ممن لا يوافقهم فإنه لا تلاقي بين دعوتهم والدعوة السلفية التي قامت عليها الدولة السعودية وهي تحكيم الكتاب والسنة وفقاً لما كان عليه سلف الأمة، ومن مهمات حزبهم الوصول إلى السلطة ولم يظفروا بها ... وليس لعُبَّاد أصحاب القبور الذين يدعونهم ويستغيثون بهم ويسألونهم قضاء الحاجات وكشف الكربات ـ فيما أعلم ـ نصيب من دعوة الإخوان المسلمين، ومثلهم جماعة التبليغ " .انتهى وكان بتاريخ 27/12/1432 للهجرة.

وكل من ينتسب للدعوة السلفية عقيدة ومنهجًا واستدلالًا بحق, وعلى رأسهم الشيخ العلامة محمد الصالح العثيمين رحمه الله, لا يخالف في هذه المواقف المتظافرة والمتفقة على قول واحد, جِماعهُ البراءة من المخالفات المنهجية المبتدعة ومحاربتها والتحذير منها, ومن أصحابها كلا بحسب ضلالته, ومن خالف في ذلك وهوّن من شأنها فهو إما جاهل بالمنهج السلفي وإن كان محب له, أو متستر به مستخف به ولاريب.

وأما أخطاء وجهالات بعض أتباع المشايخ من المتحمسين للسلفية ممن قل علمه أو نقص حلمه, وقد ضرب الأستاذ الدريس مثالًا بسلفي فرنسا, إن صدق.
فصنيع الأستاذ عين صنيع أهل الجاهلية, الذين ينفرون الناس عن أهل الحق, بأخطاء أتباعهم كما أورده الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مؤلفه مسائل الجاهلية فقال : (المسألة التاسعة عشرة هي : أنهم يقدحون في بعض الصالحين بفعل بعض المنتسبين إليهم).  
قال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله : " وهذا ظاهر بيّن في أنّ صاحب الهوى يتلمّس ما يُبطل به حجة من جاءه بالهدى وما يُضعف به مكانَه، وقد يكون ذلك عن طريق القدح في الأتباع، إذا لم يجد طريقًا على صاحب الدعوى ... فإذا لم يجد طريقًا قدح في الأتباع ليكون قدحه في الأتباع قدحًا في المتبوع، وهذا كان في المشركين كما سمعتم، وكان عند اليهود وعند النصارى وعند أصحاب كل النِّحلات؛ لأنّه من أسهل الطرق؛ لأنّ الأتباع ليسوا بمعصومين - يعني بخلاف أنبياءهم المعصومين- فلابد أن يحصل منهم غلط، لابد يحصل منهم قصور، فإذا أُبطل الحق بفعل الأتباع صار ذلك نوع هوى، بل هو هوى باطل، وهذا جاء في طوائف في هذه الأمة ... لهذا نقول هاهنا إن القاعدة المقررة أنه يُنظر إلى الحق الثابت، ولا ينظر إلى من أخطأ تطبيق ذلك الحق، فإنّ من الناس من يكون يخطئ في تطبيق الحق، فلا ينسب خطؤه إلى ذلك الطريق الحق ... ، فلا يجوز أن يقدح في أحد من أهل العلم بفعل بعض المنتسبين إليه، بل أعظم من ذلك أنه قد قدح في الإسلام بفعل المسلمين، ولا بد هنا أن يكون تباين بين الإسلام والمسلمين؛ لأن المسلمين بفعلهم لا يدلون على الإسلام، فمن أراد أن يعرف الإسلام ولأن يتعلم الإسلام يأخذه من معينه الصافي، ولا ينظر في أفعال أهله لأنه ربما كان في أفعالهم ما يصد عن الالتزام بالإسلام واعتقاد صحته ". انتهى
فالسلفية ليست حزبًا حركيًا أو تنظيمًا إخوانيًا, يسعى إلى تكثير السواد وإقصاء الذوات, بل هي منهج دعوي يحرص على إنقاذ الناس من ظلمات عقولهم إلى أنوار الصراط المستقيم الموصل للنعيم المقيم, فالأمر بالمعروف بالمعروف والنهي عن المنكر بدون منكر, من أعظم درجات النصح للناس بكافة أجناسهم وعلى مختلف مخالفاتهم وأخطاءهم, وهذا ما تقوم به الدولة السعودية منهجًا بغض النظر عن أخطاء التطبيق عند الأفراد وهذا الذي لن يخلو منه عمل .
ومن المعيب على كاتب مثل الأستاذ, وهو المنتمي إلى بلاد التوحيد والسنة, أن يختلط عليه الأمر أو يظهره كذلك, فيفصل بين الإسلام والسلفية ويجعلهما متقاطعان مختلفان, ويكأن السلفية بدعة من البدع, وهو يعلم على الاقل أن دعوى أهلها بأنها هي الإسلام الصافي الذي فهمه السلف الصالح عن نبيهم صلى الله عليه وسلم وتمسك به من بعدهم إلى عهد الدولة السلفية السعودية, وهي كذلك, فأعزها الله بهذه الدعوة وأعز الدعوة بها .

فنعم هذا هو والله وقت السلفية, والثبات عليها, والعمل على نشرها بين المنتسبين للإسلام, ليعيش المسلمون في عز وأمن وأمان, فيستطيعون بناء القوة والمنعة وإعداد العدة, التي تخولهم للعيش بكرامة وعزة وشموخ .
وليس بالفوضى الخلاقة المسماة بالثورات والحاصلة في بعض بلاد المسلمين هذه الأيام, فهذه والله وبالله وتالله من أكبر أسباب زيادة انحطاط الأمة وتكالب أعدائها عليها, وهوانها على الناس, ولله الأمر من قبل ومن بعد .

وأعجب من بعض الكتّاب وكيف يخفى عليهم حال الحرب الباردة بين دولتنا السعودية وعدوتها اللدودة إيران الرافضية وأذنابها من الجماعات الحزبية, فهل هذا هو المرجو منهم في هذه الأوقات, فالواجب عليهم ترك شهواتهم الفكرية جانبًا, والحذر من سكرة الفكر, وتمنية الشيطان الرجيم {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا} وهي عادة الشيطان مع الإنسان فمن كيده له كما قال ابن القيم : أنه يورده الموارد التي يخيل إليه أن فيها منفعته, ثم يصدره المصادر التي فيها عطبه, ويتخلى عنه ويسلمه, ويقف يشمت به ويضحك منه .

وما أحسن ما أنشد حسان بن ثابت رضي الله عنه في هذا المعنى حين قال:
دَلّاهُمْ بِغُرُورِ ثُمّ أَسْلَمَهُمْ ... إنّ الْخَبِيثَ لِمَنْ وَالَاهُ غَرّارُ
وَقَالَ إنّي لَكُمْ جَارٌ فَأَوْرَدَهُمْ ... شَرّ الْمَوَارِدِ فِيهِ الْخِزْيُ وَالْعَارُ


فمن كان خليًا عن البدعة الحركية أو الليبرالية فستنفعه الذكرى إن شاء الله, ومن كان محترقًا بإحدهما فليس لها من دون الله كاشفة .
والله أعلم وأحكم وهو القادر على هداية من يشاء من عباده وأن يغفر ذنوبنا وإسرافنا  وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم, والحمد لله رب العالمين.

وكتبه / علي بن عمر النهدي
 14 صفر 1433 هـ

ما هذا يا إدريس الدريس ؟


ما هذا يا إدريس الدريس ؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه         .....       أما بعد :

يجهل إدريس الدريس الكاتب في صحيفة الوطن وغيره هداهم الله منزع أهل العلم الراسخين في منعهم لتأنيث محلات بيع المستلزمات النسائية, فذهبوا يسخرون بمن فضّلهم الله تعالى وأبان عن قدرهم في كتابه الكريم كقوله عز وجل {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[آل عمران:18] يقول القرطبي رحمه الله : " في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء .... وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير .انتهى

فاعلم بأن الله تعالى شرّفهم بهذا الشرف وهو يعلم سبحانه بأنهم قد يجانبهم الصواب, وقد يعتريهم الاضطراب, وهم يسهون وينسون, ولكنهم لا يتعمدون, ومتى تبين لهم الحق فهم يتبعون, وهذا فراق بينهم وبين المتشبهين بهم. لذا يجب على المسلم أن يحذر من الوقيعة في جانب هذه الطائفة الجليلة والمعظمة عند العظيم الجليل جل في علاه, وذلك حال كونهم مجانبون للصواب, فكيف إذن يقع فيهم الجاهل وهم بالحق ينطقون, وللخلق يرحمون, وبحجة الله تعالى بين عباده هم قائمون ؟!

