الجمعة، 19 أبريل 2013

يا أهل السعودية حافظوا على هذا الخير

** يا أهل السعودية حافظوا على هذا الخير **


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد الصمد الفرد والصلاة والسلام على نبينا القائل " إنما أنا عبد " .

وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان الأحياء منهم ومن في الشق أو في اللحد .

.. أما بعد :

من فضل الله جل في علاه على أهل هذه البلاد السعودية, أن تُحكم بالأصلين اللذين بنيا عليهما دين الإسلام , وهما : أن يُعبد الله وحده لا يُشرك به شيئًا, وأن لا يُعبد سبحانه إلا بما شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم, وهذان الأصلان هما تفسير معنى شهادة أن لا آله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.

فنعمتا التوحيد وانتشار مظاهره والتمكين للسنة ولعلمائها من أهل العقيدة السلفية الصافية ظاهرتان في هذه البلاد, والعاقل من أهل هذه البلاد أو ممن يعيش فيها من أهل الإسلام يشعر بآثار ذلك, وأهمه غياب مظاهر الشرك والبدع والخرافات من تعظيم للأضرحة وتشييد للمشاهد والمزارات, أو التمكين للأحزاب والجماعات البدعية مما هو موجود في غيرها من بلاد الإسلام والتي تعيش في خوف وبؤس وضيق ذات اليد ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فتذكر رحمك الله بأن التمسك بهذين الأصلين هما السبب الرئيس في حصول الأمن والآمان للأنفس, والسعة في الأموال والكثرة في الثمرات, قال تعالى { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا } وقال تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } وقال جل وعز { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }

يقول ابن عاشور رحمه الله : أي وعدتُّهم هذا الوعد الشامل لهم والباقي في خلفهم لأنهم يعبدونني عبادة خالصة عن الإشراك, وعبر بالمضارع لإفادة استمرارهم على ذلك... وجملة : ( لا يشركون بي شيئًا ) تقييدًا للعبادة بهذه الحالة لأن المشركين قد يعبدون الله ولكنهم يشركون معه غيره . انتهى من التحرير والتنوير

وهذا هو حال البلاد السعودية أعزها الله بالدين القويم, فمنذ قيامها بهذه الدعوة المباركة دعوة التوحيد والخلوص من الشرك, ونبذ البدع والخرافات, والتمسك بطريقة السلف الصالح في العقيدة والعبادة, والقيام بما يحافظ على ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتح الله عليها بركات من السماء والأرض, وبقي هذا الخير في أهلها جيلًا بعد جيل, والناس من حولهم في حال غير هذه الحال ولله الأمر من قبل ومن بعد قال تعالى { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ }.

والمطّلع على حال الجزيرة قبل دعوة التوحيد التي قام بها الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله, يعلم بأنها كانت في غاية الجهل والفقر والبؤس والتخلف في أمور الدين والدنيا, حتى منّ الله على أهل هذه البلاد بهذه الدعوة المباركة.

 يقول المؤرخ ابن بشر رحمه الله : " ولقد رأيت الدرعية بعد ذلك في زمن سعود رحمه الله, وما فيه أهلها من الأموال وكثرة الرجال والسلاح المحلى بالذهب والفضة الذي لا يوجد مثله, والخيل والجياد والنجايب العمانيات, والملابس الفاخرة, وغير ذلك من الرفاهيات, ما يعجز عن عدة اللسان ".انتهى من عنوان المجد

يقول العلامة ابن سعدي رحمه الله :" ومن فضائل التوحيد : أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال.
* ومنها : أن الله يدافع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة ، ويمن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره ، وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة والله أعلم . انتهى من القول السديد

فالواجب على من يعيش في هذه البلاد المباركة أن لا يرضى بديلًا عن دعوة التوحيد القائمة والتمسك بنهج السلف الصالح الذي يسير عليه علماء هذه الأرض الطيبة, ففيهما ضمان التنعم بالحياة السعيدة في الدنيا والآخرة, وفي ضدهما من الدعوات الفاسدة كالتعددية والحزبية والديمقراطية والليبرالية كل شر وبلاء وخوف ونقص.قال تعالى { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } وقال جل وعز { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} وقال سبحانه { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا } وقال جل وعز { وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } وقال تعالى{ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ * إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } .

ومن أكثر من يعرف هذه الحقيقة الواقعة والثابتة شرعًا وعقلًا وقدرا, وهو من توفيق الله جل وعز لهم, هم ملوك هذه البلاد المباركة فيقول الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله في شفافية تامة في إحدى خطبه : " إن مما ينبغي التحدث به وذكره : ما أسبغه الله علينا من نعمة الأمن والطمأنينة, ورغد العيش, مع النظر فيما نحن فيه من تقصير وتهاون, إننا إذا نظرنا إلى أحوال غيرنا من البلاد الأخرى, نرى القتل والسلب والنهب, والحروب الطاحنة التي لا تبقي ولا تذر, وتوالي الكوارث والنكبات, نسأل الله السلامة, ومع هذا نرى من ينسب ذلك إلى ظواهر كونية, وسنن طبيعية, من غير اكتراث ولا اعتبار, بل مع غفلة عن الله وحلمه وغضبه, وأنه إذا أخذ الظالم لم يفلته {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ } وكيف للمسلم أن يظن هذا الظن, وهو يسمع آيات الله تتلى عليه { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } ويقول سبحانه { أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ }. انتهى من الخطب الملكية

فرحم الله كل من سار على هذا المنهج القويم, وقيض الله من هذه الذرية من يقوم بما قام به سلفهم الصالح من حمل لواء هذه الدعوة المباركة وحمايتها ومعرفة قدر أهلها من أهل العلم والفضل, وقد سبق الكتاب بأن ذلك لا يقوم به إلا من صلح من ذرياتهم قال تعالى {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فالظالمون من ذرية أبي الأنبياء عليهم السلام حُرِموا هذا العهد, فكيف بمن دونه من ملوك بني آدم { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ }.

فاللهم يا حي يا قيوم أصلح الحاكم والمحكوم في هذه البلاد خاصة وفي سائر بلاد المسلمين بعامة وصل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله كثيرًا.

أبو طارق علي بن عمر النهدي
17 ربيع ثاني 1432 للهجرة

الاثنين، 18 مارس 2013

محل النزاع في الإنكار العلني

بسم الله الرحمن الرحيم

** محل النزاع في الإنكار العلني الذي أغفله إبراهيم السكران **


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... أما بعد :

أكثر علينا إبراهيم السكران في الأونة الاخيرة من عجائبه وغرائبه ولا عجب فهو في أمر مريج وهذه هي حالة أهل الاضطراب والتنقل بين الأهواء والمذاهب المائلة عن الحق وأهله

وأما وقد وصل به الحال إلى الاستخفاف بالعقول وخلط المنكر بالمعروف والتطاول على أصحاب الأصول والمعقول والمنقول من قضاة الشرع المطهر الخالي من الأهواء المضلة نحسبهم والله حسيب الجميع.

فنقف معه هذه الوقفات عند دندنته حول معصية الإنكار العلني ومحاولة تهوينها في قلوب أهل الخشية المؤمنين:


·         عنون إبراهيم السكران بقوله ((ارتفاع محل الخلاف في مسألة الإنكار العلني)) وحث أهل الخشية الذين يخشون الوقوع في هذه المعصية على اقتحامها وترك هذا الخشية بزعم أن ولي الأمر نفسه أذِن بنقد الجهات الحكومية في ثلاث قرارات عليا متوالية.

وهذا من خلط المعروف بالمنكر لينطلي على من يستخف بهم من قومه وأما أهل الخشية فلن ينطلي عليهم عمل الكهان من إبراهيم السكران !

أولًا: محل النزاع في الإنكار العلني ليس هو ما صوّره الكاتب في قيله وقاله, فمعصية الإنكار العلني خاصة في إعلان الإنكار على أعيان ذوي السلطان من حاكم أو أمير أو وزير في غيبتهم, وأما إعلان النكير على المخالفات الشرعية العامة الصريحة كالبنوك الربوية أو الاختلاط ونحوها فلا أعلم خلافًا بين أهل العلم في جواز إنكارها والإعلان بهذا النكير بين الناس بل ويتعين وجوبه بحسب المقام من دون ذكر الأعيان من ذوي السلطان حاكم أو أمير أو وزير ومن في حكمهم من نواب ولي الأمر.

ثانيًا: دعوى وجود إذن ولي الامر بنقد الجهات الحكومية هو تصور قاصر وليس هو في الحقيقة إذنًا لإعلان النكير على أعيان ذوي السلطان وإنما هو إقرار بجواز الانتقاد العلني لأخطاء وتقصير الجهات الحكومية الخدمية ومخالفاتها الشرعية العامة, وهذا الامر لا يحتاج إلى إذن ولي الامر لوجود الأمر الشرعي الحاكم على الجميع بوجوب النصيحة والتنبيه على الأخطاء وتغيير المنكرات العامة بالأساليب الشرعية.

ثالثًا: توجيه الأوامر الملكية للجهات الحكومية الخدمية بالرد على الانتقادات ودحض الشائعات والأكاذيب ليس فيه إقرارًا ضمنيًا بجواز الإنكار العلني لو سلمنا بخلط السكران لمحل النزاع في الإنكار العلني, فغايته إلزام الجهة المعنية بدفع الشبهة ودحض الإفتراءات وفي نفس الوقت للحكومة الحق في معاقبة المتجاوز بالتهم الباطلة والأكاذيب العاطلة, فمن زعم أن التأكيد على الرد يعني موافقة ضمنية على الإنكار العلني الممنوع شرعًا, فيلزمه أن الحكومة تقر وتأذن بتلفيق الأكاذيب ونشر الشائعات بمجرد التوجيه بالرد والتفنيد !!

رابعا: تسبيب الحكم القضائي بعلة الإنكار العلني على ذي السلطان على الملأ في غيبته المستلزم لإثارة الفتنة بين الراعي والرعية وهو ممنوع شرعًا, تسبيب شرعي صحيح لا غبار عليه, والكاتب إبراهيم السكران أطلق الكلام ولم يقيده بمناطه ليلبس الحق بالباطل والمنكر بالمعروف فالله حسيبه إذا كان قاصدًا, وتاب عليه من الإثم إن كان جاهلاً متكلمًا في دين الله بالظن والهوى.


والخلاصة : أن إبراهيم السكران وقع في التلبيس على الطيبين من أهل الغيرة على الدين والخشية من رب العالمين وهم بإخراجهم من طريق الهدى إلى سبل الهوى فأجمل في الكلام وعمّى محل النزاع ثم تطاول على قضاة الشرع وأهل الفقه في الدين متجلببًا بشبهات هي أرق من ثوب سابري وهي غير عصية على الهتك بسلاح البصيرة والعلم المحقق عند طلبة العلم فضلا عن أهل العلم والفقه والدين.

فالإنكار العلني المحرم هو الذي يكون في حق ذي السلطان على الملأ في غيبته والذي ينتج عنه لزامًا التهييج والتأليب والفتن لقوله عليه الصلاة والسلام : " من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يبديه علانية " وقد ثبت عند سعيد بن منصور في سننه عَن سعيد بْن جبير قَالَ قلت لابن عَبَّاس آمر إمامي بالمعروف قَالَ: " إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت ولا بد فاعلا ففيما بينك وبينه، ولا تغتب إمامك ". وقول ابن عباس رضي الله عنهما (( ولا تغتب إمامك )) نص في محل النزاع وليس له مخالف من الصحابة لا قولًا ولا فعلًا والحمد لله.

وكل ما ورد عن الصحابة الكرام مما يحتج به هووغيره من الإنكار العلني إنما هو في حضور ذي السلطان الذي أُنكر عليه, ولا يوجد دليل على جواز الإنكار العلني مع غيبة السلطان المنكر عليه البتة.

