بسم الله الرحمن الرحيم
** محل النزاع في الإنكار العلني الذي أغفله إبراهيم السكران **
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... أما بعد :
أكثر علينا إبراهيم السكران في الأونة الاخيرة من عجائبه وغرائبه ولا عجب فهو في أمر مريج وهذه هي حالة أهل الاضطراب والتنقل بين الأهواء والمذاهب المائلة عن الحق وأهله
وأما وقد وصل به الحال إلى الاستخفاف بالعقول وخلط المنكر بالمعروف والتطاول على أصحاب الأصول والمعقول والمنقول من قضاة الشرع المطهر الخالي من الأهواء المضلة نحسبهم والله حسيب الجميع.
فنقف معه هذه الوقفات عند دندنته حول معصية الإنكار العلني ومحاولة تهوينها في قلوب أهل الخشية المؤمنين:
· عنون إبراهيم السكران بقوله ((ارتفاع محل الخلاف في مسألة الإنكار العلني)) وحث أهل الخشية الذين يخشون الوقوع في هذه المعصية على اقتحامها وترك هذا الخشية بزعم أن ولي الأمر نفسه أذِن بنقد الجهات الحكومية في ثلاث قرارات عليا متوالية.
وهذا من خلط المعروف بالمنكر لينطلي على من يستخف بهم من قومه وأما أهل الخشية فلن ينطلي عليهم عمل الكهان من إبراهيم السكران !
أولًا: محل النزاع في الإنكار العلني ليس هو ما صوّره الكاتب في قيله وقاله, فمعصية الإنكار العلني خاصة في إعلان الإنكار على أعيان ذوي السلطان من حاكم أو أمير أو وزير في غيبتهم, وأما إعلان النكير على المخالفات الشرعية العامة الصريحة كالبنوك الربوية أو الاختلاط ونحوها فلا أعلم خلافًا بين أهل العلم في جواز إنكارها والإعلان بهذا النكير بين الناس بل ويتعين وجوبه بحسب المقام من دون ذكر الأعيان من ذوي السلطان حاكم أو أمير أو وزير ومن في حكمهم من نواب ولي الأمر.
ثانيًا: دعوى وجود إذن ولي الامر بنقد الجهات الحكومية هو تصور قاصر وليس هو في الحقيقة إذنًا لإعلان النكير على أعيان ذوي السلطان وإنما هو إقرار بجواز الانتقاد العلني لأخطاء وتقصير الجهات الحكومية الخدمية ومخالفاتها الشرعية العامة, وهذا الامر لا يحتاج إلى إذن ولي الامر لوجود الأمر الشرعي الحاكم على الجميع بوجوب النصيحة والتنبيه على الأخطاء وتغيير المنكرات العامة بالأساليب الشرعية.
ثالثًا: توجيه الأوامر الملكية للجهات الحكومية الخدمية بالرد على الانتقادات ودحض الشائعات والأكاذيب ليس فيه إقرارًا ضمنيًا بجواز الإنكار العلني لو سلمنا بخلط السكران لمحل النزاع في الإنكار العلني, فغايته إلزام الجهة المعنية بدفع الشبهة ودحض الإفتراءات وفي نفس الوقت للحكومة الحق في معاقبة المتجاوز بالتهم الباطلة والأكاذيب العاطلة, فمن زعم أن التأكيد على الرد يعني موافقة ضمنية على الإنكار العلني الممنوع شرعًا, فيلزمه أن الحكومة تقر وتأذن بتلفيق الأكاذيب ونشر الشائعات بمجرد التوجيه بالرد والتفنيد !!
رابعا: تسبيب الحكم القضائي بعلة الإنكار العلني على ذي السلطان على الملأ في غيبته المستلزم لإثارة الفتنة بين الراعي والرعية وهو ممنوع شرعًا, تسبيب شرعي صحيح لا غبار عليه, والكاتب إبراهيم السكران أطلق الكلام ولم يقيده بمناطه ليلبس الحق بالباطل والمنكر بالمعروف فالله حسيبه إذا كان قاصدًا, وتاب عليه من الإثم إن كان جاهلاً متكلمًا في دين الله بالظن والهوى.
والخلاصة : أن إبراهيم السكران وقع في التلبيس على الطيبين من أهل الغيرة على الدين والخشية من رب العالمين وهم بإخراجهم من طريق الهدى إلى سبل الهوى فأجمل في الكلام وعمّى محل النزاع ثم تطاول على قضاة الشرع وأهل الفقه في الدين متجلببًا بشبهات هي أرق من ثوب سابري وهي غير عصية على الهتك بسلاح البصيرة والعلم المحقق عند طلبة العلم فضلا عن أهل العلم والفقه والدين.