والمتقرر عن أهل العلم والفضل أن مسألة تأنيث محلات بيع الملابس النسائية لا تقوم على حجج شرعية معتبرة, وإنما هي قائمة على أهواء شخصية لطائفة علمت شيء وجهلت أشياء, والله يعلم ما في الخفاء, والظاهر يحكي عنهم أنهم جادون في حرف المجتمع عن مساره, وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا, بحيل شيطانية ظاهرها الرحمة والغيرة, وباطنها من قبلها العذاب, فهم قد عجزوا عن تحقيق هذا الانحراف بعدما طالبوا به بشكل صريح قبيح, فذهبوا يتوسلون لتحقيقه بدعاوى ظاهرها الحق وباطنها الباطل المحض كتأنيث محلات الملابس النسائية, وقيادة المرأة للسيارة وغير ذلك, وهي والله من خطوات الشيطان التي حذرنا منها ربنا جل في علاه بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [النور:21]. 

وبعيدًا عن الإنشاء أقول : الشريعة أمرت المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار, والتباعد قدر الإمكان, وأمرتهم بترك مقاربة كل ما يدعو للفتنة بين الجنسين, ومن المعلوم عند أهل الفقه, أن الشريعة حوت على ما يحقق المصالح أو يكمّلها, وعلى ما يدرء المفاسد أو يقللها, وقسّم أهل العلم بالمقاصد الشرعية مقاصدها إلى خمس كلية : حفظ الدين والنفس والعرض أو النسل والعقل والمال, وقسموا المصالح والمفاسد من جهة الأولوية إلى ثلاثة مراتب: ضروريات, وحاجيات, وتحسينيات, فيقدم جلب المصالح الضرورية على المصالح الحاجية والتحسينية, ويقدم دفع المفاسد الضرورية على المفاسد الحاجية والتحسينية. 

فالضروريات هي : التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدين والدنيا على استقامة وتفوت بفواتها سلامة الدنيا والأخرة.
وأما مرتبة الحاجيات فهي : ما يؤدي فواتها لشيء من الحرج والمشقة, وتحصيلها يدفع الحرج والمشقة في أمر الدين والدنيا, ولكنّ فواتها لا يبلغ مبلغ فساد أمور الدين والدنيا.
وأما مرتبة التحسينيات (تعني الكماليات) وهي : الأخذ بالمندوبات والفضائل ومكارم الأخلاق وترك المكروهات والتنزه عن الرذائل.

فكل مقصد من المقاصد الخمس تدخله الثلاثة المراتب, فيُحصّل الضروري ثم الحاجي ثم التكميلي, ولا يقول أحد بدفع المفسدة القبيحة من قسم الحاجيات, بفعل المفسدة الأقبح من قسم الضروريات, وهذا هو الواقع في دعوى تأنيث محلات بيع المستلزمات النسائية والله المستعان .

فللدين ضروريات يقدم حفظها على باقي المقاصد الشرعية من نفس أو عرض أو عقل أو مال, نعم إذا تعارضت حاجيات الدين مع ضروريات إحدى المقاصد الأخرى, يقدم حفظ ضرورية المقاصد الأخرى على حفظ حاجية الدين, وهكذا على تفصيل لأهل العلم في ذلك. 
فشراء النساء مستلزماتهن الخاصة من الرجال, فيه حرج بلا شك, ولكنّ رفعه لا يعدو كونه من الحاجيات, وأما إقرار عمل المرأة مختلطة بالرجال وتحت سلطتهم المباشرة, وفي الأسواق العامة, فهذه مفسدة عظيمة, وخطوة من خطوات الشيطان, تمهد لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا, الذين عافى الله مجتمعهم من الاختلاط المحرم في الأعمال والتعليم, فمنعُ ذلك من قبيل الضروريات المتعلقة بحفظ الدين والعرض. لاسيما وأنّ تحصيل المصلحة الحاجية المتمثلة برفع الحرج عن النساء في شراءوهن مستلزماتهن من الباعة الرجال, ممكن بدون الوقوع في حصول مفسدة دفعها ضروري لحفظ الدين والعرض, وذلك بجعل المحلات النسائية مغلقة وخاصة بالنساء ولا يدخلها الرجل بائع كان أو مبتاع, وبهذا تتحصل المصالح, وتندفع المفاسد, ومن يتق الله يجعل له مخرجًا, ومن يتوكل عليه فهو حسبه .

وفي ظني لو علم إدريس الدريس الكاتب في صحيفة الوطن, هذا العلم الشرعي الذي يخفى على أمثاله, لما تجرئ على تسويد مقاله البذيء المعنون بـــــــ [لانجري: "هيدي القطعة كتير بتلبأ لك" +18]. يقول إدريس الدريس في صحيفة الوطن : " الحوار الخادش للحياء أعلاه.. ليس فانتازيا متخيلة، أو جزءا من مسرحية. كما أنه ليس حوارا في أحد محلات سوليدير بيروت.. وليس حديثا في أحد أسواق دبي.. إنه حوار يحدث غالبا كل يوم في كل المحلات التي تبيع "الملابس" التحتية النسائية في أسواق الرياض أو جدة أو الخبر أو غيرها من مدن المملكة " .انتهى

وأعجب والله من ظن هذا الكاتب بنساءنا وأهلينا, ولازلت أتسأل هل هو حقًا يظن بأهله وبناته هذه الوقاحة والجراءة الصارخة في هذا الحوار البذيء ؟!أما أنا وكل غيور نبيل فضلًا عن تقي فاضل فنبرأ إلى الله ونبرأ نساءنا وبناتنا وأهلينا عن هذه الصورة السافلة التي صورها هذا الكاتب هداه الله وبصره بفداحة جرمه .

فالأصل في المرأة المسلمة بعامة ومن في بلاد الحرمين بخاصة, الحياء والحشمة, والبعد عن التخاطب مع الرجال بلا حاجة فضلًا عن الاسترسال في الخطاب فضلًا عن الخضوع والليونة فيه, ولا يظن أحد أننا نكابر وننفي الحرج الموجود عند شراء النساء مستلزماتهن من الرجال, ولكن الذباب لا يقع إلا على القذارة, والطيور على أشكالها تقع, فالمرأة المؤمنة الممتثلة لقوله تعالى {وذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} لا سبيل إليها بنص الكتاب, لأنها إذا ألتزمت بأمر الله تعالى, كان وعد الله مفعولًا, فلن يجرؤ أحد ممن في قلبه مرض على التعرض لها بشيء, فضلًا عن إدارة مثل هذا الحوار الفاحش البذيء.
والله المستعان وهو أعلم وأحكم وأقدر أن يخيب ظن المتربصين بعفاف نساء المؤمنين, وأن يسدد أهل الحل والعقد في منع كل ما يضر رعيتهم في دينهم ودنياهم, هو ولي ذلك والقادر عليه.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين .

وكتبه/ علي بن عمر النهدي
16 صفر 1433 للهجرة  

الأحد، 1 يناير 2012

دراويش الليبرالية والدعوة إلى الخرافة

بسم الله الرحمن الرحيم



دراويش الليبرالية والدعوة إلى الخرافة


الحمد لله حمدًا يحبه ويرضاه واُصلي واُسلم على نبيه ومصطفاه وعلى آلاه وصحبه ومن والاه ,,, أما بعد :
يقول الليبراليون ضمن التعريف بالليبرالية : ((فالليبرالية لا تعني أكثر من حق الفرد - الإنسان - أن يحيا حراً كامل الاختيار وما يستوجبه من تسامح مع غيره لقبول الاختلاف. الحرية والاختيار هما حجر الزاوية في الفلسفة الليبرالية، ولا نجد تناقضاً هنا بين مختلفي منظريها مهما اختلفت نتائجهم من بعد ذلك)). انتهى

ويقول أحد مروجيها من بني جلدتنا: ((فكرتها لا تهدد أحدا، لأنها تقبل بكل الأشياء وكل الناس .... مفهومها يقوم على حرية الفرد في الاختيار لنفسه فقط. ومع الحقوق المتساوية)). انتهى

ويقول آخر من مروجيها من بني جلدتنا: ((قائمة على المساواة بين الجميع , التسامح مع الآخر أو التعددية)). انتهى
وهذه التعريفات لليبرالية تعريفات خادعة, يحسبها الظمآن ماء وهي سراب وأوهام , وفعلهم كفعل المخادعين ممن تسأله عن تعريف المشروبات الروحية وأنت لا تعلم حقيقتها وأنها خبيثة مغيبة للعقل, فيقول لك المخادع : المشروبات الروحية عبارة عن ماء طاهر نقي عذب, وثمرة طيبة من رزق الله , تُعصر الثمرة الطيبة وتُخلط بالماء الطاهر, ويتركان في حفظ الله في إناء محكم, الأيام ذوات العدد, فيكون مشروبًا روحيًا لذة للشاربين !!!

علمًا بأن مصطلح المشروبات الروحية مصطلح مركب من كلمة ( مشروب ) وهو وصف لما يتعاطى بالفم من السوائل, فيدخل تحته السوائل النافعة والضارة, والكلمة الأخرى ( الروحية ) وأصلها من الروح أو الراحة والمعنى العرفي المقصود بهذا المصطلح المركب أي ( ما يشرب من السوائل وترتاح إليه نفس الشارب ), وبذلك يكون لكل فئة من الناس مشروبها الروحي, مما يدل على أن التبشير والتسويق لهذا المصطلح فيه خداع للناس وذلك عندما يُسوق لهم المصطلح بالمعنى المرفوض عند الأسوياء منهم .

فمروجو الليبرالية في المجتمعات المسلمة هذا هو صنيعهم بالضبط, فتجدهم يدعون الناس إلى مصطلحات مقبولة لفظًا للكل, ولكنها مختلفة في المعنى بحسب الاستعمال الشخصي, ظاهرها الرحمة وباطنها من قبلها العذاب, وإلا فمن منا يكره الحرية أو التسامح أو العدل أو المساواة أو احترام الآخرين المحكومة بالشرع الإسلامي؟

ولكن عندما تُفسر هذه الألفاظ ويُكشف عن معانيها, تتضح لك الحقيقة أيها المسلم وتتبين لك دعاوي هؤلاء المروجين لهذه المخدرات اللفظية, والتي هي في حقيقتها موبقات ومهلكات تسلخ المسلم من إيمانه وهو لا يشعر عافاني الله ومن يقرأ .
فمثلًا دعوى الحرية, ما حدودها ؟
يقول لك هذا المروج لليبرالية : ((فإن الليبرالية لا تأبه لسلوك الفرد طالما أنه لم يخرج عن دائرته الخاصة من الحقوق والحريات, أي له الحرية على ألا يساء للآخر)) !!

السؤال : هل رب العزة والجلال جل شأنه, يدخل في حدود قولهم ( الآخر ), بمعنى هل الإساءة في حق الله تعالى بالمعصية أو بالفسوق أو بالكفر تدخل في هذا الحد الليبرالي للحرية ؟ أشك في ذلك, بل أجزم بالنفي, لأن الفلسفة الليبرالية تقول : (( أن تكون متفسخاً أخلاقياً، فهذا شأنك. ولكن، أن تؤذي بتفسخك الأخلاقي الآخرين، بأن تثمل وتقود السيارة، أو تعتدي على فتاة في الشارع مثلاً، فذاك لا يعود شأنك. وأن تكون متدينًا أو ملحداً فهذا شأنك أيضا )).
يقول تعالى { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ } وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى : " يُؤْذِينِى ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِى الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ " وفي الحديث الآخر يقول عز وجل : " كذبني ابن آدم, ولم يكن له ذلك, وشتمني ولم يكن له ذلك, فأما تكذبيه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان, وأما شتمه أياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا ".
فإذا كانت أذية الله تعالى بالكفر والبدع والمعاصي داخلة في اعتبار الحد الليبرالي للحرية { فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .

ولكن الرزية أن مفهوم الحرية في الفلسفة الليبرالية لا يعتبر ذلك, وبالتأكيد ليست هذه الحرية التي يتمناها من أسلم قلبه لله وآمن باليوم الآخر, وبذلك يتبين لك أن إتحاد الاسم لا يعني مطابقة المعنى بين دعوى الحرية في الليبرالية وبين الحرية المطلوبة والمحكومة بالشرع المنزل من لدن حكيم خبير, إذن لا يجوز للمسلم أن يطالب بالحرية الليبرالية ويزعم بأنها من قيم الإسلام, وهكذا في باقي المصطلحات.
وللتأكيد لنأتي لمصطلح آخر عند الليبرالية, وهو مصطلح أخاذ وجميل ومطلوب شرعًا, وهو التسامح مع الآخر, ولكن ما تعريف هذا التسامح بحسب المفهوم الليبرالي ؟ ومن هو هذا الآخر بحسب المفهوم الليبرالي ؟

التسامح الليبرالي بحسب القاموس الأمريكي : (( تحمّل وقبول طبيعة ومعتقدات وسلوك الآخرين دون منع أو معارضة, سواء اتفق معها أو اختلف )) وفي قاموس ويبستر : (( التسامح : احترام آراء ومعتقدات وسلوك الآخرين والاعتراف بها )) فمكونات التسامح الليبرالي بحسب بيتر نيكول سون : (( الانحراف, الأهمية, عدم الموافقة, السلطة, عدم الرفض, الصلاح )) أي أنه يجب على المرء حتى يكون متسامحًا أن يكون متسامحًا مع انحراف الآخرين في حال عدم موافقته لهم, وفي نفس الوقت لا يبدي رفضه لانحرافهم, بل عليه احترام هذا الانحراف بإبداء اهتمامه وعدم رفضه لما يعتقده انحرافًا, وكل ذلك مع القدرة على منعهم ثم لا يمنعهم, فبدون ذلك لا يكون صالحًا متسامحًا في الفلسفة الليبرالية !!

يعني لكي تكون أبًا ليبراليًا متسامحًا فعليك : أن ترى ابنتك تنحرف, وأنت تعلم بأن ذلك انحرافًا, ولكن عليك أن تقر بحقها في فعله وإن كنت تعده انحرافًا!؟, بل وليس لك مجرد توبيخها بله عدم الرفض فضلًا عن استعمال سلطتك لمنعه, بل عليك إبداء الاهتمام والاحترام,!!؟ , فالحمد لله الذي عافى المؤمنين من هذا التسامح .

فبعد أن عرفت مفهوم التسامح الليبرالي, فاعلم بأن الآخر في المفهوم الليبرالي يشمل كل منحرف بدون تقييد, سواء كان انحرافه دينيًا أو عقديًا أو سلوكيًا أو أخلاقيًا, فيجب عليك لتكون متسامحًا أن ترضى بكفر الكافر وبدعة المبتدع وفسق الفاسق ومعصية العاصي, وتقرهم على ذلك, بل وتحترمهم ولا تحتقر انحرافاتهم, ولا تمنعها إن كنت ذو سلطان, بل وتساعدهم في فعلها إن كان في مقدورك !!

وهنا مربط الفرس, وهذا ما فعله مروجو الليبرالية ودراويشها في صحيفتي الوطن وعكاظ السعوديتين, فقد مارسوا التسامح الليبرالي وطبقوه تطبيقًا عمليًا مع بعض المتصوفة من دعاة بدعة المولد في بلاد التوحيد والسنة, فقاموا بنشر إعلان ودعاية للاحتفال ببدعة المولد متضمنًا أبيات شركية تشتمل على دعاء غير الله جل وعز, وغلو حرّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " إياكم والغلو في الدين, فإنما أهلك من قبلكم الغلو في الدين " وقال عليه الصلاة والسلام : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد " ومن ذلك أنهم يدعونهم من دون الله عز وجل.

فدراويش الليبرالية ما فتؤو من نشرهم لدعوى أنهم دعاة للتنوير ومحاربة التخلف والانغلاق كما يزعمون, حتى وصلوا لدرجة تقديس عقولهم, ومحاربة كل ما يعارضها من أمور الدين الصحيح, بحجة الانعتاق من الموروث زعموا, وهذه هي ملتهم التي بها يؤمنون, وحولها يحومون, ومن أجلها يتواصون, وهم فيها قوم طاغون, ولن ينجيهم من تبعات ذلك إلا التأويل, ومراجعة الحق بالانقياد لرب جليل.

فالعجب كل العجب أن تجد هؤلاء المروجون للتنوير زعموا, يتهاوون في دركات التخلف والظلام, بالدعوة إلى البدع والخرافات, والتعاون على الإثم والعدوان وحث الناس على ذرائع الشرك الصراح الناقض لكل قيم التحرر والتنوير الحقيقيين.
وهم لو سألتهم عن هذه البدع لقالوا لك الحق : وأنها خرافات موروثة ما أنزل الله بها من سلطان!

ولكنه التسامح الليبرالي الخرافي, فانتبه أيها المؤمن واعرف حقيقة هذه الدعوى الأجنبية عن الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح, فالإسلام بريء من الليبرالية براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام, فأمة الإسلام إنما كانت خير أمة أخرجت للناس, بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله وحده, والليبرالية مناقضة تمامًا لمكونات خيرية الأمة فهي بالتالي مضادة للإسلام, وأجنبية عنه.

فيا من يهمه الأمر في بلاد الإسلام بعامة وفي المملكة العربية السعودية بلاد التوحيد والسنة بخاصة, الأمر جد خطير, وقد وصل الأمر لحماية جناب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد, فكثير من المسلمين كالفراش التي تتقاذف في النار, يتتابعون اليوم في الدعوة إلى الليبرالية, بمسميات شتى, فقائل يقول: تنوير, والأخر يقول: مدنية لا دينية, وثالث يقول: وحدة الأديان, ولا يليق بالمسلم الذي أنعم الله عليه بنعمة الإسلام, ولا يليق بمن تشرب دمه العقيدة الصافية الناصعة, أن يتهاون في هذا الأمر الجلل, فالعز والتمكين والنصرة والولاية للفرد أو الجماعة, إنما هي من ثمار إقامة الدين الخالص ولوازمه, وترك ما يضاد ذلك .

فالحذر الحذر من التهاون في ذلك فنكون ممن قد حذّرهم الله جل شأنه بقوله { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا } فالحقيق بالفرد المسلم حاكمًا أو محكومًا, أن يحمد الله ويجتهد في شكره أن هداه للإسلام, ثم يدعوه جل وعز ويلح عليه بأن يثبته عليه حيًا وميتًا, بأن ينجيه من كل ما ينقضه ويضاده من عقائد باطلة كالقبورية وآراء فاسدة كالليبرالية والديمقراطية وغيرها, قال تعالى {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ}.
والله أعلم وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين .

وكتبه / أبو طارق النهدي
17 ربيع أول 1432 للهجرة

محض النصح للأستاذ ابراهيم السكران (نقد لمقالة مفاتيح السياسة الشرعية)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وعبده ,,,,, أما بعد :

من المؤلم جدًا أن ترى الباطل يخرج ممن يتحرى الحق, ولكن قدر الله مقدورًا, وليس للناظر إلا محض النصح لمن يظن فيه الخير, ولو كان النصح فيه من الخشونة ما يستنكره الغبي وينتفع به الذكي, فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحدهما الأخرى وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة كما قاله شيخ الإسلام.

ويقول شيخ الإسلام رحمه الله عند حديثه عن منشأ الميل والضلال عن الحق عند المخالفين لأهل العلم بالكتاب والسنة المقتفين لسبيل رأس مؤمني هذه الأمة ما نصه : " أن غالب ما يزعمونه برهانًا هو شبهة ...وغالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة من قياس فاسد، أو قضية كلية لا تصلح إلا جزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة له، أو التمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة.
ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة، أوهمت الغِرَّ ما يوهمه السراب للعطشان". انتهى [من كلام شيخ الإسلام بتصرف غير مخل]

وقد طّل علينا الأستاذ ابراهيم السكران بمقالة عجيبة غريبة بل هي أجنبية عن طريقة أهل الفقه في الدين في العرض والاستدلال, وشبيهة بطرائق المتلمسين للشبهات وعرضها في قالب البرهان والبينات, فهي بحذافيرها على ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه المتقدم :
إما شبهة يحسبها المستدل برهانًا ,
أو دعوى لا حقيقة لها ,
أو قياس فاسد ,
أو الخلط بين القضايا الجزئية والكلية ,
أو التمسك بالألفاظ المشتركة وإسقاطها بحسب الهوى .


ولا يقع في هذا المسلك إلا من قرر ثم ذهب يُقعّد, واعتقد ثم ذهب يستدل.
وبوضوح شديد فالذي قرره أبو عمر السكران ونسي أن ينص عليه ما حاصله : (( ابشروا يا معشر المفتونين بالديمقراطية, فالديمقراطية من دين محمد صلى الله عليه وسلم وعليها أتباعه الصحابة الأخيار رضي الله عنهم وإن جهل ذلك الأئمة والفقهاء قديمًا وحديثًا )) !!!

فقد ذهبت بالأخ ابراهيم سلمه الله الشبهات إلى اختزال الديمقراطية بما فيها من مساواة الكريم باللئيم, والعالم بالجاهل, والتقي بالفاجر, والكبير بالغر الصغير, والعاقل بالمعتوه, والرجل بالمرأة, والحر بالعبد, فاختزل كل ذلك بمسألة الشورى والتي هي تكرمة لهذه الأمة الوسط الخيار من بين الأمم !!

فكيف تكون هذه التكرمة متضمنة للظلمات التي تتضمنها الديمقراطية الغربية الفاسدة عقلًا وشرعًا عند أصحاب النقل والعقل ؟

من هنا تعلم أن الشورى بريئة تمامًا من دعوى الأستاذ ابراهيم السكران في جعلها عامة في المسلمين, بل وحق من حقوق جميع الأفراد بمختلف أصنافهم وصفاتهم كما عنون له بقوله : ((الأصل في الشورى أن تكون عامةً في المسلمين، لا خاصةً بطائفةٍ منهم)) .

وهذا هذيان اشتبه على الأستاذ السكران فظنه برهان, وإلا لو تأمل في لازم ذلك, وهو أن كل فردًا من أفراد الأمة له حق في الشورى بغض النظر عن صفته وحاله, لعلم بطلان هذا الهذيان الذي لا يقوله فقيه ولا متفقه .

فهل للخارجي الفاسق حق في اختيار عثمان رضي الله عنه أو عدم اختياره ؟
وهل للناصبي الفاسق حق في اختيار علي رضي الله عنه أو عدم اختياره ؟
بل هل لهما حق في اختيار من يمثلهما في الشورى وفي اختيار إمام الأمة, وهما على هذه الحال البائسة في الاعتقاد ؟!
وعلى ذلك فقس إن كنت من أهل القياس والنظر في الشريعة الغراء البيضاء النقية !

فإن سلمت بأن لا , فيلزمك فساد تقريرك للعموم, والعودة إلى أن الشورى لا تكون إلا لمن هم أهل للشورى, ولذلك تجد الفقهاء يخصون الشورى بأهلها فيقولون (أهل الشورى), وهذا مثل الشمس في أن الشورى خاصة بطائفة من المسلمين وليست بحق لعمومهم وأما باقي الأوصاف فهي أوصاف لموصوف واحد فإذا تعين أهل الشورى لزمهم اسم (أهل الحل والعقد) وكانوا من (أصحاب الشوكة) وغير ذلك من الاسماء التي تتلازم فيما بينها .

فإن قال الأستاذ ابراهيم سدده الله وقد قال : ((أهل الحل والعقد مفهوم تمثيلي لا تخصيصي)) ... ولذلك فإن الذي يظهر  هو  أن "أهل الحل والعقد" ليس تخصيصاً للشورى وافتئاتاً على حق بقية الأمة، بل هو أقرب لكونه مفهوم تمثيلي في ظل ظروف يستحيل فيها إجراء الاتصال الدقيق بالأفراد، فأهل الحل والعقد) كان هو أقرب نموذج سياسي يتيح إمكانية معرفة ما ترضاه الأغلبية".انتهى

قلت : لا أدري لماذا ضرب المفاهيم بعضها ببعض, وزرع الإشكالات بينها دون وجودها من الأصل ؟
فكون أهل الشورى طائفة خاصة لا ينفي أنهم طائفة تمثل الأمة في إبداء الشورى في مسائل الحكم والولايات وغيرها, ولكن لأن الاعتقاد عازه الاستدلال, نصب الأستاذ السكران هذه المعارضة وساق عليها هذا السؤال, ليقول بلسان الحال : ولو أن أهل الشورى في الواقع هم طائفة خاصة ولكنهم مجرد هيئة تمثيلية عن الأمة, ودام أنها مجرد هيئة تمثيلية فمرد الحق لأفراد الأمة فردًا فردًا.

وهذا التقرير فاسد !!

ولو أنصف الأستاذ وكان صريحًا لطرح محل النزاع الحقيقي وهو :
هل لكل فرد من أفراد الأمة حق في اختيار من يمثلها في الشورى ؟
وهل هذه الطريقة شرعية في تعيين من هم أهل للشورى ؟

ولكن الأخ ابراهيم بصره الله بالطريق انحرف عن ذلك, لسلوكه غير طريق الهدى في بحثه هذا للأسف, والله المستعان

وثم أتى بهذه الطامة التي يقول فيها :
"وطوال بحثي في مسائل السياسة الشرعية لم أجد نصاً واحداً من كتاب الله أو سنة رسوله أو آثار الصحابة يخص شورى التولية بطائفة معينة، ومن ادعى من أهل العلم المعاصرين تخصيص شورى التولية بطائفة معينة من حيث الأصل فعليه الدليل". انتهى

أقول : سبحان الله كيف تتعامى أو تغفل عن بيعة السقيفة يا أستاذ ابراهيم !
سبحان الله كيف تتعامى أو تغفل عن استخلاف أبي بكر للفاروق رضي الله عنهما .
سبحان الله كيف تتعامى أو تغفل عن أهل الشورى الستة الذين اختارهم عمر وحده رضي الله عنهم أجمعين.
ألا تعلم بأن ذلك كله قد تم بين الصحابة رضي الله عنهم بلا نكير من أحد منهم على هذا التخصيص؟
ألا يقوم قائم بحجة الله فيقول لهم لماذا يا أبا بكر لم تجعلها شورى في المسلمين فترسل لعموم الصحابة فضلًا عن باقي الأقطار ؟
لماذا يا عمر تستبد بالرأي وتخصص ستة نفر للشورى في تولية خليفة لك ؟
ولا حاجة للاستدلال بالإجماع السكوتي وهو حجة, وحسبنا أن الشرع والعقل متفقان, على حجية عدم استحقاق غير المختارين من قبل عمر رضي الله عنه في أمر اختيار خليفة له, لو كان للمخاطَب عقل يعقل به, إن فقد البصيرة في تحصيل الدليل الشرعي والله المستعان .

ومن المعلوم أن مسألة تولية إمام للمسلمين من المسائل التي تنزل بهم فهي داخلة في قوله تعالى { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا }[النساء:83].
أليس في هذه الآية دليل يكفي يا أستاذ ابراهيم !؟


فإن أبيت فيؤكد هذا الإستدلال فهم الصحابي الجليل المفترى عليه من الأستاذ السكران وغيره, وهو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه الذي نسب إليه الأستاذ السكران وغيره بأنه أول من أخذ بنظام الانتخاب في الإسلام زعموا وإنه لم يترك من الشورى حتى العذارى في خدورهن !!!

فقد أخرج الأئمة أحمد والبخاري والنسائي وابن حبان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال له : أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال إن فلانًا يقول: لو قد مات عمر رضي الله عنه بايعت فلانًا. فقال عمر رضي الله عنه: إني قائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس فأخشى ان تقول مقالة يطير بها أولئك فلا يعوها ولا يضعوها على مواضعها ولكن حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم فتقول ما قلت متمكنًا فيعون مقالتك ويضعونها مواضعها" وهذا لفظ الإمام أحمد .

ولفظه عند الإمام البخاري : " قلت: لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس يغلبون على مجلسك فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها فيطير بها كل مطير فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة فتخلص بأصحاب رسول الله  - عليه الصلاة والسلام - من المهاجرين والأنصار فيحفظوا مقالتك وينزلوها على وجهها ".
وعنده في لفظ أخر : " فقال عبد الرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإني أرى أن تمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة والسلامة وتخلص لأهل الفقه وأشراف الناس وذوي رأيهم ".

وعند الإمام النسائي بلفظ : " قال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل ذلك يومك هذا فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغائهم فأخشى أن تقول مقالة يطيرون بها كل مطير ولا يضعونها على موضعها فانتظر حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والطاعات والإيمان تختص بفقهاء الناس وأشرافهم تقول ما قلت متمكنا فيفهمون مقالتك ويضعونها على مواضعها".

وعند الإمام ابن حبان بلفظ : " فقال عبد الرحمن فقلت يا أمير الؤمنين لا تفعل ذلك يومك هذا فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإنهم هم الذين يغلبون على مجلسك فأخشى إن قلت فيهم اليوم مقالا أن يطيروا بها ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها أمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة وتخلص لعلماء الناس وأشرافهم فتقول ما قلت متمكنا فيعوا مقالتك ويضعوها على مواضعها" .

والشاهد من الحديث تخصيص عبد الرحمن وعمر المدينة كمكان وأعيانها كأفراد وليس كل أفراد أهل المدينة بل خص علماء الصحابة وأهل الفقه وأشراف الناس وذوي الرأي فيهم, بالحديث في مسألة تولية الحكم, وبالمقابل نفى رضي الله عن ابن عوف, دخول رعاع الناس وغوغائهم في هذا الأمر , فأين البصيرة يا أستاذ ابراهيم وأنت تقف على هذا الأثر العظيم والذي هو منهج صريح لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آلية اختيار الإمام وتحديد أهل هذا الأمر ونفي دخول غيرهم فيه, وبالسياق وبصنيع عمر رضي الله عنه عند طعنه بتحديد الشورى بستة نفر من علماء الصحابة رضي الله عنهم يُفهم قوله : " فمن بايع أميرًا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة ان يقتلًا " .

فالمقصود بقوله " من غير مشورة المسلمين " أي من كان أهلًا للشورى من المسلمين ممن يختارهم الإمام, وليس كما فهم الأستاذ ابراهيم وأن المراد بهذه الألفاظ وغيرها ظاهرها وأن المقصود عموم المسلمين, واُزيغ سدده وبصره عن مدلول اللفظ وأنه من العام الذي اُريد به الخصوص وهو واضح من السياق ومن فعل عمر رضي الله عنه وإقرار الصحابة رضي الله عنهم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

ومن أعاجيب الأستاذ ابراهيم السكران قوله : " يتساءل كثير من قراء السياسة الشرعية لماذا لم يطبق الصحابة فكرة صناديق الاقتراع أو تعميم الشورى فرداً فرداً في مملكتهم الإسلامية؟ والحقيقة أن هذا التساؤل ينطوي على إهدار مضامين تاريخية جوهرية، فمن الاعتبارات الهامة التي يجب مراعاتها في البحث في مسائل السياسة الشرعية هو (تطور وسائل الاتصال المعاصرة) ..... فقبل تطور وسائل الاتصال المعاصرة لم يكن بالإمكان أصلاً تطبيق الاختيار العام، أو الاقتراع العام، بهذا الشكل الذي نراه اليوم".انتهى


أقول : أليست شريعة الله تعالى صالحة لكل زمان ومكان, والمشرّع سبحانه علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ؟
والذي نفسي بيده إن إكذوبة الاقتراع العام ولو كانت بنسبة ثلث الأمة لهو من التكليف بما لا يطاق وفيه من العنت والحرج والمشقة ما هو منفي عن شريعة الإسلام السمحة, فكيف يزعم الزاعم بأن اقتراع الأمة بأسرها حق من حقوقها؟!
فما هذه الدعاوى إلا أوهام وخيالات جاهل بالحقيقة غارق في الأحلام, أو هو حركي بفكر ليبرالي طمس الله على قلبه فأصبح يرى الفساد صلاحًا والصلاح فسادًا والعياذ بالله, فليس في هذه الطريقة شيء من المصلحة التي تتشوف إليها الشريعة المحمدية, بل فيها نقيضها من المفاسد التي لا يعلم بحجمها إلا الله تعالى ومنها التحزب والتشرذم والتفرق, وتعطيل مصالح المسلمين, وشراء الذمم, ونشر الفساد الأخلاقي, والكذب, والعراك, وحصول البغضاء بين المسلمين.


ومن أعاجيب أستاذنا السكران قوله : " ومن الإشكاليات التي تعترض مفهوم أهل الحل والعقد كونه مفهوم حادث، ولم يرد في نصوص القرآن والسنة، ولا في آثار الصحابة والتابعين، وقد فتشت مدةً طويلة في كتب السنن والآثار والتفاسير المسندة عن وجود هذا المفهوم فلم أجده، وأول استعمال وجدته لهذا المفهوم في القرن الثالث ثم شاع بسرعة عجيبة، فليت من يجد استعمالاً لهذا المصطلح في النصوص أو آثار الصحابة يفيدني، وعدم وجود هذا المفهوم في القرآن والسنة وآثار الصحابة لا يدل على بطلانه طبعاً، وإنما عدم وجوده يعني أنه (يستدل له) لا أنه (يستدل به)، فقد يكون مفهوماً سبكه بعض أهل العلم لاستخلاص معاني نصوص معينة، لكني لم أجد هذا المفهوم بنصه، ولم أجد أدلةً عليه (بمعناه التخصيصي)، وإنما وجدت في النصوص نقيض هذا المفهوم (بمعناه التخصيصي) حيث وجدت نصوص وآثار الشورى تدل على تعميم الشورى في المسلمين".انتهى

أقول : من الحيل الشيطانية هدم المصطلح لينهدم معناه المتفق عليه, ومن المعلوم أن العبرة بالمعاني لا بالمباني, فهب يا أستاذ ابراهيم عفا الله عنك أننا تركنا اصطلاح الفقهاء وأخذنا بفقهك الجديد, فماذا تقترح علينا إذا أرادنا أن نصطلح على تسمية المسلمين المؤهلين الذين يحلون ويعقدون البيعة للحاكم ؟
إذن فهذا التحايل لا داعي له, فأدلف إلى مبتغاك ولا تجبن وقل: ليسوا بأهل حل وعقد وإنما هم يجب أن يكونوا منفذون لرغبات الشعب ونزواته !!!!
فإذا قال لهم الشعب : بايعوا فلانًا بايعوه, وحلوا بيعة فلان فحلوها, وافعلوا كذا فعلوا , أو اتركوا كذا تركوا , والشعب فيهم المتردية والنطيحة وما لفظ السبع وأكل !!؟

يقول الأستاذ ابراهيم السكران : "أننا لو قلنا أن أهل الحل والعقد هم العلماء والوجهاء ورموز القوى المجتمعية، فالسؤال الذي سيلي هذا التقرير هو: ومن الذي سيحدد أهل الحل والعقد؟ والجواب المعقول هاهنا أن يقال: أهل الحل والعقد يختارهم المجتمع المسلم".انتهى

أقول : هذه هي الخلاصة المرادة من الأعاجيب الذي قدم به الأستاذ ابراهيم عافاه الله, ولو دلف لمحل النزاع لما وقع فيما وقع من أعاجيب, فالحري بالبحث والنقاش هو هذا : من يحق له اختيار أهل الحل والعقد الموكول لهم اختيار الحاكم ؟
فإذا قال الأستاذ ابراهيم : المجتمع المسلم هو الموكول باختيار أهل الحل والعقد .
قلنا : ما المراد بالمجتمع المسلم هل تعني الصفة الاعتبارية , وهل هي كائن حي ؟!
إذن : من من المجتمع المسلم يحق له اختيار أهل الحل والعقد ؟
قد أبطلنا سابقًا اختيار عمومهم , فما بقي إلا أن يكون الجواب : من هو أهل لئن يختار  ؟
فعاد الأمر إلى الأهلية وبطل المذهب بالكلية يا أستاذ ابراهيم إن كنت من الموقنين .
وللأسف فقد نقلت لنا ما لم تستفد منه كنقلك عن الحنابلة (بيعة أهل الحل والعقد، من العلماء ووجوه الناس، الذين بصفة الشهود، من العدالة وغيرها، ولا نظر لمن عدا هؤلاء، لأنهم كالهوام)[كشاف القناع:6/159].

فالشورى بهذا خاصة بطائفة تملك الأهلية, ولا نظر لمن عداهم لأنهم كالهوام, وقد نص على ذلك صاحب كشف القناع وقد أعرضت عنه لأنك اعتقدت غيره فذهبت تستدل له بما يشبه الهذيان .
يقول في كشف القناع قبل نقلك : أَمَّا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ الْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ الْمُوصِلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ وَالرَّأْيَ وَالتَّدْبِيرَ الْمُؤَدِّي إلَى اخْتِيَارِ مَنْ هُوَ لِلْإِمَامَةِ أَصْلَحُ .انتهى

وهذا بدهي عقلًا كما هو ثابت شرعًا, وزعم وجود الخلاف مما يضحك الثكلى, فاختيار الصناع من السباكين والنجارين وأمثالهم - مع احترامنا لهذه المهن وغيرها - لا يحسنه إلا من هو أهل للاختيار فكيف باختيار إمام المسلمين أن يجعل في كل أحد ويزعم بأنه حق لهم !!!

قبّح الله الديمقراطين فقد أعيوك يا أبا عمر حتى الهذيان .

يقول الأستاذ ابراهيم السكران : " القول الراجح هو مشروعية مشاركة المرأة في الشورى والاختيار والبيعة .... مقام (الشورى والاختيار والبيعة) فإن عموماته محفوظة، فكلها جاءت النصوص فيها عامة بلفظ "المسلمين والناس"، ولم نجد الشارع خصص الشورى والاختيار والبيعة بالذكورة، فلذلك فإننا لا نقوى على القول بالتخصيص، ومن ادعى من أهل العلم أن المرأة ليس لها مدخل في الشورى والاختيار والبيعة فعليه الدليل، مع احترامنا وتوقيرنا لاجتهاده، وأنه قول معتبر، والخلاف فيها اجتهادي".انتهى

أقول : تنبه أن الكثير ممن يقرأ لك يا أبا عمر , لا يفرّق بين المشروعية وبين الاستحقاق, وقد يعتقدون أنك تقصد أن عدم مشورتهن قادحة في استحقاق الولاية وما يترتب عليها, والحق أن غاية معنى المشروعية سقوط التأثيم عن من يستشيرهن, أعني أن الخلاف واقع في جواز مشورتهن, فإن ترجحت المشروعية, سقط الأثم عمن استشارهن, ولا يعني ذلك وجوب أو لزوم استشارتهن, بل إن إطلاق المشروعية غير صحيح, فالشورى لا تكون إلا لمن كان مؤهلًا من رجل أو امرأة, والشرع المطهر قد حسم قوله في أهلية المرأة في باب الولاية على الرجال وما تفرع عنها, فلا يقال بالمشروعية المطلقة في مشاركة المرأة في الشورى, ومنها الاختيار والمقصود به الاختيار  في تنصيب الإمام, فهذا لا مدخل للنساء فيه بالإجماع السكوتي للصحابة والصحابيات رضي الله عنهم أجمعين, أما الاستحقاق فمنفي بشكل قطعي, وأما مشروعية مشاركتهن في تنصيب الإمام فليسوا بأهل لذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : " ما أفلح قوم ولى أمرهم امرأة " ووصفتهن السنة بنقصان العقل والدين, وهذا النقص قادح في شروط أهل الاختيار  كما لا يخفى على المستسلم المنقاد لشرع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وازواجه وسلم تسليمًا كثيرًا .

يقول الأستاذ ابراهيم السكران : " والذي يظهر لي –والله تعالى أعلم- أن تحقيق القول في شورى التدبير هل هي معلمة أم ملزمة؟ أنها منوطة بالشروط الجعلية في الإمامة، لأن الإمامة عقد، وإعلام شورى التدبير وإلزامها مفوض للأمة، فإن اختارت الإمام وبايعته بيعة مطلقة ولم تقيد تصرفاته فالشورى معلمة لأنه اختيار الأمة، وإن قيدت تصرفاته فاشترطت عليه مثلاً أن يشاور الأمة، أو ممثليها، في قرارات الحرب والصلح وصفقات الاستيراد الكبرى ونحوها، فإن إمامته تتقيد بذلك، وتصبح الشورى هاهنا ملزمة، لأن عقد الإمامة تقيد بها، ولا يظهر لي أن الشارع حسم القول في الشورى هل هي ملزمة أم معلمة، بل وكل ذلك وفوضه لاختيار الأمة".انتهى

أقول : قد قرر النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة عامة نصها : (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط) ولذا منع الفقهاء من الشروط الجعلية ما كانت منافية لمقتضى العقد, وبذلك فإن كل شرطًا يضاد المقصود من الإمامة فهو باطل ولو كان مائة شرط, ومنصب الإمامة في الأصل مقصوده كما قال ابن خلدون رحمه الله "حَمْل الْكَافَّةِ عَلَى مُقْتَضَى النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ، فِي مَصَالِحِهِمُ الأْخْرَوِيَّةِ، وَالدُّنْيَوِيَّةِ الرَّاجِعَةِ إِلَيْهَا، فحَقِيقَتها خِلاَفَةٌ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا", فالمفروض أن القائم بهذا المنصب أعلى من الكافة أمرًا ونهيًا, فجعل شروطًا من الكافة على الإمام يناقض مقتضى الإمامة المفتقرة للسمع والطاعة من الرعية, وللجاه والسلطان المعين على القيام بمهامها, فإذا صح للرعية جعل شروطًا على الإمام انتقض المعنى والمقصود .

فليس للكافة إلا شرطًا في كتاب الله وهو أن يحكم الحاكم بشرع الله تعالى, فمتى التزم بذلك بطل كل شرط آخر كالتأقيت أو الإلزام بالشورى أو غير ذلك مما يناقض مقصود الإمامة ومعناها .

ثم ذكر الأستاذ ابراهيم السكران ما سماه الصيغ غير الشرعية للولاية :
فذكر منها الاستبداد ودلل عليه بما في الصحيح أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : (لكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نصيبا)[البخاري:4240].

أقول : ليته بيّن الفرق بين الاستبداد المحرم وبين ما يظنه البعض استبدادًا وهو في الأصل خلافة راشدة, حتى أنهم يجعلون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما من المستبدين, إلا أنهم يطلقون عليهما وأمثالهما مصطلح (المستبد العادل) فهو  وإن كان عادلًا في حكمه إلا أنه قد استبد بالسلطة وظلم بعدم دخوله في بدعة تداول السلطة الديمقراطية الطاغوتية!!؟

واستدلال ابراهيم السكران فيه ما فيه ويعفو الله عنه, فكأنه يؤيد قول تلك النابتة ويستدل له بمقولة علي رضي الله عنه, وخاب ظن من قال ذلك, فإنه قد ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن عليًا قد بايع أبا بكر رضي الله عنه في أول الأمر, وإنما عنى بالاستبداد في ما ظنوه من منعهم أمر الميراث, ويؤكد ذلك قول أبي بكر في رده على علي رضي الله عنهما ونصه : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنْ الْخَيْرِ وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ".

يقول القرطبي رحمه الله : " وَقَدْ تَمَسَّك الرَّافِضَةُ بِتَأَخُّرِ عَلِيٍّ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْر إِلَى أَنْ مَاتَتْ فَاطِمَة ، وَهَذَيَانُهُمْ فِي ذَلِكَ مَشْهُور . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَا يَدْفَع فِي حُجَّتِهمْ ، وَقَدْ صَحَّحَ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْره مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَغَيْره أَنَّ عَلِيًّا بَايَعَ أَبَا بَكْر فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي مُسْلِم " عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ لَمْ يُبَايِع عَلِيٌّ أَبَا بَكْر حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَة ، قَالَ : لَا وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِم " فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُسْنِدْهُ ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَوْصُولَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد أَصَحّ ، وَجَمَعَ غَيْره بِأَنَّهُ بَايَعَهُ بَيْعَة ثَانِيَة مُؤَكِّدَة لِلْأُولَى لِإِزَالَةِ مَا كَانَ وَقَعَ بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَل قَوْل الزُّهْرِيِّ لَمْ يُبَايِعهُ عَلِيٌّ فِي تِلْكَ الْأَيَّام عَلَى إِرَادَة الْمُلَازَمَةِ لَهُ وَالْحُضُورِ عِنْدَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ فِي اِنْقِطَاع مِثْلِهِ عَنْ مِثْلِهِ مَا يُوهِمُ مَنْ لَا يَعْرِف بَاطِن الْأَمْر أَنَّهُ بِسَبَبِ عَدَمِ الرِّضَا بِخِلَافَتِهِ فَأَطْلَقَ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ أَظْهَر عَلِيٌّ الْمُبَايَعَةَ الَّتِي بَعْدَ مَوْتِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ لِإِزَالَةِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ".انتهى عن فتح الباري (7/495) .

وقَالَ الْمَازَرِيُّ رحمه الله : " الْعُذْرُ لِعَلِيٍّ فِي تَخَلُّفِهِ مَعَ مَا اعْتَذَرَ هُوَ بِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي بَيْعَةِ الْإِمَامِ أَنْ يَقَعَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَلَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ وَلَا يَلْزَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ وَيَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ بَلْ يَكْفِي الْتِزَامُ طَاعَتِهِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِأَنْ لَا يُخَالِفَهُ وَلَا يَشُقَّ الْعَصَا عَلَيْهِ وَهَذَا كَانَ حَالُ عَلِيٍّ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إِلَّا التَّأَخُّرُ عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ ذَكَرْتُ سَبَبَ ذَلِكَ".انتهى[فتح الباري (7/494)]

فحاشا أن تكون البيعة الشرعية وأعظمها بيعة الخليفة الراشد الصديق رضي الله عنه وأرضاه بيعة مستبد, وحاشا عليًا أن يتهم أبا بكر رضي الله عنهما بالاستبداد ولكن الفتنة عظيمة عند القوم بمسألة الديمقراطية عافانا الله وإخواننا منها هكذا فتنة وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولو سلمنا بهذا المظنون وأن عليًا رضي الله عنه عنى الاستبداد المحرم, فالعبرة بموقف باقي الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فقد جاء في هذا الأثر ما نصه : " وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنْ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ".

قال الحافظ ابن حجر  رحمه الله : " أيْ كَانَ النَّاس يَحتَرِمُونَهُ إِكْرَامًا لِفَاطِمَة ، فَلَمَّا مَاتَتْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى عَدَمِ الْحُضُورِ عِنْدَ أَبِي بَكْر قَصَرَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ الِاحْتِرَامِ لِإِرَادَةِ دُخُولِهِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ " لَمَّا جَاءَ وَبَايَعَ كَانَ النَّاس قَرِيبًا إِلَيْهِ حِين رَاجَعَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ " وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْذِرُونَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ أَبِي بَكْر فِي مُدَّةِ حَيَاةِ فَاطِمَةَ لِشَغْلِهِ بِهَا وَتَمْرِيضِهَا وَتَسْلِيَتِهَا عَمَّا هِيَ فِيهِ مِنْ الْحُزْنِ عَلَى أَبِيهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا لَمَّا غَضِبَتْ مِنْ رَدِّ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهَا فِيمَا سَأَلَتْهُ مِنْ الْمِيرَاثِ رَأَى عَلِيٌّ أَنْ يُوَافِقَهَا فِي الِانْقِطَاعِ عَنْهُ".انتهى [فتح الباري (7/494)].

فالاستبداد المحرم هو : ما كان من غير أهل للإمامة, كما تدل عليه سيرة الخلفاء الراشدين ومن تبعهم كمعاوية وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم جميعًا, فكلهم لم يترك المنصب إلا بالوفاة أو القتل, ولا غضاضة في ذلك وفق المنهج الشرعي, وإن كان من الموبقات على المنهج الديمقراطي ولا كرامة له عند المؤمنين ولله الحمد .

ثم ذكر الأستاذ ابراهيم السكران نوعًا أخرًا سماه (الهرقلية) ويعني بها التوريث, والمستنكر حشره لصنيع معاوية رضي الله عنه في إسناده ولاية العهد لابنه يزيد, ضمن صيغة التوريث الهرقلية, وحاشا معاوية رضي الله عنه, أن يسن بالمسلمين سنة فارس والروم, فمعاوية لا يدانيه في العدل عمر بن عبد العزيز, فهو صحابي جليل وخال المؤمنين, وكاتب الوحي للرسول الأمين, وهو ممن وعدوا بالحسنى وزيادة في كتاب رب العالمين.

أخرج الخلال في السنة (663) : بإسناده إلى محمد بن جعفر ، أن أبا الحارث حدثهم قال : وجهنا رقعة إلى أبي عبد الله (الإمام أحمد بن حنبل) : ما تقول رحمك الله فيمن قال : لا أقول إن معاوية كاتب الوحي ، ولا أقول إنه خال المؤمنين ، فإنه أخذها بالسيف غصبًا ؟ قال أبو عبد الله : هذا قول سوء رديء ، يجانبون هؤلاء القوم ، ولا يجالسون ، ونبين أمرهم للناس.

وأخرج أيضًا في السنة (671) : بإسناده إلى أبي هريرة المكتب حباب قال : كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله ، فقال الأعمش : « فكيف لو أدركتم معاوية ؟ قالوا : يا أبا محمد ، يعني في حلمه ؟ قال : لا والله ، ألا بل في عدله ».

وعنه أيضًا في السنة (672,673,676) : بأسانيده عن كل من (قتادة ومجاهد وأبي إسحاق السبيعي) قولهم : « لو رأيتم معاوية لقلتم : هذا المهدي ».

وأهل العلم والفقه والدين من أهل السنة يعرفون الفرق بين الهرقلية وبين تولية معاوية لابنه يزيد, فالهرقلية أن تتم التولية لمجرد النسب, مع عدم الأهلية للمنصب, وأما إذا وجدت الأهلية للمنصب فلا تكون التولية حينئذ هرقلية على سنة فارس والروم, ولا يُسلّم لمن قاله في عصر معاوية رضي الله عنهم أجمعين, إن ثبت عنهم, لاختلاف الاجتهاد وما أُحيط بذاك العصر من خصومات, وهو خطأ لا يجوز المتابعة عليه كما تقرر عند أهل السنة في كتب العقائد, وخلاف شرذمة المفكرين لا يلتفت إليه إلا عند من جهل عقيدة السلف أو زاغ عنها من المفتونين, نسأل الله العافية والسلامة والثبات عليها إلى يوم الدين .

يقول ابن خلدون رحمه الله : " والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل و العقد عليه ..... و إن كان لا يظن بمعاوية غير هذا، فعدالته و صحبته مانعة من سوى ذلك، و حضور أكابر الصحابة لذلك، وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب منه، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم - كلهم - أجلّ من ذلك، و عدالتهم مانعة منه" .انتهى [المقدمة لابن خلدون (ص210-211)] .

و يقول رحمه الله في موضع آخر : عهد معاوية إلى يزيد ، خوفاً من افتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم ، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه ، مع أن ظنهم كان به صالحاً ، ولا يرتاب أحد في ذلك ، ولا يظن بمعاوية غيره ، فلم يكن ليعهد إليه ، و هو يعتقد ما كان عليه من الفسق ، حاشا لله لمعاوية من ذلك .انتهى [ص206 من المقدمة] .

ويعلم أهل الفقه في الدين خلا الجهال من المفكرين, طبيعة الحال آنذاك وخشية معاوية رضي الله عنه على أمر المسلمين, وخصوصًا مع وجود النفرة بين أهل الشام وأهل العراق, وغير ذلك من الأسباب التي أدت به إلى هذا الاختيار, لا كما تقوله الروايات الرافضية التي تظهر خيار الصحابة كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة في صورة أراذل الناس وحاشاهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين.
فمن أصول أهل السنة والجماعة الكف عما شجر بين الصحب الأفاضل, وترك الحكم لبعضهم على بعضهم إلى الحكيم الخبير, ومعرفة قدرهم واعتقاد أنهم بين الأجر والأجرين .

ويجب أن يُعلم ويُفهم أن الذم ليست صفة لازمة للتوريث كما يظنه البعض, فالتوريث قد يكون هو الأصلح في أزمنة التغلب والملك العضوض, كما حصل في عهد عمر بن عبد العزيز وغيره رحمهم الله وممن بعده من الحكام العدول بحسب زمانهم ومن جملتهم آل سعود سددهم الله وزادهم توفيقًا, والحكمة في ذلك أن الحكم لا يستتب إلا لطائفة يربطها روابط قوية لا تزعزعها الرياح العابرة ومن تلك الروابط الاتفاق في العقيدة ثم النسب ونحوها من الروابط, فهذه العوامل حولها تنشأ الشوكة والمنعة المطلوبة للحكم والولاية, فإذا حكمت هذه الطائفة بشرع الله تعالى بحسب طاقتها, فهذا مقصد شرعي يوافق الإرادة الإلهية الشرعية بلا أدنى شك عند العالمين بشرع الله تعالى, ولا يضره التغلب الأول ولا يقدح في شرعية الحكم المتأخر, لأن الجهة منفكة بين البداية والمآل, كما هو الحال في ملوك صدر الإسلام إلى الدولة السعودية أعزها الله بالتوحيد والسنة .

ثم ذهب الأستاذ ابراهيم إلى عد التأمر من صيغ الولاية المذمومة ! وفيه نظر, فإن التأمر وصف يقع على التأمر بالغصب والرضا, فيكون المذموم هو الوصف المقيد بالغصب لا مطلق التأمر, فيكون ذكر التأمر من تكثير الكلام والتمسك بالألفاظ المشتركة وإسقاطها حسب الهوى كما ذكر ابن تيمية في ذمه لطرائق المخالفين للصواب.

وأخيرًا أفادنا الأستاذ ابراهيم السكران بمسألة السعة والإمكان, والاضطرار والعجز, والقدرة والاختيار, وهي مسألة جد نافعة, وقد بيّن جزاه الله خيرًا وجه الفتاوى السنية عن علماء العصر كالشيخ ابن سعدي وابن باز وابن عثيمين رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته, ولكن السؤال : لماذا لم يستعمل هذا المعيار الشرعي مع حكام المسلمين قبل فوز الاخوان المسلمين بكعكعة الخريف العربي ؟

كيف يؤذن للإخواني التصريح بالعلمانية, وتقاتل الأنظمة في الدول المسلمة بدعوى علمانيتها ؟

أحرام على بلابله الدوح   ***  حلال للطير من كل جنس ؟
كل دار أحق بالأهل إلا   ***  في خبيث من المذاهب رجس

ما علينا من ذلك, فباب التأويل الفاسد أوسع من مذهب الإخوان المسلمين نفسه, كيف لا وهو من إنشاء إبليس اللعين.

المهم أحب أن أوجه عناية الأستاذ ابراهيم السكران أن يصحو من سكرته وحسن ظنه بالحركيين وما يسمى بالإسلاميين, وأنهم ساعون إلى إقامة ما يمكن من الدين, فهذا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء فإذا جاء لم يجده شيئًا, وما عليه إلا أن يذهب في زيارة مخالطة لأعضاء هذه الجماعات في بلدان ما يسمى بالخريف العربي, ليطّلع على حقيقة الدين المراد إقامته من أولئك الناس, فلو أنهم سيقيموا الشرع المؤول, لقلنا يكفي ذلك في نصرتهم, لأن الشرع المؤول صاحبه بين الأجر والأجرين إن صلحت نيته واستفرغ وسعه وقام بما يستطيع.

ولكن أصحاب التفسير السياسي للإسلام, لن يقيموا إلا شرعًا محرفًا مبدلًا, يُكذب فيه على الله جل وعز وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وينسب إلى عباد الله الصالحين من السلف والخلف الخيرين.

ومن المعلوم أن تبديل الشرع كفر مخرج من الملة, فمن نسب للدين شيئًا وهو يعلم أنه يكذب على الله وعلى شرعه فهذا مرتد خارج عن ملة الإسلام عند الله ولو كان يمشي على الأرض باسم المصلح العظيم وإمام المسلمين !!!

يقول الشيخ أبو نصر محمد الإمام القيم على دار الحديث بمعبر [تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات]:
كانوا يقولون: سنقيم دولة الإسلام, ودندنوا بهذه الكلمة, ثم ما شعرنا إلا وعندهم شعار جديد, وهو {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}.
فتنازلوا من إقامة دولة, إلى الإصلاح ما استطاعوا على حد زعمهم!.
ولا شكّ أن المسلمين يصلحون ما استطاعوا.
وهذا الشعار الذي أبدوه أخيراً من جملة تنازلاتهم, ومفاده أنهم قد فشلوا في إيهام الناس حول إقامة دولة الإسلام, وما داموا على سلم التنازلات فنخشى أن يضيعوا أكثر فأكثر, لأن الانحرافات تبدأ شيئاً فشيئًا, وصدق الله إذ يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتّبع خطوات الشيطان فإنّه يأمر بالفحشاء والمنكر} فانظر إلى نهاية الذي يريد الإصلاح ما استطاع, إذا به يأمر بمخالفة الشرع باسم المصلحة, والتنازل عن شيء من الحق, سبب لإنزال العذاب الإلهي عاجلاً وآجلاً. قال الله سبحانه وتعالى {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا} إذاً فما قيمة التنازلات؟ وما مدى الانتفاع بها, إذا كان هذا المتنازل سيذوق من الله سوء العذاب في الدنيا والآخرة؟ {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى}, {ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون}.
فالكفار هنا لا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم  أن يترك دينه, لأنهم قد علموا أنه لا يترك دينه, لكنهم يطالبونه بالتنازل, ولو في بعض الحقّ, فربنا يمتنّ على نبيه صلى الله عليه وسلم بما منحه من الخير والفهم الصحيح والثبات والعصمة عند مواجهة المشركين. وأفادت الآية أن اكتساب أصحاب الزعامات والسلطات, ليكونوا في صف الدعوة على حساب الدعوة إلى الله؛ لا يجوز, لأن التنازل عن شيء من هذا الدين, باسم تحقيق مصلحة الدعوة؛ لا يجوز, والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم {وأن احكم بينهم بما أنزل الله واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيراً من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون} خاب وخسر من ظن أنه سيعيش سالماً, ويتنازل عن شيءٍ من الإسلام, وهو في مقام الدعاة والعلماء والقدوة الحسنة.. وإلى الله المشتكى. انتهى كلامه


فلزامًا على الأستاذ ابراهيم السكران أن يراجع ورقته هذه وما فيها من بواطيل لا تخفى على طلبة العلم وأهله, وغاية ما سوف يؤول أمرها إلى أن تكون إمامًا لأهل الباطل وأصحاب الشبهات, فالقلب الصحيح السليم ليس بينه وبين الحق سوى إدراكه . وظننا حسن بالأستاذ أن يكون من أصحاب القلب الرقيق اللين, ويكون قبوله للحق سهلًا يسيرًا لا صعبًا عسيرًا , ولن يكون كذلك إذا لم يكن زكيًا صافيًا سليمًا ليزكو فيه العلم ويثمر ثمرًا طيبًا بخلاف ما في هذه المقالة .

والله تعالى أعلم, فما كان من حق فمن الله وما كان من باطل فمني ومن الشيطان أخزاه الله .
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين .

وكتبه/ علي بن عمر النهدي
7 محرم 1433 للهجرة