** قال المشايخ محمد بن إبراهيم وسعد بن عتيق – رحمهما الله كما في الدرر السنية (9/119): " وأما ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر، والخروج من الإسلام، فالواجب فيها: مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس، واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلط فاحش، وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نور الله قلبه ، وعرف طريقة السلف الصالح ، وأئمة الدين " ا.هـ

** قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مجموع فتاواه (8 / 210): " ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة , وذكر ذلك على المنابر; لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف , ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع , ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان , والكتابة إليه , أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير ". انتهى

** قال الشيخ الألباني في تعليقه على مختصر صحيح مسلم عند أثر أسامة بن زيد المعروف قال رحمه الله : " يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ ، لأن في الإنكار جهاراً ما يخشى عاقبته كما أتفق في الإنكار على عثمان جهاراً، إذ نشأ عنه قتله . انتهى

** قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في - لقاء الباب المفتوح - (اللقاء الثاني والستون) ص 46 : لأن جميع الإنكارات الواردة عن السلف كانت حاصلة بين يدي الأمير أو الحاكم. الفرق أنه إذا كان حاضراً أمكنه أن يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيباً ونحن المخطئون، لكن إذا كان غائباً لم يستطع أن يدافع عن نفسه وهذا من الظلم، فالواجب أن لا يتكلم على أحد من ولاة الأمور في غيبته، فإذا كنت حريصاً على الخير فاذهب إليه وقابله وانصحه بينك وبينه.ا.هـ


والله أعلم وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين


أبو طارق علي بن عمر النهدي
25 ربيع الأول 1434 للهجرة

الثلاثاء، 26 فبراير 2013

مشروعية الأسماء الدالة على صفات أهل الذكر والمُمِّيزة لهم عن غيرهم من أهل الأهواء والبدع

بسم الله الرحمن الرحيم

مشروعية الأسماء الدالة على صفات أهل الذكر
والمُمِّيزة لهم عن غيرهم من أهل الأهواء والبدع

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وعبده .... أما بعد :

الانتساب لأسماء ذات دلالات وصفات ممدوحة شرعًا والاعتزاء إليها بغرض التميز عن غيرها من الأسماء الدالة على صفات ودلالات مذمومة شرعًا عند الحاجة أمر مشروع ومندوب إليه لا ينكره إلا جاهل أو جاحد مخالف .

وهذا الانتساب جادة أهل الحق عند الحاجة في كل زمان ومكان منذ وقوع التفرق والفتن بين أمة الإسلام بعد مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ففي عام 40 للهجرة المسمى بعام الجماعة والذي اجتمعت فيه كلمة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من عموم الأمة عدا أهل البدع والاهواء من الخوارج والشيعة ونحوهما آنذاك على الملك العادل خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان بتنازل السبط المصلح الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عن الجميع تقلدت الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وهم  أهل الحق من أهل الإسلام مسمى أهل السنة والجماعة, وذلك لمفارقتهم طريقة أهل الأهواء المجانبة لما جاء في السنة مما خالف أهواءهم, والمجانبة للدخول فيما دخل فيه الناس من الاجتماع على خليفة المسلمين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما, فتميز أهل الحق بمسمى أهل السنة والجماعة واستحق أهل الباطل مسمى أهل الأهواء والبدع .

أخرج الإمام مسلم في مقدمة الصحيح : عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد. فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم .

وهذا التمييز والتميز هو العلامة الفارقة التي يهتدي بها عوام المسلمين للاهتداء والاقتداء بأهل الذكر ومعرفتهم معرفة واضحة لأن عوام المسلمين أُمروا بالرجوع إليهم للأخذ عنهم أمور دينهم المنزل على نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى { فأسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }.
لذا كان هذا التميز من أشد ما يكون على أهل الأهواء والبدع, فأصبحوا يمكرون بالناس بالتلبس بالإسم الذي تميز  به أهل الحق والذكر مع بقاءهم على بدعهم ومخالفتهم المضادة للكتاب والسنة ولمضمون الاسم المتميز  به.

ولهذا يحتاج أهل الحق في كل وقت تنشأ فيه فرق جديدة ومحدثات وبدع وأهواء سخيفة تنتسب إلى الحق وأهله , الرد عليها والتميز عنها بالاسم الدال على الوصف القامع لهذه الأهواء الجديدة, فعندما نشأت الأشعرية وهي فرقة مبتدعة وأظهرت نصرة مذهب أهل السنة والجماعة بالرد على المعتزلة والجهمية, ولكنها سلكت طريقة مخالفيها فجمعت إلى ما أظهرته من السنة إقرار بعض الطرق الكلامية المحدثة, وإنكار شيء من السنة الثابتة, فتميز أهل الذكر عنهم بمسمى أهل الحديث الدال على صفتهم وهي التمسك بالنصوص المنزلة في الكتاب والسنة الصحيحة وعدم التفريق بينها والأخذ بدلالاتها وترك التأويل بغير دليل من جنسهما والاقتداء بسبيل من سبقهم من الصحابة والتابعين في الفهم والاستدلال ومجانبة العلوم العقلية الفلسفية الدخيلة على علوم الإسلام.
والأشاعرة لم يرضوا بهذا اللقب (( أهل الحديث )) لأنه يهدم بدعتهم التي فارقوا بها السنة وأهلها, لأن الأشاعرة لا يأخذون بالأحاديث لظنيتها في زعمهم ويزعمون بأن العلم فقط ما كان قطعي , وبالمقابل تجدهم يرمون أهل السنة بألقاب منفرة كـ (( الحشوية والمجسمة .. الخ )) ولكل قوم وارث .

ومرت السنون وظهرت جملة من الأهواء والمحدثات من ضمنها بدعة التعصب المذهبي وتفريق الأمة إلى مذاهب ملزمة تُلزِم المسلمين باجتهادات بشرية مصادمة للنصوص الشرعية ودلالاتها النصية والظاهرة الراجحة, وهي خلاف الانتساب السائغ للمدارس الفقهية المتبوعة كوسيلة لتلقي العلم الشرعي, ثم أعقبها ظهور بدعة الأحزاب الحركية والتنظيمات السرية المتدثرة بلباس العودة إلى دولة الخلافة مما يسمى اليوم بحركات الإسلام السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين المنحرفة وما نشأ عنها من حركات الغلو في التكفير والتفجير والتبديع, ونشأ عنها الشقاق والكراهية بين والولاة والرعية, وتسلط دول الكفر بإذكاء هذا الشقاق وتكريس الفرقة والاختلاف وتقسيم المقسم وتفريق المفرق والله المستعان .

وهاتان البدعتان (( التعصب المذهبي والأحزاب الحركية )) واجهها أهل الحق بالانتساب إلى طريقة سلفهم ممن سبقهم من أهل الحديث والسنة والجماعة, وصفتها تعظيم الأثار والتمسك بالنصوص ودلالاتها والتأكيد على الأصول المهجورة عند أرباب هاتين البدعتين كذم التقليد الأعمى مع معرفة حق الأئمة المتبوعين وقدرهم والحث على الاجتماع على الحق القديم والإسلام العتيق ونبذ التفرق والاختلاف والتحزب والعصبية للرجال والجماعات وغيرها من الأصول المجمع عليها بين أهل السنة والجماعة كأصل السمع والطاعة في المعروف لمن ولاه الله أمر المسلمين والصبر على جورهم وترك الخروج عليهم ومنابذبتهم ومنازعتهم .

فكان من السائغ والمشروع أن يتسمى من كان هذه حاله وصفته بـ (( سلفي )) أو (( أثري )) ويكون المعروفون بهذه الصفات (( سلفيون )) (( أثريون )) ولا ينكر ذلك إلا خصم لهم من المتعصبة أو الحركيين ممن يشتد عليه تميز أهل الذكر بحق بعلامة فارقة, فعندها لا يستطيع بث شبهاته وأهواءه على الناس, لذا تجدهم لا يقبلون هذا التميز والانتساب للسلف والأثر , لأنه يهدم عليهم بدعهم وأهواءهم وتحزباتهم, فطريقة السلف الصالح بريئة من التعصب للرجال ومقررة فيها الأصول الطوال الهادمة لأهواء المتعصبين والحركيين, وبالمقابل تجدهم ينبزون أهل الذكر بحق بـ (( الوهابية والجامية )) ولكل قوم وارث .
   
يقول ابن تيمية في شرح العقيدة الأصفهانية (483-485) : أن الصفة إذا قامت بمحلٍّ عاد حُكمُها إلى ذلك المحل ، فكان هو الموصوفُ بها ، فالعلمُ والقدرة والكلام والحركةُ والسُّكونُ إذا قام بمحلٍّ كان ذلك المحلُّ هو العالم القادر المتكلِّمُ أو المتحرِّكُ أو الساكنُ .... أنه يُشتقُّ لذلك المحل من تلك الصفة اسمٌ ، إذا كانت تلك الصفة مما يشتقُّ لمحلها منها اسمٌ ، كما إذا قام العلمُ أو القدرةُ أو الكلامُ أو الحركة بمحلٍ قيل : عالمٌ أو قادرٌ أو متكلِّمٌ أو متحرِّكٌ ..... أنه لا يُشتقُّ الاسم لمحلٍّ لم يقُم به تلك الصِّفَةُ ، فلا يُقَال لمحلٍّ لم يقم به العلم أو القدرة أو الإرادة أو كلام أو الحركة إنه عالم أو قادر أو مريد أو متكلم أو متحرك " . انتهى المقصود

فالسلفي أو الأثري هو الذي يقوم به الوصف المتقدم ظاهرًا دون ناقض, ومتى قام به الوصف ساغ أن يسمى به , وأما من لم يقم به ذلك الوصف ظاهرًا وإنما إدعاءً وينقضه بظاهر أفعاله , فلا يستحق الاسم ولا الصفة وإن زعم ذلك.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " لَا عَيْبَ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مَذْهَبَ السَّلَفِ وَانْتَسَبَ إلَيْهِ وَاعْتَزَى إلَيْهِ بَلْ يَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ لَا يَكُونُ إلَّا حَقًّا. فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي هُوَ عَلَى الْحَقِّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ دُونَ الْبَاطِنِ: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِ. فَتُقْبَلُ مِنْهُ عَلَانِيَتُهُ وَتُوكَلُ سَرِيرَتُهُ إلَى اللَّهِ. فَإِنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا نَشُقَّ بُطُونَهُمْ ".انتهى (الفتاوى 4/149)

من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى
السؤال : ما تقول فيمن تسمّى بالسلفي والأثري ، هل هي تزكية ؟؟؟
فأجاب رحمه الله : " إذا كان صادقًا أنه أثري أو أنه سلفي لا بأس ، مثل ما كان السلف يقول ، فلان سلفي ، فلان أثري  " .
من محاضرة مسجلة بعنوان: "حق المسلم"، في 16/1/1413 بالطائف

قال الذهبي : [السٓلَفي]  بفتح السين واللام وفي آخرها فاء هذه النسبة إلى السلف وانتحال مذهبهم وعرف به جماعة.
قال الزبيدي في تاج العروس : " للسَّلَفِ مَعْيَنان آخَرانِ أحدُهما كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمْتَهُ أَو فَرَطٍ فَرَطَ لَكَ فهو لَكَ سَلَفٌ وقد سَلَفَ لهُ عَمَلٌ صَالِحٌ.
الثاني : كُلُّ مَن تَقَدَّمَكَ مِن آبَائِكَ وذَوِى قَرَابَتِك الذين هم فَوْقَكَ في السِّنِّ والفَضْلِ واحِدُهم سَالِفٌ ... ومنه حديثُ الدُّعَاءِ للمَيِّتِ : ( وَاجْعَلْهُ سَلَفاً لنا ولهذا سُمِّىَ الصَّدْرُ الأَوَّلُ مِن التَّابِعين السَّلَفَ الصَّالِحَ .
ج : سُلاَّفٌ وأَسْلاَفٌ كما في الصِّحاحِ قال ابنُ بَرِّيّ : ليس سُلاَّفٌ جَمْعَ سَلَفٍ وإنَّمَا هو جَمْعُ سَالِفٍ لِلْمُتَقَدِّمِ وجَمْعُ سَالِفٍ أَيضاً : سَلَفٌ ومِثْلُه خَالِفٌ وخَلَفٌ ومنه أبو بكر عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ السَّرْخَسِيُ السَّلَفِيُّ المُحَدِّثُ سَمِع أبا الفِتْيَانِ الرَّوَّاسِيَّ وآخَرُونَ مَنْسُوبُونَ إِلى السَّلَفِ أَي : بالتَّحْرِيكِ ". انتهى مختصرًا

وختامًا : فالتميز  بالأسماء الشرعية الدالة على المعاني المطلوبة شرعًا للاهتداء بها من قبل عموم المسلمين واجب عند الحاجة ولاسيما عندما تكثر الأهواء ويكثر أهلها فيكاد أن يضيع مفهوم أهل الذكر المنصوص عليه في القرآن والذي بسؤالهم تبرأ الذمة وتقوم الحجة وتستبين المحجة.

والله أعلم وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأهل الذكر من بعدهم أصحاب المنهج السلفي السوي.

وكتبه / علي بن عمر النهدي
16 ربيع الثاني 1434 للهجرة

الأحد، 27 يناير 2013

التداخل بين مسألتي الحجاب والعورات وأثره على الخلاف في كشف وجه المرأة



التداخل بين مسألتي الحجاب والعورات وأثره على الخلاف في كشف وجه المرأة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان ... أما بعد :

اللهم يا معلم إبراهيم علمني واللهم يا مفهم سليمان فهمني .
اعلم علمني الله وإياك , بأنه يجب على من أراد الوصول للحق في المسائل التي وقع النزاع فيها , تحرير محل النزاع , وذلك بتنقيحه مما يختلط به من غير أصله .
 وأصل النزاع في موضوعنا هاهنا هو : إباحة السفور , وهو القول بجواز كشف المراة لوجهها دائمًا أمام الأجانب , بدون حاجة أو ضرورة .
يُشكل على البعض تسمية كشف الوجه دائماً بـ ( السفور ) , وذلك لوقوع الخلط بينه وبين التبرج المجمع على تحريمه , والفرق بين معنى السفور ومعنى التبرج هو أن السفور كشف الوجه بدون زينة , وأما التبرج فكشفه وغيره مع التزين .

قال ابن فارس في مقاييس اللغة :(سفر) السين والفاء والراء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على الانكشاف والجَلاء ... وسَفَرتِ المرأةُ عن وجهها، إذا كشفَتْهُ .انتهىوجاء في لسان العرب :وَسَفَرَتِ المرأَة وجهها إِذا كشف النِّقابَ عن وجهها تَسْفِرُ سُفُوراً .... وسَفَرَتِ المرأَةُ نِقابَها تَسْفِرُهُ سُفُوراً فهي سافِرَةٌ جَلَتْه .انتهى

وأما التبرج فهو غير السفور وهو محرم كذلك ولا ينازع في ذلك أحد ومعناه في اللغة غير معنى السفور .

قال ابن فارس في المقاييس :(برج) الباء والراء والجيم أصلان: أحدهما البُروز والظُّهور .... ومنه التّبرُّج، وهو إظهار المرأةِ مَحاسِنَها .انتهى جاء في لسان العرب :التَّبَرُّج : إِظهار المرأَة زينتَها ومحاسنَها للرجال . و تَبَرَّجَتِ المرأَةُ : أَظهرت وَجْهَها . وإِذا أَبدت المرأَة محاسن جيدها ووجهها قيل : تَبَرَّجَتْ .انتهىوقال أَبو إِسحاق في قوله عز وجل : { غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بزينة } التَّبرُّجُ : إِظهار الزينة وما يُسْتَدعَى به شهوة الرجل .والتَّبَرُّجُ : إِظهار الزينة للناس الأَجانب . انتهى

ونشأة القول بإباحة كشف الوجه دائمًا في ظني , إنما كانت بسبب الخلط بين مسألة العورات وحكم النظر إليها وبين حقيقة العلة الموجبة لتشريع الحجاب , فاختلطت الأقوال لاشتباه بعضها ببعض .ولمعرفة الحق والصواب في حكم السفور , لابد من معرفة حقيقة فريضة الحجاب , وعلة تشريعه , وأسباب نزول هذا التشريع , والظروف المحيطة بذلك .
قال أبو الفتح القشيري : بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز وهو أمر تحصّل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا . انتهى من البرهان للزركشي (1/22) .

فلو علمت وفقك الله أن تشريع الحجاب مر بأطوار مختلفة , تدرج فيها الشارع الحكيم مراعاة لحال المجتمع قبل الإسلام , وما فيه من الاختلاط وعدم الستر , حتى كانت بعض النساء يطوفن بالبيت عاريات , ويخرجن سافرات عن زينتهن في درع وخمار , كاشفات عن رؤوسهن ووجوههن في كل وقت وحال , ثم أن الصلاة فرضت على المسلمين في السنة الثانية للهجرة , وكان من شروطها في حق الجنسين ستر العورة , المستفاد من الأمر بأخذ الزينة في المساجد بدلالة التضمّن , وجاءت السنة بإدخال ستر الرأس في حق المرأة , وستر العاتق في حق الرجل , وإن كانا ليسا من العورات , ولذلك نص الفقهاء أنه على المرأة المسلمة ستر جسمها كله إلا الوجه والكفين وعلى خلاف في القدمين , وكان ذلك قبل فرض الحجاب .ومن هنا نعلم الفارق بين مسألة العورات ومسألة الحجاب , وأن التلازم بينهما منفك في حال دون حال , فالأمر بالحجاب لا يعني بحال تقرير عورات جديدة لم تكن بعورات من قبل , وإنما هو أمرٌ بستر مواطن الفتنة في المرأة , والتي يحصل بسفورها حصول الشهوة والميل لها .

فالعورة في اللغة : سوءة الإنسان وما يستحيا منه , وأصلها من العار .وقال الجوهري : العَوْرة كل خَلَل يُتَخَوَّف منه من ثَغْرٍ أَو حَرْب , والعَوْرة كل مَكْمَنٍ للسَّتْر , وعَوْرةُ الرجل والمرأَة سوْأَتُهما.

وربنا جل وعز قد وصف ما وجب ستره بالحجاب بالزينة فقال تعالى { ولا يبدين زينتهن } فكيف تكون الزينة عورة يستحيا منها بل وفي منزلة السوأتين ؟!والفقهاء رحمهم الله , إنما يذكرون ما يجب على المرأة والرجل ستره في الصلاة , ويسمون ذلك باب ستر العورة من باب التغليب والتجويز اللغوي, وإلا ليس كل ما يؤمر المكلف بستره في صلاته هو عورة يحرم كشفه ولو كان خليًا, ومن ذلك الأمر بتغطية العاتق للرجل, فعورة الرجل من السرة إلى الركبة باتفاق الفقهاء , والعاتق ليس بعورة ومع ذلك يؤمر بستره وجوبًا أو استحبابًا , وكذلك شعر المرأة ليس بعورة قبل فرض الحجاب وهي مأمورة بستره في الصلاة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طرداً ولا عكساً .انتهى من رسالته في الحجاب انظر (مجموع الفتاوى 22/115) .

فتعليل من جوّز السفور , بأن وجه المرأة ليس بعورة فلها كشفه في كل وقت , لا يصح لأن العلة في تشريع الحجاب لم تكن ستر العورة , وإنما العلة هي منع الفتنة بها .ويتضح لك هذا بتتبع آيات الحجاب وسبب نزولها وهي كما يلي :قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ } إلى قوله { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ .. الآية }[الأحزاب:53] .أخرج الإمام البخاري في الصحيح (4871) : حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه : أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي صلى الله عليه و سلم فخدمته عشر سنين وتوفي النبي صلى الله عليه و سلم وأنا ابن عشرين سنة فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله صلى الله عليه و سلم بزينب بنت جحش ... الحديث .وأخرج أيضاً برقم (4514) : حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة قال أنس بن مالك : أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب لما أهديت زينب بنت جحش رضي الله عنها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت معه في البيت صنع طعاما ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبي صلى الله عليه و سلم يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه - إلى قوله - من وراء الحجاب } . فضرب الحجاب وقام القوم .

فهذه أول الآيات تشريعاً لفريضة الحجاب كما هو نص خادم النبي صلى الله عليه وسلم , ولما كانت هذه الآية مجملة في فريضة الحجاب , تتابع التشريع الإلهي في تفصيل هذه الفريضة على نساء المسلمين فنزلت الآية رقم (59) من سورة الأحزاب , والتي جاءت بالصفة الشرعية لحجاب المرأة المسلمة فقال تعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } وقد كان من أسباب نزولها ما أخرجه البخاري برقم (4517) : حدثني زكرياء بن يحيى حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرجت سودة بعد ما ضُرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها , فرآها عمر بن الخطاب فقال : يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين . قالت فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه و سلم في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا قالت : فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال : ( إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن ).فقول عائشة رضي الله عنها : (( خرجت سودة بعد ما ضُرب الحجاب )) نص في أن هذه الآية نزلت بعد الأمر المجمل في قوله تعالى { فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ }[الأحزاب:53] فلما كانت حاجة النساء الخروج للبراز ولحاجاتهن الأخرى , ولتعارض هذه الحاجة مع الأمر بالحجاب , ومن قبله الأمر بالقرار في البيوت وعدم التبرج كما في قوله تعالى { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى } [الأحزاب:33], ولتعرض الفساق لهن لاشتبهاهن بالإماء كما اتفق على ذلك المفسرون , أذن الله جل وعز لهن بالخروج لحاجتهن وبيّن لهن صفة الحجاب الشرعي بقوله تعالى { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ }[الأحزاب:59] .وقد نص ابن عباس رضي الله عنه على هذا المعنى فقال : " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة " .رواه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة , وصحيفة ابن أبي طلحة احتج بها البخاري في الصحيح وابن أبي حاتم في تفسيره , وقال الإمام أحمد : في مصر صحيفة عن ابن عباس تُشد لها الرحال أو كما قال .ومن أسباب نزول الأية أيضاً وباتفاق أهل العلم بالتفسير , تمييز الحرائر عن الإماء , ويدل عليه قوله تعالى { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ } ويشهد لذلك ما ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه كان بعد فرض الحجاب ينهى الإماء عن التشبه بالحرائر بلبس الجلباب . (انظر مصنف عبد الرزاق حديث 6240) .قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وَإِنَّمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ عَلَى النِّسَاءِ لِئَلَّا تُرَى وُجُوهُهُنَّ وَأَيْدِيهِنَّ . وَالْحِجَابُ مُخْتَصٌّ بِالْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ كَمَا كَانَتْ سُنَّةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ أَنَّ الْحُرَّةَ تَحْتَجِبُ وَالْأَمَةُ تَبْرُزُ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا رَأَى أَمَةً مُخْتَمِرَةً ضَرَبَهَا وَقَالَ : أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ أَيْ لُكَاعُ . فَيَظْهَرُ مِنْ الْأَمَةِ رَأْسُهَا وَيَدَاهَا وَوَجْهُهَا .انتهى من مجموع الفتاوى (15/372) والأمر في قوله تعالى { قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ }[الأحزاب:59] صريح في إفادته العموم , ولا سبيل لتخصيص أمهات المؤمنين بهذا التشريع الإلهي الصريح في عمومه , فمن أقر بعموم هذا التشريع , وعلم صفة حجاب أمهات المؤمنين , وأن تغطية الوجه فرض داخل في إدناء الجلباب عليهن , كما حكته عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك قائلة : " فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي " فوجب عليه طرد ذلك في صفة حجاب نساء المسلمين , وهذا ما فهمنه نساء المدينة ومدحوا به رضي الله عنهن كما أخرجه أبو دواد في سننه بإسناد صحيح برقم (4103) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ) خَرَجَ نِسَاءُ الأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانُ مِنَ الأَكْسِيَة .
ومن المعلوم أن حادثة الإفك قد وقعت بعد فرض الحجاب إجمالًا وتفصيلًا من آيتي سورة الأحزاب رقم (53) و(59) وقبل نزول آية سورة النور رقم (31) والتي فيها الرخصة في إبداء ما يظهر من الزينة الظاهرة في قوله تعالى { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا }. فيُعلم من ذلك أن من صفة الحجاب لأزواج النبي وبناته ونساء المؤمنين , قبل نزول سورة النور ستر الوجه قطعاً .

وقد جاء تفسير الإدناء في قوله تعالى { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ } عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة .وجاء هذا التفسير لصفة الإدناء عن ثلاثة من كبار أهل العلم قولياً وعملياً وهم : ابن عون وابن سيرين وعبيدة السلماني رحم الله الجميع .قال ابن جرير الطبري : حدثني يعقوب قال ثنا ابن علية عن ابن عون عن محمد عن عبيدة في قوله( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ) فلبسها عندنا ابن عون قال: ولبسها عندنا محمد . قال محمد: ولبسها عندي عبيدة . قال ابن عون بردائه فتقنع به، فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. اسناده صحيح وهو شاهد جيد لما سبق عن ابن عباس رضي الله عنهما .

وأما قول ابن جرير : اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به .انتهى
فالمقصود بهذا الاختلاف اختلاف التنوع , لأنه قد جزم رحمه الله بأن المراد من الأية مخالفة الإماء اللاواتي كن يكشفن شعورهن ووجههن .فقال ابن جرير رحمه الله : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهنّ؛ لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر، بأذى من قول.انتهى
ولذلك لم يرجح ابن جرير كعادته أحد التفاسير على الأخر , لعدم وجود التعارض الموجب للترجيح , لذلك نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما تفسيرين لكيفية الإدناء في الآية , والتفسير الثاني الذي أورده ابن جرير لمعنى الإدناء غير مخالف للأول , وبه يحصل الواجب , فالتقنع هو مرادف للتنقب , و التلثم , والتبرقع , وبه يغطى أكثر الوجه , وهو خلاف السدل الذي يكون بالإرخاء من الأعلى .والحجة في ذلك , ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : كانت الحرة تلبس لباس الأمة , فأمر الله نساء المؤمنين , أن يدنين عليهن من جلابيبهن. وإدناء الجلباب: أن تقنَع وتشد على جبينها.فقول ابن عباس رضي الله عنه : (( أن تقنّع )) مطابق لقول ابن علية في التفسير الأول عن عبيدة السلماني : (( فتقنّع به )) عند وصفه لفعل ابن عون .ويؤكد ذلك ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما , في فتوى له حول إحرام المرأة المتقنعة وكيف تصنع بحجابها , وهذه الرواية من طريق الشافعي وهو في مسنده برقم (544) : أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال : تدلى عليها من جلابيبها ولا تضرب به . قلت : وما لا تضرب به ؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال : لا تغطيه فتضرب به على وجهها , فذلك الذي لا يبقى عليها , ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولاً ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه.
قال ابن الأثير في شرحه لمسند الشافعي (3/272) : " وحقيقة قوله (( ولا تضرب به )) : يريد أنها لا تلصق جلبابها ببشرة وجهها , كأن الجلباب قد ضرب الوجه بمباشرته له , ومنه قول الله عز وجل { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } " . انتهى
وقال الحافظ ابن حجر (الفتح 8/490) في تفسير التقنع : قوله فاختمرن أي غطين وجوههن وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع . انتهى
فظهر لك أن التقنع يراد به تغطية أكثر الوجه , وهو منهي عنه في الإحرام للمراة , لأنه من جنس التنقب والتبرقع والتلثم , وإن كان يأتي أيضاً بمعنى تغطية الرأس ولا يلزم منه امتناع تغطية الوجه بطرفه , وأما التحكم بحصره بمعنى غطاء الرأس فقط فهو مردود , بما ثبت من فعل أمهات المؤمنين , ونساء الصحابة رضي الله عنهن , استجابة للأمر في آية الإدناء وتقدم ذكره.والدليل على صحة ما تقدم من أن التقنع فيه تغطية للوجه , ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد حسن في المعجم الكبير للطبراني (393) : عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : استأذنت لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأذن لهم ، فإذا هو مقنع رأسه ببرد له معافري ، فكشف القناع عن رأسه ، ثم قال : « لعن الله اليهود ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » وأصل الحديث في البخاري (425) , ومسلم (531) عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم : أنه في مرض موته , كان يطرح خميصة له على وجهه , فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه , فقال وهو كذلك : ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) . فكشفت رواية الصحيح حقيقة التقنع في رواية أسامة بن زيد رضي الله عنهما.قال ابن أبي شيبة في مصنفه (8/563) : ( التّقنّع وما ذكِر فِيهِ ) ثم ذكر بإسناده عن لُقْمَانُ قال لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ : يَا بُنَيَّ ، إيَّاكَ وَالتَّقَنُّعَ فَإِنَّهُ مَخْوَفَةٌ بِاللَّيْلِ مَذَلَّةٌ ، أَوْ مَذَمَّةٌ بِالنَّهَارِ.قال مقيده عفا الله عنه : ومعلوم أن المقصود بالتقنع هنا , تغطية الوجه كالتلثم ونحوه , لأن تغطية الرأس دون الوجه من المروة , وليست بمذمة مطلقاً .وقال العيني في عمدته في كتاب اللباس : ( باب التقنع ) أي هذا باب في بيان التقنع بفتح التاء المثناة من فوق والقاف وضم النون المشددة وبالعين المهملة وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.وإليك بيان أن التقنع والتبرقع والتلثم والتنقب ألفاظ لمعاني متقاربة موداها متحد كما عند أهل اللغة :
- جاء في المعجم الوسيط :( تقنع ) تكلف القناعة وتغشى بثوب والمرأة لبست القناع وفي السلاح دخل .( القناع ) ما تغطي به المرأة رأسها وغشاء القلب والشيب وما يستر به الوجه .( المقنع ) المغطى بالسلاح والذي على رأسه بيضة الحديد والمستور وجهه.( البرقع ) قناع النساء.
- وجاء في معجم لغة الفقهاء :(البرقع) : القناع الذي تغطي به المرأة وجهها.(القناع) : بكسر القاف ج أقناع وأقنعة وقنع ، ما يستر به الوجه.(المقنعة) : بكسر فسكون ج مقانع ، القناع = ما تستر به المرأة رأسها وتغطيه.
- جاء في كتاب العين للخليل بن أحمد :(لثم) : اللَّثْمُ: لَثْمُ فِيْكَ على فِيْ آخَرَ. ومنه اللِّثَامُ: وهو شَدُك الفَمِ بالمِقْنَعَةِ.- جاء في تاج العروس :(اللثام) : ككتاب ما على الفم من النقاب , وقيل اللثام رد المرأه قناعها على أنفها , ورد الرجل عمامته على أنفه.

وإليك أقوال بعض المفسرين , وفيها عدم ذكر الخلاف المزعوم في تفسير الإدناء المذكور في قوله تعالى { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ } , وفيها بيان أن صفتي السدل والتقنع المذكورة عن السلف , لا تضاد بينهما , وإنما هي من التنوع في صفة الحجاب :قال الثعالبي في جواهر الحسان (3/237) : واختلف فى صورة ادنائه :فقال ابن عباس وغيره : ذلك ان تلويه المرأة , حتى لا يظهر منها الا عين واحدة تبصر بها .وقال ابن عباس أيضاً وقتادة : ذلك ان تلويه على الجبين وتشده , ثم تعطفه على الأنف وان ظهرت عيناها , لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.انتهىوقال ابن العربي في أحكام القرآن عند قوله تعالى { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ } : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجِلْبَابِ عَلَى أَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ ، عِمَادُهَا أَنَّهُ الثَّوْبُ الَّذِي يُسْتَرُ بِهِ الْبَدَنُ ، لَكِنَّهُمْ نَوَّعُوهُ هَاهُنَا ، فَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ الرِّدَاءُ .وَقِيلَ : إنَّهُ الْقِنَاعُ .الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ } قِيلَ : مَعْنَاهُ تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا فَوْقَ خِمَارِهَا , وَقِيلَ : تُغَطِّي بِهِ وَجْهَهَا حَتَّى لَا يَظْهَرَ مِنْهَا إلَّا عَيْنُهَا الْيُسْرَى .الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَاَلَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي تَنْوِيعِهِ أَنَّهُمْ رَأَوْا السِّتْرَ وَالْحِجَابَ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ ، وَجَاءَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ ، وَاقْتَرَنَتْ بِهِ الْقَرِينَةُ الَّتِي بَعْدَهُ ، وَهِيَ مِمَّا تُبَيِّنُهُ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ } وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَسْلُبُ الْمَعْرِفَةَ عِنْدَ كَثْرَةِ الِاسْتِتَارِ ، فَدَلَّ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَمْيِيزَهُنَّ عَلَى الْإِمَاءِ اللَّاتِي يَمْشِينَ حَاسِرَاتٍ ، أَوْ بِقِنَاعٍ مُفْرَدٍ ، يَعْتَرِضُهُنَّ الرِّجَالُ فَيَتَكَشَّفْنَ ، وَيُكَلِّمْنَهُنَّ ؛ فَإِذَا تَجَلْبَبَتْ وَتَسَتَّرَتْ كَانَ ذَلِكَ حِجَابًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُتَعَرِّضِ بِالْكَلَامِ ، وَالِاعْتِمَادُ بِالْإِذَايَةِ . انتهىقال الثعلبي في تفسيره عند قوله {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ } : أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ، ويغطّين وجوههن ورؤوسهن , ليُعلم أنّهنّ حرائر , فلا يُتعرّض لهنَّ ولا يؤذين .انتهىقال النحاس في معاني القرآن عند قوله تعالى {يا أيها النبي قل لأزواجك إلى آخر الآية } : قال الحسن : تغطي نصف وجهها , وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت علاها بالدرة .قال محمد بن سيرين : سألت عبيدة عن قوله تعالى {يدنين عليهن من جلابيبهن} ؟ فقال : تغطي حاجبها بالرداء , ثم ترده على أنفها , حتى تغطي رأسها , ووجهها , وإحدى عينيها . انتهىقال العز بن عبد السلام كما في تفسيره (1/920) : ( جلابيبهن ) الجلباب : الرداء ، أو القناع ، أو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها .وإدناؤه : أن تشد به رأسها , وتلقيه فوق خمارها , حتى لا ترى ثغرة نحرها ، أو تغطي به وجهها , حتى لا تظهر إلا عينها اليسرى .انتهىقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط (7/240) : والجلابيب : الأردية التي تستر من فوق إلى أسفل .وقال ابن جبير : المقانع ؛ وقيل : الملاحف ، وقيل : الجلباب : كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها ، وقيل : كل ما تستتر به من كساء أو غيره .وقيل : الجلباب أكبر من الخمار . وقال عكرمة : تلقي جانب الجلباب على غيرها ولا يرى . وقال أبو عبيدة السلماني ، حين سئل عن ذلك فقال : أن تضع رداءها فوق الحاجب ، ثم تديره حتى تضعه على أنفها . وقال السدي : تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين . انتهى . وكذا عادة بلاد الأندلس ، لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة . وقال الكسائي : يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن ، أراد بالإنضمام معنى : الإدناء . وقال ابن عباس ، وقتادة : وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ، ثم تعطفه على الأنف ، وإن ظهرت عيناها ، لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه .ومن في { مِن جَلَابِيبِهِنَّ } للتبعيض ، و{عَلَيْهِنَّ } شامل لجميع أجسادهن ،أو {عَلَيْهِنَّ } على وجوههن ، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه . انتهىقال الألوسي في روح المعاني (22/88) : والادناء التقريب , يقال : أدناني أي قربني , وضمن معنى الارخاء أو السدل , ولذا عُدي بعلى , على ما يظهر لي , ولعل نكتة التضمين , الإشارة إلى أن المطلوب : تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل .انتهىوقال رحمه الله في قوله تعالى { من جلابيبيهن }: ومن للتبعيض , ويحتمل ذلك على ما في الكشاف وجهين :أحدهما : أن يكون المراد بالبعض , واحداً من الجلابيب , وإدناء ذلك عليهن , أن يلبسنه على البدن كله .وثانيهما : أن يكون المراد بالبعض , جزأ منه , وإدناء ذلك عليهن , أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه , بجزء من الجلباب , مع إرخاء الباقي على بقية البدن. انتهى

فإذا ظهر لك ما تقدم من تفصيل , وتذكرت أن الرخصة التي جاءت في سورة النور , في إظهار الزينة الظاهرة لم تنزل إلى زمن حادثة الإفك, تيقنت أن ستر الوجه فرض على نساء المؤمنين بعامة بلا خلاف , على الأقل إلى قبل نزول الرخصة في قوله تعالى { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } فاعلم أرشدك الله للصواب : أن القول بإباحة السفور إنما بُني على ثلاث مقدمات خاطئة :

المقدمة الأولى : طرد الإباحة مطلقاً بإبداء كل ما ثبت أنه ليس بعورة, وقد تقدم بيان خطأ ذلك , وأزيد من الحجة على خطأ هذه المقدمة , أن الفقهاء لا يجعلون ثدي المرأة من العورة أمام النساء , وهم مع ذلك يوجبون ستره إلا لحاجة , بل من الفقهاء من يقول : عورة المراة أمام المحارم من السرة إلى الركبة , وهم قطعاً لا يعنون أن لها كشف باقي جسمها أمام محارمها دائماً فتدبر .

المقدمة الثانية : التفريق بين ما شُرع لأمهات المؤمنين , وبين ما شُرع لغيرهن من نساء المؤمنين من فريضة الحجاب , والقول بأن ستر الوجه فرض على أمهات المؤمنين , وسنة ومستحب في غيرهن من نساء المؤمنين , وهذا القول مردود ولا دليل عليه كما تقدم بيانه .

المقدمة الثالثة : اعتقاد أن اختلاف الصحابة في تفسير قوله تعالى { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا }[النور:31] موجب للقول بإباحة السفور , إذا ترجح تفسير من فسره بالوجه والكفين .وهذه المقدمة ظاهرة البطلان , لمن أقر بأن فرض الحجاب على أمهات المؤمنين ونساء المؤمنين , إلى قبل حادثة الإفك وجوب ستر الوجه , لأن نزول هذه الآية التي في سورة النور وفيها الرخصة بإبداء ما ظهر من الزينة , إنما نزلت بعد حادثة الإفك , والتي أخبر الله عنها في أوائل سورة النور , والرخصة إنما هي استثناء عن الأصل وليس نسخاً له .والتشريع الإلهي أتى لسد باب الفتنة ومنع حصول الشهوة , والقول بأن آية الرخصة جاءت بإباحة السفور , يعود بالنقض على أصل التشريع وهذا ممتنع , ويردها أيضاً أن عامة الفقهاء والمفسرين قالوا : أن هذه الأية رخصة في إبداء بعض الزينة للحاجة , وفسروا الزينة بالوجه واليدين لظهورهما في الصلاة , فلو كانتا عورة لما جاز كشفهما في الصلاة .وخالفهم غيرهم وقالوا : إنما الرخصة في إبداء ما لم يمكن تعاهده بالستر كالثياب , لأن الزينة كلها عورة بمعنى مكمن للستر لا أنها بمنزلة السؤاتين.فالخلاف قريب جدًا , وهو في العلة الموجبة لستر ما أمر الله تعالى بستره من تشريعه للحجاب , فمن قال : إن العلة هي الفتنة ومنع الشهوة , رخص في كشف الوجه للحاجة وعند الآمن من الفتنة .ومن قال : إن العلة هو ستر العورة مستدلاً بالحديث (( المرأة عورة )) , قال: إن الرخصة فيما يتعذر ستره كالثياب ونحوها .قال ابن عطية : ويظهر لى بحكم ألفاظ الآية ، بأن المرأة مأمورة بأن لا تبدى ، وأن تجتهد فى الإخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء فيما يظهر ، بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه ، أو إصلاح شأن ونحو ذلك ، " فما ظهر " على هذا الوجه مما تؤدى إليه الضرورة فى النساء فهو المعفو عنه . انتهى من تفسير القرطبي (12/229)

واعلم رحمك الله بأن الخلاف الواقع بين المفسرين والفقهاء ومن قبلهم الصحابة حول هذه الآية , إنما هو حول تحديد المقصود بالرخصة , وبأي حال كان اختلافهم فإنه لا يصل إلى إباحة السفور وصفته كشف الوجه دائمًا .فمن تجده يختار أن الزينة الظاهرة هي الوجه واليدان , تجده ينص على أن الأمر في قوله تعالى {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ } يشمل وجوب ستر الوجه , مما يدل على أن الرخصة عنده بإبداء الوجه , إنما في مواطن معينة وليس المقصود به سفوراً مطلقاً .وأقرب مثال على ذلك , صنيع إمام المفسرين ابن جرير رحمه الله وإليك هو ذا : فعند قوله تعالى { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ } يقول رحمه الله : " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهنّ؛ لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر، بأذى من قول " . انتهىمع أنه عند تفسير قوله تعالى { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } اختار رحمه الله قول من فسر الزينة بالوجه واليدين , وعلل ذلك بأن للمرأة أن تكشف وجهها في صلاتها لانه ليس بعورة , لأنه لو كان عورة لبطلت الصلاة حال كشفه , لذلك اختار أن المقصود بالرخصة هما الوجه واليدان , والمقصود ما يظهر منهما عند الحاجة أو ما ظهر بدون قصد .

وهذا صنيع عامة الفقهاء الذين فسروا الزينة بالوجه واليدين كما سيظهر من أقوالهم المبينة لمقصودهم على الرابط
http://abotariqnahdi.blogspot.com/2013/01/blog-post_2499.html?m=1

 .وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

وكتبه / أبو طارق علي بن عمر النهدي
11/07/1430 هجرية



أقوال الققهاء في المذاهب الأربعة الدالة على عدم تنافي القول بوجوب ستر المرأة المسلمة الحرة لوجهها مع تقريرهم بأنه ليس بعورة


بسم الله الرحمن الرحيم


أقوال الققهاء في المذاهب الأربعة الدالة على عدم تنافي القول بوجوب ستر المرأة المسلمة الحرة لوجهها مع تقريرهم بأنه ليس بعورة :


علماء المذهب الحنفي :



قال الجصاص في أحكام القرآن (5/172) : " قوله تعالى { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } إنما أراد به الأجنبيين , دون الزوج وذوي المحارم , لأنه قد بيّن في نسق التلاوة حكم ذوي المحارم في ذلك .وقال أصحابنا : المراد الوجه والكفان , لأن الكحل زينة الوجه , والخضاب والخاتم زينة الكف , فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف , فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين .ويدل على أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة أيضاً , أنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين , فلو كانا عورة لكان عليها سترهما كما عليها ستر ما هو عورة , وإذا كان ذلك جاز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة , فإن كان يشتهيها إذا نظر إليها جاز أن ينظر لعذر , مثل أن يريد تزويجها , أو الشهادة عليها , أو حاكم يريد أن يسمع إقرارها " . انتهى

ويقول الجصاص في أحكام القرآن (5/245) عند قوله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ } : " في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين , وإظهار الستر والعفاف عند الخروج , لئلا يطمع أهل الريب فيهن , وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها , لأن قوله تعالى { وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ } ظاهره أنه أراد الحرائر , وكذا روي في التفسير , لئلا يكن مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس والوجه , فجعل الستر فرقاً يعرف به الحرائر من الإماء " . انتهى

وقال السرخسي في المبسوط كتاب الاستحسان (10/119) : " أن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة هو القياس الظاهر , وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "المرأة عورة مستورة" ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة " . انتهى
وقال رحمه الله في موضع أخر من كتاب الاستحسان (10/125-126) : " يباح النظر إلى موضع الزينة الظاهرة منهن دون الباطنة لقوله تعالى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] , وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم ما ظهر منها الكحل والخاتم , وقالت عائشة رضي الله عنها إحدى عينيها , وقال ابن مسعود رضي الله عنه خفها وملاءتها .وأنه لا يباح النظر إلى شيء من بدنها , ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة , وعامة محاسنها في وجهها , فخوف الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء , وبنحو هذا تستدل عائشة رضي الله تعالى عنها , ولكنها تقول هي لا تجد بداً من أن تمشى في الطريق , فلا بد من أن تفتح عينها لتبصر الطريق , فيجوز لها أن تكشف إحدى عينيها لهذه الضرورة , والثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة .ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما , فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفها ... ثم ذكر الأخبار ... فدل أنه لا بأس بالنظر إلى الوجه والكف , فالوجه موضع الكحل , والكف موضع الخاتم والخضاب وهو معنى قوله تعالى {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] , وخوف الفتنة قد يكون بالنظر إلى ثيابها أيضا قال القائل:وما غرني إلا خضاب بكفها ... وكحل بعينيها وأثوابها الصفرثم لا شك أنه يباح النظر إلى ثيابها , ولا يعتبر خوف الفتنة في ذلك , فكذلك إلى وجهها وكفها , وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة : أنه يباح النظر إلى قدمها أيضا , وهكذا ذكر الطحاوي لأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال , وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء , تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو متنعلة , وربما لا تجد الخف في كل وقت " . انتهى

قال مقيده عفا الله عنه : تأمل عبارة (( فيجوز لها أن تكشف إحدى عينيها )) ونسبه لاختيار عائشة رضي الله عنها وعلله بالضرورة , ولم يرضى ذلك , ووسع الرخصة باختياره لقول علي وابن عباس رضي الله عنهم كما قال وحاصله أن الذي يجوز كشفه الوجه واليدان , وعلل ذلك السرخسي بقوله (( لأنها تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال )) ولم يتوقف عن هذا بل جعل الرخصة شاملة لكل ما تحتاج المرأة لإبداءه ولو كان رحمه الله يبيح السفور لما احتاج لهذا التفصيل فتأمل .ولذلك تجد السرخسي في سياق الحديث عن تغطية وجه الرجل حال الإحرام يقول : " فتخصيصه حالة الضرورة بالرخصة دليل على أن المحرم منهي عن تغطية الوجه ولأن المرأة لا تغطى وجهها بالإجماع مع أنها عورة مستورة فإن في كشف الوجه منها خوف الفتنة " . انتهى

قال الكاساني في بدائع الصنائع (5/121) :فلا يحل النظر للأجنبي من الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إلا الوجه والكفين لقوله تبارك وتعالى {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} إلا أن النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة وهي الوجه والكفان رخص بقوله تعالى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} والمراد من الزينة مواضعها ومواضع الزينة الظاهرة الوجه والكفان فالكحل زينة الوجه والخاتم زينة الكف ولأنها تحتاج إلى البيع والشراء والأخذ والعطاء ولا يمكنها ذلك عادة إلا بكشف الوجه والكفين فيحل لها الكشف وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يحل النظر إلى القدمين أيضا .... ثم ذكر وجه إباحة القدمين وشرع في رده لترجيح مشهور المذهب ... قائلاً : "وجه" ظاهر الرواية ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله جل شأنه {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أنه الكحل والخاتم وروي عنه في رواية أخرى أنه قال الكف والوجه فيبقى ما وراء المستثنى على ظاهر النهي ولأن إباحة النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها للحاجة إلى كشفها في الأخذ والعطاء ولا حاجة إلى كشف القدمين فلا يباح النظر إليهما . انتهى