فالإنكار العلني المحرم هو الذي يكون في حق ذي السلطان على الملأ في غيبته والذي ينتج عنه لزامًا التهييج والتأليب والفتن لقوله عليه الصلاة والسلام : " من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يبديه علانية " وقد ثبت عند سعيد بن منصور في سننه عَن سعيد بْن جبير قَالَ قلت لابن عَبَّاس آمر إمامي بالمعروف قَالَ: " إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت ولا بد فاعلا ففيما بينك وبينه، ولا تغتب إمامك ". وقول ابن عباس رضي الله عنهما (( ولا تغتب إمامك )) نص في محل النزاع وليس له مخالف من الصحابة لا قولًا ولا فعلًا والحمد لله.
وكل ما ورد عن الصحابة الكرام مما يحتج به هووغيره من الإنكار العلني إنما هو في حضور ذي السلطان الذي أُنكر عليه, ولا يوجد دليل على جواز الإنكار العلني مع غيبة السلطان المنكر عليه البتة.
** قال المشايخ محمد بن إبراهيم وسعد بن عتيق – رحمهما الله كما في الدرر السنية (9/119): " وأما ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر، والخروج من الإسلام، فالواجب فيها: مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس، واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلط فاحش، وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نور الله قلبه ، وعرف طريقة السلف الصالح ، وأئمة الدين " ا.هـ
** قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مجموع فتاواه (8 / 210): " ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة , وذكر ذلك على المنابر; لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف , ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع , ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان , والكتابة إليه , أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير ". انتهى
** قال الشيخ الألباني في تعليقه على مختصر صحيح مسلم عند أثر أسامة بن زيد المعروف قال رحمه الله : " يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ ، لأن في الإنكار جهاراً ما يخشى عاقبته كما أتفق في الإنكار على عثمان جهاراً، إذ نشأ عنه قتله . انتهى
** قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في - لقاء الباب المفتوح - (اللقاء الثاني والستون) ص 46 : لأن جميع الإنكارات الواردة عن السلف كانت حاصلة بين يدي الأمير أو الحاكم. الفرق أنه إذا كان حاضراً أمكنه أن يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيباً ونحن المخطئون، لكن إذا كان غائباً لم يستطع أن يدافع عن نفسه وهذا من الظلم، فالواجب أن لا يتكلم على أحد من ولاة الأمور في غيبته، فإذا كنت حريصاً على الخير فاذهب إليه وقابله وانصحه بينك وبينه.ا.هـ
والله أعلم وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين
أبو طارق علي بن عمر النهدي
25 ربيع الأول 1434 للهجرة
** محل النزاع في الإنكار العلني الذي أغفله إبراهيم السكران **
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... أما بعد :
أكثر علينا إبراهيم السكران في الأونة الاخيرة من عجائبه وغرائبه ولا عجب فهو في أمر مريج وهذه هي حالة أهل الاضطراب والتنقل بين الأهواء والمذاهب المائلة عن الحق وأهله
وأما وقد وصل به الحال إلى الاستخفاف بالعقول وخلط المنكر بالمعروف والتطاول على أصحاب الأصول والمعقول والمنقول من قضاة الشرع المطهر الخالي من الأهواء المضلة نحسبهم والله حسيب الجميع.
فنقف معه هذه الوقفات عند دندنته حول معصية الإنكار العلني ومحاولة تهوينها في قلوب أهل الخشية المؤمنين:
· عنون إبراهيم السكران بقوله ((ارتفاع محل الخلاف في مسألة الإنكار العلني)) وحث أهل الخشية الذين يخشون الوقوع في هذه المعصية على اقتحامها وترك هذا الخشية بزعم أن ولي الأمر نفسه أذِن بنقد الجهات الحكومية في ثلاث قرارات عليا متوالية.
وهذا من خلط المعروف بالمنكر لينطلي على من يستخف بهم من قومه وأما أهل الخشية فلن ينطلي عليهم عمل الكهان من إبراهيم السكران !
أولًا: محل النزاع في الإنكار العلني ليس هو ما صوّره الكاتب في قيله وقاله, فمعصية الإنكار العلني خاصة في إعلان الإنكار على أعيان ذوي السلطان من حاكم أو أمير أو وزير في غيبتهم, وأما إعلان النكير على المخالفات الشرعية العامة الصريحة كالبنوك الربوية أو الاختلاط ونحوها فلا أعلم خلافًا بين أهل العلم في جواز إنكارها والإعلان بهذا النكير بين الناس بل ويتعين وجوبه بحسب المقام من دون ذكر الأعيان من ذوي السلطان حاكم أو أمير أو وزير ومن في حكمهم من نواب ولي الأمر.
ثانيًا: دعوى وجود إذن ولي الامر بنقد الجهات الحكومية هو تصور قاصر وليس هو في الحقيقة إذنًا لإعلان النكير على أعيان ذوي السلطان وإنما هو إقرار بجواز الانتقاد العلني لأخطاء وتقصير الجهات الحكومية الخدمية ومخالفاتها الشرعية العامة, وهذا الامر لا يحتاج إلى إذن ولي الامر لوجود الأمر الشرعي الحاكم على الجميع بوجوب النصيحة والتنبيه على الأخطاء وتغيير المنكرات العامة بالأساليب الشرعية.