قال ابن الهمام في فتح القدير /باب الكراهية/فَصْلٌ فِي الْوَطْءِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ :قَوْلُهُ ( قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : مَا ظَهَرَ مِنْهَا الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ ، وَالْمُرَادُ مَوْضِعُهُمَا وَهُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفُّ ) .أَقُولُ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ نَقْلِ قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ الِاسْتِدْلَال عَلَى جَوَازِ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا بِقَوْلِهِمَا فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى { إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } فَإِنَّ فِي تَفْسِيرِهِ أَقْوَالًا مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْهَا سِوَى قَوْلِهِمَا ، لَكِنَّ دَلَالَةَ قَوْلِهِمَا عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاضِحٍ أَيْضًا ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَوْضِعَ الْكُحْلِ هُوَ الْعَيْنُ لَا الْوَجْهُ كُلُّهُ ، وَكَذَا مَوْضِعُ الْخَاتَمِ هُوَ الْأُصْبُعُ لَا الْكَفُّ كُلُّهُ ، وَالْمُدَّعَى جَوَازُ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ كُلِّهِ وَإِلَى كَفَّيْهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، فَالْأَوْلَى فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْمَصِيرُ إلَى مَا جَاءَ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي الرُّخْصَةِ فِي النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا . انتهى ونص ابن الهمام في كتاب الحج من فتحه القدير على تحريم السفور صراحةً فقال :وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ إبْدَاءِ وَجْهِهَا لِلْأَجَانِبِ بِلَا ضَرُورَةٍ ، وَكَذَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ . انتهى

وقال ملا علي قاري في فتح العناية :(والحرة) أي وعورة الحرة (بدنها) أي جميع أعضائها ... (إلا الوجه والكف والقدم) لقول تعالى { لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } أي إلا ما جرت به العادة على ظهورها للأجانب من الوجه والكف والقدم , إذ من ضرورة إبداء الزينة إبداء مواضعها , والكحل زينة الوجه والخاتم زينة الكف , ولأن المرأة لا تجد بُداً من مزاولة الأشياء بيديها .ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً : الشهادة والمحاكمة ... ومواضع الضرورة مستثناة من قواعد الشرع " . انتهى

وقال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح / باب شروط الصلاة/ فصل في متعلقات الشروط وفروعه :قوله ( وجميع بدن الحرة ) : أي جسدها .قوله ( إلا وجهها ) : ومنع الشابة من كشفه لخوف الفتنة لا لأنه عورة . انتهى

وقال ابن نجيم في البحر الرائق (1/284) :قَوْلُهُ ( وَبَدَنُ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا ) لقوله تَعَالَى { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا ما ظَهَرَ منها } النور 31 قال ابن عَبَّاسٍ وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا وَإِنْ كان ابن مَسْعُودٍ فَسَّرَهُ بِالثِّيَابِ كما رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَلِأَنَّ النبي نهى الْمُحْرِمَةَ عن لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَلَوْ كَانَا عَوْرَةً لَمَا حَرُمَ سِتْرُهُمَا , وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تدعو إلَى إبْرَازِ الْوَجْهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَإِلَى ابراز الْكَفِّ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ فلم يُجْعَلْ ذلك عَوْرَةً . وَعَبَّرَ بِالْكَفِّ دُونَ الْيَدِ كما وَقَعَ في الْمُحِيطِ لِلدَّلَالَةِ على أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَاطِنِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْكَفِّ عَوْرَةٌ كما هو ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ , وفي مُخْتَلِفَاتِ قاضيخان ظَاهِرُ الْكَفِّ وَبَاطِنُهُ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ إلَى الرُّسْغِ ورجحة في شَرْحِ الْمُنْيَةِ ... وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ إخْرَاجَ الْكَفِّ عن كَوْنِهِ عَوْرَةً مَعْلُولٌ بِالِابْتِلَاءِ بِالْإِبْدَاءِ إذْ كَوْنُهُ عَوْرَةً مع هذا الِابْتِلَاءِ مُوجِبٌ لِلْحَرَجِ وهو مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ وَهَذَا الِابْتِلَاءُ كما هو مُتَحَقِّقٌ في بَاطِنِ الْكَفِّ مُتَحَقِّقٌ في ظَاهِرِهِ ا هـ . وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ " . انتهى

قال مقيده عفا الله عنه : ألا يحق لنا التأمل في حكاية الخلاف في المذهب الحنفي حول اليد وهل يُرخّص في إبدائها كلها أو ما تدعو الحاجة إليه وهو الباطن دون الظاهر ؟!!ولاحظ تعليلهم إخراج الوجه والكف عن كونهما عورة قال (( مَعْلُولٌ بِالِابْتِلَاءِ بِالْإِبْدَاءِ )) .ثم جزم ابن نجيم أن المذهب التفريق بين باطن اليد وظاهرها , وكل ذلك ودليلهم { إلا ما ظهر منها } فهل يقال أن الأحناف يقولون بإباحة السفور للوجه !!؟

وقال الطوري في تكملة البحر الرائق/كتاب الكراهية/فصل في النظر واللمس :وَاسْتَدَلَّ الشَّارِحُ على جَوَازِ النَّظَرِ إلَى ما ذُكِرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا ما ظَهَرَ منها } النور 31 قال عَلِيٌّ وابن عَبَّاسٍ ما ظَهَرَ منها الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ لَا الْوَجْهُ كُلُّهُ وَالْكَفُّ فَلَا يُفِيدُ المدعي فَتَأَمَّلْ.
وَالْأَصْلُ في هذا أَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ لِقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ إلَّا ما اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ وَهُمَا عُضْوَانِ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا بُدَّ لها من الْخُرُوجِ لِلْمُعَامَلَةِ مع الْأَجَانِبِ فَلَا بُدَّ لها من إبْدَاءِ الْوَجْهِ لِتُعْرَفَ فَتُطَالَبَ بِالثَّمَنِ وَيُرَدَّ عليها بِالْعَيْبِ وَلَا بُدَّ من إبْدَاءِ الْكَفِّ لِلْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَدَمَ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَا ضَرُورَةَ في إبْدَاءِ الْقَدَمِ فَهُوَ عَوْرَةٌ في حَقِّ النَّظَرِ وَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ في حَقِّ الصَّلَاةِ كَذَا في الْمُحِيطِ . انتهى





علماء المذهب المالكي :



- جاء في مدونة الإمام مالك (2/95) كتاب الأيمان بالطلاق :
" سئل رحمه الله : أرأيت إذا قال: لها أنت طالق فجحدها ؟
فقال الإمام مالك : لا تتزين له, ولا يرى لها شعرًا, ولا صدرًا, ولا وجهًا ". انتهى

فانظر كيف حرم رؤية الوجه على من يطلق زوجته ثلاثا لأنها تصبح في حكم الأجنبية عنه.
فهذا هو مذهب الإمام مالك صريحاً في حكم ستر وجه المرأة المسلمة فتأمل.

- قال ابن العربي في أحكام القرآن :قَوْلُهُ : { إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } وَاخْتُلِفَ فِي الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الثِّيَابُ يَعْنِي أَنَّهَا يَظْهَرُ مِنْهَا ثِيَابُهَا خَاصَّةً ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ .الثَّانِي : الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرُ .الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ .وَهُوَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي بِمَعْنًى ، لِأَنَّ الْكُحْلَ وَالْخَاتَمَ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ بِمَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَرَى الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ هِيَ الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ يَقُولُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كُحْلٌ أَوْ خَاتَمٌ ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ وَجَبَ سَتْرُهَا ، وَكَانَتْ مِنْ الْبَاطِنَةِ .وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ هِيَ الَّتِي فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، فَإِنَّهَا الَّتِي تَظْهَرُ فِي الصَّلَاةِ . وَفِي الْإِحْرَامِ عِبَادَةً ، وَهِيَ الَّتِي تَظْهَرُ عَادَةً .انتهى

وقال ابن العربي عند قَوْلُهُ : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } :وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَذِنَ فِي مُسَاءَلَتِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فِي حَاجَةٍ تَعْرِضُ أَوْ مَسْأَلَةٍ يُسْتَفْتَى فِيهَا ؛ وَالْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ ؛ بَدَنُهَا وَصَوْتُهَا ، فَلَا يَجُوزُ كَشْفُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ لِحَاجَةٍ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا ، أَوْ دَاءٍ يَكُونُ بِبَدَنِهَا ، أَوْ سُؤَالِهَا عَمَّا يَعِنُّ وَيَعْرِضُ عِنْدَهَا .انتهى

وقال ابن العربي في عارضة الاحوذي (4/56) :قوله في حديث ابن عمر : " ولا تنتقب المحرمة " وذلك لأن ستر وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج , فإنها ترخي شيئاً من خمارها على وجهها غير لاصق به , وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها . انتهى


وقال أبو الوليد ابن رشد رحمه الله (البيان والتحصيل 4/427) : جائز للرجل أن يقوم للمرأة الأجنبية في حوائجها ويناولها الحاجة إذا غض بصره عما لا يحل له النظر إليه مما لا يظهر من زينتها لقول الله عز وجل: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: ٣١] وذلك الوجه والكفان على ما قاله أهل التأويل فجائز للرجل أن ينظر إلى ذلك من المرأة عند الحاجة والضرورة " .


وقال ابن القطان الفاسي في النظر في أحكام النظر (ص142) :وهذا القول - أي أن الزينة الظاهرة هي [الوجه واليدان] - هو قول الأوزاعي والشافعي وأبي ثور ... وأما مذهب مالك رحمه الله فيشبه أن يقال إنه هو هذا ... ثم ذكر اختلاف أصحاب مالك وأن منهم من نسبه إلى قول ابن مسعود رضي الله عنه ...ثم قال ابن القطان : ويحتمل عندي أن يقال : أن مذهب مالك هو أن نظر الرجل إلى وجه المرأة الأجنبية , لا يجوز إلا من ضرورة ... وجواز البُدوِّ وتحريمه , مرتب عنده - أي عند مالك - على جواز النظر , أو تحريمه , فكل موضع له فيه جواز النظر , فيه إجازة البُدوِّ . انتهى

- وقال ابن القطان (ص406) :ليس من الضرورات احتياجها إلى أن تبيع أو تبتاع أو تستصنع , وقد روي عن مالك : أرى أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم , ولا تترك الشابة تجلس إلى الصناع , وأما المتجالة والخادم الدون ومن لا يتهم على القعود عنده , ومن لا يتهم فلا بأس بذلك .وهذا كله صواب من القول , فإن أكثر هذه ليست بضرورات مبيحة للتكشف , وقد تصنع وتستصنع وتتصرف بالبيع والشراء وغير ذلك وهي مستترة , ولا يمنعن من الخروج والمشي في حوائجهن ولو كن معتدات , وإلى المسجد , وإنما يمنعن من التبرج والتكشف والتطيب للخروج والتزين , بل يخرجن وهن منتقبات ولا يخفقن في المشي في الطرقات بل يلصقن بالجدرات . انتهى

- يقول ابن عبد البر رحمه الله [مقدمة الكافي في فقه أهل المدينة ] : " واعتمدت فيه على علم أهل المدينة وسلكت فيه مسلك مذهب الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس رحمه الله , لما صح له من جمع مذاهب أسلافه من أهل بلده , مع حسن الاختيار وضبط الآثار , فأتيت فيه بما لا يسع جهله لمن أحب أن يسم بالعلم نفسه , واقتطعه من كتب المالكيين ومذهب المدنيين واقتصرت على الأصح علماً والأوثق نقلاً " . انتهى

وقال ابن عبد البر في باب عقد النكاح [الكافي2/519] : " ومن أراد نكاح امرأة فليس له عند مالك أن ينظر إليها ولا يتأمل محاسنها وقد روي عنه أنه ينظر إليها وعليها ثيابها ومن أباح من العلماء النظر إليها عند خطبتها فإنه يبيح أن ينظر منها إلى وجهها وكفيها لأن ذلك ليس عليها ستره في صلاتها " . انتهى

ثم قال ابن عبد البر [الكافي 2/1136] : " وعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم , ولتضرب المرأة بخمارها وهو كل ما يغطي رأسها على جيبها لتستر صدرها , ولا تبدي زينتها إلا لبعلها أو أبن بعلها أو ابنها أو أخيها أو ابن اخيها أو ابن اختها او ما ملكت يمينها , ... وقد رُدت الرخصة في أكل المرأة مع عبدها الوغد ومع خادمها المأمون " . انتهى

ويقول ابن عبد البر (التمهيد 3/461) مستنبطاً من حديث ابن أبي القعيس رضي الله عنه : " في هذا الحديث دليل على أن احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام , وأنهم كانوا يرون النساء , ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم , إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم , حتى نزلت آيات الحجاب .... فأُمر النساء بالحجاب , ثم أُمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلالبيبهن , وهو القناع , وهو عند جماعة العلماء في الحرائر دون الإماء.وفيه أيضاً - أي في الحديث - أن ذوي المحارم من النسب والرضاع , لا يُحتجب منهم , ولا يستتر عنهم , إلا العورات , والمرأة في ما عدا وجهها وكفيها عورة " . انتهى

قال مقيده عفا الله عنه : يقرر ابن عبد البر أن الذي يجوز إبداءه من النساء لمحارمهن , وجهها وكفيها فقط , فما الفرق بين المحارم وغيرهم على قول من يبيح السفور للنساء , وهو أن للمرأة أن تكشف وجهها دائماً , وهل يكون ابن عبد البر من هؤلاء المبيحين فتأمل .

- وقال القرطبي عند قوله تعالى { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } : في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتين فيها ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها كما تقدم فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها . انتهى
وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن الأقوال عن السلف في تفسير قوله تعالى { إلا ما ظهر منها } ثم قال رحمه الله :قال ابن عطية : ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه ، أو إصلاح شأن ونحو ذلك. فـ {مَا ظَهَرَ} على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه.قلت [القرطبي] : هذا قول حسن ، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج ، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما.فهذا أقوى من جانب الاحتياط ؛ ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها ، والله الموفق لا رب سواه. انتهى
وقال القرطبي عند قوله { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ } :لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكرة فيهن أمر الله رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف فيقع الفرق بينهن وبين الإماء فتعرف الحرائر بسترهن. انتهى

- قال ابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل :{ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } نهى عن إظهار الزينة بالجملة ثم استثنى الظاهر منها ، وهو ما لا بد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك ، فقيل : إلا ما ظهر منها يعني الثياب؛ فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها ، وقيل : الثياب والوجه والكفان ، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة .انتهى
وقال ابن جزي عند قوله تعالى { ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ } :كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء ، وكان ذلك داعياً إلى نظر الرجال لهن ، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن ، ويفهم الفرق بن الحرائر والإماء . انتهىوقال ابن جزي في القوانين الفقهية :وإن كانت أجنبية جاز أن يرى الرجل من المتجالة الوجه والكفين ولا يجوز أن يرى ذلك من الشابة إلا لعذر من شهادة أو معالجة أو خطبة .انتهى

- وقال القرافي في الذخيرة :وقوله تعالى ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) يقتضي العفو عن الوجه واليدين من الحرة لأنه الذي يظهر عند الحركات للضرورة .انتهى

- قال الآبي في جواهر الإكليل :أن ابن مرزوق نص على أن مشهور المذهب وجوب ستر الوجه والكفين إن خشيت فتنة من نظر أجنبي إليها . انتهىالشرح الصغير للدردير المسمى أقرب المسالك :( وَ ) عَوْرَةُ الْحُرَّةِ ( مَعَ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ ) : مِنْهَا أَيْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا جَمِيعُ الْبَدَنِ ( غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ) : وَأَمَّا هُمَا فَلَيْسَا بِعَوْرَةٍ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا سَتْرُهُمَا لِخَوْفِ فِتْنَةٍ .انتهى

- وفي حاشية الصاوي على الشرح الصغير المسمى ببلغة السالك لأقرب المسالك :قَوْلُهُ : [ غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ] إلَخْ : أَيْ فَيَجُوزُ النَّظَرُ لَهُمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا بِغَيْرِ قَصْدِ لَذَّةٍ وَلَا وِجْدَانِهَا ، وَإِلَّا حَرُمَ .وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ سَتْرُ وَجْهِهَا وَيَدَيْهَا ؟ وَهُوَ الَّذِي لِابْنِ مَرْزُوقٍ قَائِلًا : إنَّهُ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ : أَوْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا عَلَى الرَّجُلِ غَضُّ بَصَرِهِ ؟ وَهُوَ مُقْتَضَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ عَنْ عِيَاضٍ .انتهىحاشية الدسوقي على الشرح الكبير :قَوْلُهُ ( غير الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ) أَيْ وَأَمَّا هُمَا فَغَيْرُ عَوْرَةٍ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِمَا وَلَا فَرْقَ بين ظَاهِرِ الْكَفَّيْنِ وَبَاطِنِهِمَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْشَى بِالنَّظَرِ لِذَلِكَ فِتْنَةً وَأَنْ يَكُونَ النَّظَرُ بِغَيْرِ قَصْدِ لَذَّةٍ وَإِلَّا حرم النَّظَرُ لَهُمَا وَهَلْ يَجِبُ عليها حِينَئِذٍ سَتْرُ وَجْهِهَا وَيَدَيْهَا وهو الذي لِابْنِ مَرْزُوقٍ قَائِلًا إنَّهُ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أو لَا يَجِبُ عليها ذلك وَإِنَّمَا على الرَّجُلِ غَضُّ بَصَرِهِ وهو مُقْتَضَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ عن عِيَاضٍ . انتهى

- قال عليش في منح الجليل :وهي من حرة مع رجل أجنبي مسلم جميع جسدها غير الوجه والكفين ظهراً وبطناً فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي وله نظرهما إن لم تخش الفتنة فإن خيفت الفتنة به فقال ابن مرزوق مشهور المذهب وجوب سترهما وقال عياض لا يجب سترهما ويجب عليه غض بصره وقال زروق يجب الستر على الجميلة ويستحب لغيرها .انتهىقال مقيده عفا الله عنه : قولهم (( أو لَا يَجِبُ عليها ذلك وَإِنَّمَا على الرَّجُلِ غَضُّ بَصَرِهِ وهو مُقْتَضَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ عن عِيَاضٍ )) لم يُتابع القاضي عياض على قوله هذا , لبطلان ما قام عليه وهو التفريق في التشريع بين حجاب أمهات المؤمنين وبين باقي نساء المسلمين .وقد فهم بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر والنووي أن مقصود القاضي عياض بخصوصية أمهات المؤمنين بالحجاب , إنما هو في استتار شخوصهن عن العامة , وأن لا يخاطبن إلا من وراء حجاب يستر أشخاصهن مع حجاب أبدانهن , لا أنه يبيح السفور . والله أعلم



علماء المذهب الشافعي :

وقال إمام الحرمين الجوينيُّ الشافعي رحمه الله (روضة الطالبين 7/24) :اتفق المسلمون على منع النِّساء من الخروج سافرات الوجوه؛ لأنَّ النَّظر مظنَّة الفتنة، وهو محرك للشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع سدُّ الباب فيه، والإعراض عن تفاصيل الأحوال، كالخلوة بالأجنبية .انتهى

قال الغزالي في الإحياء (2/53) :فإذا خرجت فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال , ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه , بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط , فإن لم تكن فتنة فلا , إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن منتقبات , ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقب أو منعن من الخروج إلا لضرورة . انتهى

قال النووي في المنهاج :وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبِيرَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ , وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ ، وَكَذَا عَنْدَ الْأَمْنِ عَلَى الصَّحِيحِ . انتهى

قال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب :وَتَحْتَجِبُ مُسْلِمَةٌ عن كَافِرَةٍ وُجُوبًا , فَيَحْرُمُ نَظَرُ الْكَافِرَةِ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أو نِسَائِهِنَّ } وَالْكَافِرَةُ لَيْسَتْ من نِسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ , وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا تَحْكِيهَا لِلْكَافِرِ فَلَا تَدْخُلُ الْحَمَّامَ مع الْمُسْلِمَةِ , نعم يَجُوزُ أَنْ تَرَى منها ما يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ على الْأَشْبَهِ في الْأَصْلِ .قال الْأَذْرَعِيُّ وهو غَرِيبٌ لم أَرَهُ نَصًّا بَلْ صَرَّحَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهَا مَعَهَا كَالْأَجْنَبِيِّ , وَكَذَا رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وهو ظَاهِرٌ فَقَدْ أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ على الْمُسْلِمَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا لها , وهو إنَّمَا يَأْتِي على الْقَوْلِ بِذَلِكَ الْمُوَافِقُ لِمَا في الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ في مَسْأَلَةِ الْأَجْنَبِيِّ . انتهى

قال السبكي : الأقرب إلى صنيع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر . انتهى

وقال البلقيني : الترجيح بقوة المدرك والفتوى على ما في المنهاج وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء - أي من الخروج سافرات - . انتهى

قال الرملي معقباً على دعوى الجمع بين كلام أئمة الشافعية وما نقل عن القاضي عياض : ظاهر كلامهما أن الستر واجب لذاته فلا يتأتى هذا الجمع , وكلام القاضي - عياض - ضعيف . انتهى من نهاية المحتاج
وقال الرملي في نهاية المحتاج في الجنائز :وممن استثنى الوجه والكفين المصنف - يقصد النووي - في مجموعه لكنه فرضه في الحرة , ووجوب سترهما في الحياة ليس لكونهما عورة , بل لكون النظر إليهما يوقع في الفتنة . انتهى

قال الجمل في حاشيته على المنهج :قوله (وعورة حرة غير وجه وكفين) وهذه عورتها في الصلاة وإما عورتها عند النساء المسلمات مطلقا وعند الرجال المحارم فما بين السرة والركبة وأما عند الرجال الأجانب فجميع البدن . انتهى

قال الدمياطي في إعانة الطالبين :( قوله غير وجه وكفين ) مفعول ستر , أي يجب أن تستر سائر بدنها حتى باطن قدمها ما عدا وجهها وكفيها , وذلك لقوله تعالى { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال ابن عباس وعائشة هو الوجه والكفان , ولأنهما لو كانا عورة في العبادات لما وجب كشفهما في الإحرام , ولأن الحاجة تدعو إلى إبرازهما .واعلم أن للحرة أربع عورات فعند الأجانب جميع البدن , وعند المحارم والخلوة ما بين السرة والركبة , وعند النساء الكافرات ما لا يبدو عند المهنة , وفي الصلاة جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها . انتهى

 قال السيوطي في الإكليل :قوله تعالى { يدنين عليهن من جلابيبهن } هذه آية الحجاب في حق سائر النساء , ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن . انتهى
وقال السيوطي في الأشباه والنظائر ص240 :المرأة في العورة لها أحوال حالة مع الزوج ولا عورة بينهما وفي الفرج وجه وحالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين في الأصح وحالة مع المحارم والنساء وعورتها ما بين السرة والركبة وحالة في الصلاة وعورتها كل البدن إلا الوجه والكفين. انتهى

قال البيضاوي في تفسيره :{ يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة , و { من } للتبعيض فإن المرأة ترخي بعض جلبابها وتتلفع ببعض . انتهى
وقال البيضاوي عند قوله { إلا ما ظهر منها } :عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجا , وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف , أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزيينية والمستثنى هو الوجه والكفان , لأنها ليست بعورة , والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر , فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة . انتهى

قال الشهاب في شرحه :ومذهب الشافعي رحمه الله كما في الروضة وغيره : أن جميع بدن المرأة عورة حتى الوجه والكف مطلقاً , وقيل : يحل النظر إلى الوجه والكف إن لم يخف , وعلى الأول : هما عورة إلا في الصلاة , فلا تبطل صلاتها بكشفهما . انتهى

وقال الحافظ ابن حجر (الفتح 1/249) :قوله ( احجب ) أي امنعهن من الخروج من بيوتهن , بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة ما قال كما سيأتي قريبا , ويحتمل أن يكون أراد أولاً الأمر بستر وجوههن , فلما وقع الأمر بوفق ما أراد , أحب أيضاً أن يحجب اشخاصهن مبالغة في التستر فلم يجب لأجل الضرورة . انتهى
وقال الحافظ ابن حجر أيضاً في الفتح (12/245) : ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك . انتهىوالله الموفق



علماء المذهب الحنبلي :


من المعلوم أن المشهور في المذهب الحنبلي أن وجه المرأة الحرة عورة في غير الإحرام والصلاة , وخالف بعض الحنابلة مشهور المذهب ورجحوا أن الوجه ليس بعورة وإلا لما جاز كشفه في الإحرام والصلاة , ومع ذلك فالجميع متفقون على وجوب ستره عن الرجال الأجانب .والجدير بالذكر التنبيه على أن الذين قالوا أن الوجه عورة , لا يعنون تنزيله منزلة السؤاتين , وإنما ذلك من باب التغليب والاصطلاح الفقهي وأن مكمن الستر يسمى عورة , ويظهر لك ذلك بأنهم لا يوجبون على المرأة ستر وجهها في بيتها وهي خالية , وأما السؤاتان فينهى عن كشفهما مطلقاً ولو كان المكلف خالياً إلا لحاجة , على خلاف في النهي بين التحريم والكراهة .

وإليك أيها الموفق للصواب نصوص بعض علماء الحنابلة ممن رجحوا أن الوجه والكفين ليسا بعورة ومع ذلك هم يوجبون سترهما ولا يبيحون السفور :

قال الموفق ابن قدامة في المغني (1/671) :وقال مالك و الأوزاعي و الشافعي جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة لأن ابن عباس قال في قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال الوجه والكفين ولأن النبي صلى الله عليه و سلم نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء . انتهى

وقال الموفق في المغني (1/671) :وقال بعض أصحابنا المرأة كلها عورة لأنه قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ المراة عورة ] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح , لكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة وأبيح النظر لأجل الخطبة لأنه مجمع المحاسن . انتهى

وقال الموفق في المغني (7/460) :وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها دليل على التحريم عند عدم ذلك إذ لو كان مباحاً على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب فنحمله عليه انتهى

قال ابن مفلح في الفروع (2/35) :والحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، نص عليه، إلا الوجه، اختاره الأكثر، وعنه والكفين . انتهى
وقال ابن مفلح في الفروع أيضاً (5/528 - 530) :وقال في الانتصار في مسألة التيمم ضربة للوجه والكفين: إن المرأة أبيح لها كشف الوجه والكفين في الصلاة والإحرام.ويجوز لها أن تسدل على الوجه لحاجة "و" لقول عائشة: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات "1فإذا حاذونا أسدلت1" إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها, فإذا جاوزونا كشفناه ... وعن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر, رواه مالك1, أطلق جماعة جواز السدل .والمذهب: يحرم تغطية ما ليس لها ستره ... وحكم المرأة كالرجل في جميع ما سبق إلا في لبس المخيط وتظليل المحمل, بالإجماع . انتهى

قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (2/244) :وَيُكْرَهُ النِّقَابُ لِلْأَمَةِ وَعَنْهُ يَحْرُمُ ، وَعَنْهُ يُبَاحُ إنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ النِّقَابُ وَالْبُرْقُعُ فِي الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ .وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهَا - أي في غير الصلاة والإحرام - ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ يَجِبُ سَتْرُهُ . انتهى

قال المرداوي في الإنصاف (1/319) :قوله: "والحرة كلها عورة حتى ظفرها وشعرها إلا الوجه".الصحيح من المذهب: أن الوجه ليس بعورة وعليه الأصحاب وحكاه القاضي إجماعا وعنه الوجه عورة أيضا قال الزركشي أطلق الإمام أحمد القول بأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة انتهى وقال بعضهم الوجه عورة وإنما كشف في الصلاة للحاجة قال الشيخ تقي الدين والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه . انتهى

قال ابن المبرد يوسف بن عبد الهادي في مغني ذوي الأفهام ص103 : " وعورة المرأة الحرة : يجب ستر جميع بدنها " . انتهى
وقال ابن المبرد في كتاب النكاح ص356 : " ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت . انتهى

وقد اصطلح ابن المبرد في مقدمة كتابه بأن ما اتفق فيه الأئمة , يصيغه بـ (( صيغة المضارع )) , وقد جزم في النقلين السابقين بقوله (( يجب ))  يعني باتفاق الأئمة. والله الموفق



وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

وكتبه / أبو طارق علي بن عمر النهدي
11/07/1430 هجرية .





الأربعاء، 23 يناير 2013

التنبيه بترك مشابهة المبتدعة في تخصيصهم يوم المولد بعبادة ما ولو بقراءة السيرة وإبطال كونها من المصلحة المرسلة

التنبيه بترك مشابهة المبتدعة في تخصيصهم يوم المولد بعبادة ما ولو بقراءة السيرة وإبطال كونها من المصلحة المرسلة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وعبده، اما بعد : يجب علينا معشر المسلمين معرفة شناعة البدع وحقيقة معناها, فالبدعة كلها ضلالة كما أكد ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم في كل خطبة جمعة, ومعنى ذلك أنها لا يمكن أن تعدل وراثيًا فتصبح سنة معدلة بعد أن كانت بدعة ضلالة, فالبدعة بعكس الشِرّعة, فالشِرّعة ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, والبدعة ما لا أصل له من كتاب ولا سنة فكيف إذا كانت محدثة بعد عصور الأئمة والقرون الثلاثة.
وخطورة البدع في كونها تشريع مع الله تعالى, فبدعة المولد مثلًا أصل الشناعة فيها اتخاذ يوم من أيام السنة وتخصيصه باهتمام وتعظيم وأعمال مشروعة في نفسها, ولكن هذا الاتخاذ والتخصيص لم يأذن به الله ولم يشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم, ولم يستحسنه أحد من أهل القرون المفضلة, فكيف بالله يكون خيرًا ؟
بل هو شر وبلاء، يكفي بأن فاعله يعتقد بأنه يتعبد الله بعبادة لم يسبقه إليها محمد ولا أصحابه !!!!
وليعلم المسترشد بأن هذه البدعة ليست من المصالح المرسلة في شيء من عدة وجوه :
الأول : أنها خلية عن المصلحة مليئة بالمفسدة, ومن مفاسدها ما تقدم من اعتقاد أفضلية عمل لم يعمله خير العابدين قبلنا, وفيه مشابهة أهل الكتاب الذين يحتفلون بمولد أنبياءهم ونحن مأمورون بمخالفتهم.
الثاني : أن المقتضي كان قائمًا والموانع منتفية ولم يفعلها لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه أو من تبعهم بإحسان, وهذا من أهم شروط كون الفعل يندرج تحت المصالح المرسلة وهذا منتفي تمامًا.
الثالث : أن المحدث لهذه البدعة ليس من أهل العلم, والمصالح المرسلة لا يقرر كونها مصلحة مرسلة إلا الراسخين في العلم .
الرابع : أن القائل بكونها تندرج في المصالح المرسلة لا سلف له من أهل العلم في ذلك فقوله محدث, علمًا بأن كل من أفتى بجواز المولد من شذاذ الفقهاء المتأخرين يُسلّم بكونه بدعة وإنما أجازها من منطلق التقسيم الباطل للبدع في كونها تنقسم إلى بدعة ضلالة وبدعة حسنة, والنص النبوي الشريف المتكرر القاطع يقول : أن كل البدع ضلالة.

يقول العلامة الشوكاني اليماني رحمه الله في جواب له عن مسألة المولد : " جواب المسألة الأولى من مسألتي السؤال، وهي مسالة المولد. فأقول: لم أجد إلى الآن دليلا يدلا على ثبوته من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا استدلال، بل أجمع المسلمون أنه لم يوجد في عصر خير القرون، ولا الذين يلونهم، ولا الذين يلونهم ... ولم ينكر أحد من المسلمين أنه بدعة ... وإذا تقرر هذا لاح للناظر أن القائل بجوازه بعد تسليمه أنه بدعة لم يتمسك بشيء سوى تقليده لمن قسم البدعة إلى أقسام ليس عليها آثار من علم. والحاصل أنا لا نقبل من القائل بالجواز مقالة إلا بعد أن يقيم دليلا يخص هذه البدعة التي يعترف أنها من ذلك العموم الذي لا ينكره - يقصد عموم قوله عليه الصلاة والسلام ((كل بدعة ضلالة)) - .
وأما مجرد قال فلان، وألف فلان، فهذا غير نافق. والحق أكبر من كل أحد على أنا إذا عولنا على أقوال الرجال، ورجعنا إلى التمسك بأذيال القيل والقال، فليس القائل بالجواز إلا شذوذ من المسلمين.
ولا شك أن العامة أسرع الناس إلى كل ذريعة من ذرائع الفساد التي يتمكنون معها من شيء من المحرمات كالمولد ونحوه. فإذا انضم إلى ذلك حضور من له شهرة في العلم والشرف والرئاسة فعلوا المحرمات بصورة الطاعات، وخبطوا في أودية الجهالات والضلالات، وتخلصوا من ورطة الإنكار بقولهم: حضر معنا سيدي فلان وفلان وفلان.
وهب أنه لا يحصل بحضرة هؤلاء الأعيان شيء من المنكرات كما هو الظن بهم، ألا يدرون أن العامة تتخذ ذلك وسيلة وذريعة إلى كل مُنكَر، ويصكون بحضورهم وجه كل مُنكِر، ويفعلون في موالدهم التي لا يحضرها إلا سقط المتاع كل مُنكَر، ويقولن: قد حضر المولد فلان وفلان وفلان ويتمسكون بجامع اسم المولد.
ومن ههنا يلوح لك فساد اعتذار بعض المجوزين بأنه إذا لم يحصل في المولد إلا الاجتماع للطعام أو الذكر فلا بأس به، وأنه لا يلزم من تحريم ما يصحبه من المحرمات تحريمه". انتهى [الفتح الرباني (2/1087-1090)].
يقول الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله في رسالة في حكم الاحتفال بالمولد النبوي : " وإن من جملة ما أحدثه الناس من البدع المنكرة الاحتفال بذكرى المولد النبوي في شهر ربيع الأول؛ وهم في هذا الاحتفال على أنواع:
- فمنهم من يجعله مجرد اجتماع تُقرأ فيه قصة المولد، أو تُقدَّم فيه خطب وقصائد في هذه المناسبة.
- ومنهم من يصنع الطعام والحلوى وغير ذلك ويقدمه لمن حضر.
- ومنهم من يقيمه في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت.
- ومنهم من لا يقتصر على ما ذكر، فيجعل هذا الاجتماع مشتملاً على محرمات ومنكرات من اختلاط الرجال بالنساء والرقص والغناء، أو أعمال شركية كالاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم وندائه والاستنصار به على الأعداء وغير ذلك.
وهو بجميع أنواعه واختلاف أشكاله واختلاف مقاصد فاعليه لا شك ولا ريب أنه بدعة محرمة محدثة بعد القرون المفضلة بأزمان طويلة ...
وخلاصة القول :
أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي بأنواعه واختلاف أشكاله بدعة منكرة يجب على المسلمين منعها ومنع غيرها من البدع، والاشتغال بإحياء السنن والتمسك بها, ولا يغتر بمن يروِّج هذه البدعة ويدافع عنها؛ فإن هذا الصنف يكون اهتمامهم بإحياء البدع أكثر من اهتمامهم بإحياء السنن، بل ربما لا يهتمون بالسنن أصلاً، ومن كان هذا شأنه فلا يجوز تقليده والاقتداء به". انتهى
وكتبه
أبو طارق علي بن عمر النهدي
الثاني عشر من ربيع الأول 1433 للهجرة
على صاحبها أفضل صلاة وأحسن تسليم
الموافق 4/فبراير/2012م