ثالثًا: توجيه الأوامر الملكية للجهات الحكومية الخدمية بالرد على الانتقادات ودحض الشائعات والأكاذيب ليس فيه إقرارًا ضمنيًا بجواز الإنكار العلني لو سلمنا بخلط السكران لمحل النزاع في الإنكار العلني, فغايته إلزام الجهة المعنية بدفع الشبهة ودحض الإفتراءات وفي نفس الوقت للحكومة الحق في معاقبة المتجاوز بالتهم الباطلة والأكاذيب العاطلة, فمن زعم أن التأكيد على الرد يعني موافقة ضمنية على الإنكار العلني الممنوع شرعًا, فيلزمه أن الحكومة تقر وتأذن بتلفيق الأكاذيب ونشر الشائعات بمجرد التوجيه بالرد والتفنيد !!
رابعا: تسبيب الحكم القضائي بعلة الإنكار العلني على ذي السلطان على الملأ في غيبته المستلزم لإثارة الفتنة بين الراعي والرعية وهو ممنوع شرعًا, تسبيب شرعي صحيح لا غبار عليه, والكاتب إبراهيم السكران أطلق الكلام ولم يقيده بمناطه ليلبس الحق بالباطل والمنكر بالمعروف فالله حسيبه إذا كان قاصدًا, وتاب عليه من الإثم إن كان جاهلاً متكلمًا في دين الله بالظن والهوى.
والخلاصة : أن إبراهيم السكران وقع في التلبيس على الطيبين من أهل الغيرة على الدين والخشية من رب العالمين وهم بإخراجهم من طريق الهدى إلى سبل الهوى فأجمل في الكلام وعمّى محل النزاع ثم تطاول على قضاة الشرع وأهل الفقه في الدين متجلببًا بشبهات هي أرق من ثوب سابري وهي غير عصية على الهتك بسلاح البصيرة والعلم المحقق عند طلبة العلم فضلا عن أهل العلم والفقه والدين.
فالإنكار العلني المحرم هو الذي يكون في حق ذي السلطان على الملأ في غيبته والذي ينتج عنه لزامًا التهييج والتأليب والفتن لقوله عليه الصلاة والسلام : " من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يبديه علانية " وقد ثبت عند سعيد بن منصور في سننه عَن سعيد بْن جبير قَالَ قلت لابن عَبَّاس آمر إمامي بالمعروف قَالَ: " إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت ولا بد فاعلا ففيما بينك وبينه، ولا تغتب إمامك ". وقول ابن عباس رضي الله عنهما (( ولا تغتب إمامك )) نص في محل النزاع وليس له مخالف من الصحابة لا قولًا ولا فعلًا والحمد لله.
وكل ما ورد عن الصحابة الكرام مما يحتج به هووغيره من الإنكار العلني إنما هو في حضور ذي السلطان الذي أُنكر عليه, ولا يوجد دليل على جواز الإنكار العلني مع غيبة السلطان المنكر عليه البتة.
** قال المشايخ محمد بن إبراهيم وسعد بن عتيق – رحمهما الله كما في الدرر السنية (9/119): " وأما ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر، والخروج من الإسلام، فالواجب فيها: مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس، واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلط فاحش، وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نور الله قلبه ، وعرف طريقة السلف الصالح ، وأئمة الدين " ا.هـ
** قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مجموع فتاواه (8 / 210): " ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة , وذكر ذلك على المنابر; لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف , ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع , ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان , والكتابة إليه , أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير ". انتهى
** قال الشيخ الألباني في تعليقه على مختصر صحيح مسلم عند أثر أسامة بن زيد المعروف قال رحمه الله : " يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ ، لأن في الإنكار جهاراً ما يخشى عاقبته كما أتفق في الإنكار على عثمان جهاراً، إذ نشأ عنه قتله . انتهى
** قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في - لقاء الباب المفتوح - (اللقاء الثاني والستون) ص 46 : لأن جميع الإنكارات الواردة عن السلف كانت حاصلة بين يدي الأمير أو الحاكم. الفرق أنه إذا كان حاضراً أمكنه أن يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيباً ونحن المخطئون، لكن إذا كان غائباً لم يستطع أن يدافع عن نفسه وهذا من الظلم، فالواجب أن لا يتكلم على أحد من ولاة الأمور في غيبته، فإذا كنت حريصاً على الخير فاذهب إليه وقابله وانصحه بينك وبينه.ا.هـ
والله أعلم وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين
أبو طارق علي بن عمر النهدي
25 ربيع الأول 1434 للهجرة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق