الاثنين، 2 أكتوبر 2017

خروج المرأة المسلمة من بيتها بين نظرتين

بسم الله الرحمن الرحيم

( *خروج المرأة المسلمة بين نظرتين* )

قال تعالى ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ) .

وقال جل وعز (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا).

فيتأكد البيان بأن ليس للمرأة حق ثابت كحق الرجل في الخروج والقيادة وغيرها من الأفعال خارج بيتها.

وإنما رخصت الشريعة للمرأة المسلمة المحتاجة للخروج من بيتها سواء للعمل أو لغيره  مع التزام الواجبات والتكاليف الشرعية الأخرى المبينة في النصوص الشرعية.

والدليل على ذلك :

قوله صلى الله عليه وسلم : " قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ " أخرجه البخاري في 65 كتاب التفسير.

وقوله عليه الصلاة والسلام : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " . أخرجه البخاري رقم 900 كتاب الجمعة.

فالرخصة للمساجد وتقييد الإذن بالحاجة دلالتهما واضحة في أن خروجها ليس كخروج الرجل وأن من تخرج لغير حاجة فهي معرضة نفسها للإثم بل وينبغي أن يؤخذ ذلك في الإعتبار عند سن قوانين التحرش التي لم تنجح في الدول المختلفة بسبب الغفلة عن ذلك.

والشريعة الإسلامية المحكمة لم تأذن للمرأة المسلمة بالخروج إلا بعد أن شرعت وفرضت التدابير اللازمة لمنع لوازم هذا الخروج ومفاسده ومنها :

قوله تعالى {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}.

وقوله تعالى {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}.

وقوله تعالى {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً}.

وقوله تعالى {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ }

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ» صحيح ابن حبان رقم 5601 كتاب الحظر والإباحة.

فقوانين التحرش وأهل الدنيا كلهم جميعا لن يحموا لها عفتها وشرفها وأمنها النفسي وعاطفتها المرهفة من مفاسد خروجها من بيتها فضلا عن مفاسد قيادتها ما لم تلتزم بأحكام الشريعة المحكمة وتتجنب مخالفتها جهدها .

وبما تقدم يظهر للمؤمنات بأن خروج المرأة لحاجتها لا يعني رفع الكلفة بينها وبين الرجال في النظر والكلام والمخالطة المباشرة وغير المباشرة بل تبقى المرأة ملزمة بكل أحكامها الشرعية ولا يسقط منها شيء بدعوى مشروعية خروجها لحاجتها .

فالمرأة إذا سقطت السقطة لا تعود إلى ما كانت عليه من خير وصلاح إلا ما شاء الله لأنها إنما تقاوم الإثم بعاطفتها المرهفة، وحيائها القوي، لا بعقلها وإذا انثلمت العاطفة انكسرت المرأة، وإذا انهتك الحياء سهل انحرافها.

فينبغي على واضعي قوانين التحرش تضمنيها الأحكام والعقوبات المشددة على مخالفة النساء لما أمرهن الله تعالى من أحكام الخروج من البيوت وهذا مقتضى العقل والنقل لمن تبصر.

وهذا مقتضى النظرة الشرعية الإسلامية لخروج المرأة بخلاف النظرة الغربية الليبرالية والتي تدعي أن حق المرأة في الخروج والعمل  مثل الرجل سواء بسواء لتحقيق ذاتها زعموا !

وبالتالي فمن التمييز الممنوع فصلها عن الرجال وتحديد عملها ونشاطها فضلا عن التزامها بأحكام الله تعالى بل يجب عندهم أن تعامل الرجال ويعاملهن الرجال كالرجال سواء بسواء وغير ذلك من التمييز فهو جريمة واضطهاد وهضم لحقوقها !!

وهذه النظرة مخالفة لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ونصائحه الحانية لنساء أمته وقد كان أحن وأرف بهن من كل من يدعو للنظرة الليبرالية المنحرفة.

وحكام هذه الدولة المباركة عندما بادروا لفتح الباب لعمل المحتاجات للعمل من النساء إنما انطلقوا من النظرة الشرعية وليس من النظرة الغربية الليبرالية.

 فيجب على من ولاه الله أمر أي مؤسسة أو شركة تعمل فيها النساء مراعاة الاجراءات والضوابط وفق الأحكام الشرعية المتقدمة ومراقبة تطبيقها على من تحتهم من الموظفين والموظفات وعدم التهاون في ذلك فهو من تمام الأمانة بل من صميمها.

والله ولي التوفيق.

وكتب / علي بن عمر النهدي
محرم 1439

الخميس، 4 مايو 2017

( هل القول بحمل المطلق على المقيد في أدلة النهي عن جر الثياب وإسبالها يقتضي الجواز ؟ )

( هل القول بحمل المطلق على المقيد في أدلة النهي عن جر الثياب وإسبالها يقتضي الجواز ؟ )


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،

أما بعد :

المشهور بين طلبة العلم أن أهل العلم والفقه اختلفوا في دلالة نصوص تحريم الإسبال وجر الثياب ما بين من حمل مطلقها على مقيدها وخالفهم آخرون فمنعوا هذا الحمل وأجروا التحريم في الإطلاق والتحريم لاختلاف الحكم والسبب.

وعند التحقيق يجد الناظر أن كثيرا ممن حملوا الأدلة المطلقة على المقيدة لم يقصدوا بذلك تقييد التحريم بقصد الخيلاء ، فهو أمر باطن، وإنما أرادوا إخراج الجر والإسبال غير المتعمد أو ما كان لحاجة أو لعذر من دخولها في النصوص المطلقة لئلا يشمل الوعيد هذه الأصناف وصنيع الإمام البخاري رحمه الله واضح في ذلك فقد جعل من صور الجر والإسبال لغير الخيلاء ما كان غير مقصود واستدل بحديث جر النبي صلى الله عليه وسلم لإزاره في حديث الكسوف وبحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه المشهور وأن إزاره يتفلت عليه ويسترخي.

وإليك أقوال لبعض الفقهاء ممن أعملوا قاعدة حمل المطلق على المقيد ومع ذلك نصوا على تحريم مطلق الإسبال وأن صاحبه مستحق للوعيد.

قال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (3/244) :
" وهذا الحديث يدل على أن من جر إزاره من غير خيلاء ولا بطر أنه لا يلحقه الوعيد المذكور ، غير أن *جر الإزار والقميص وسائر الثياب مذموم على كل حال* " انتهى .

وقال بعده 3/245
" فَفِي النَّارِ يَعْنِي أَنَّ هَذَا *مُسْتَحَقٌّ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ وَهُوَ عَالِمٌ بِالنَّهْيِ* مُسْتَخِفٌّ بِمَا جَاءَهُ عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ أَهْلُ الْعَفْوِ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَة .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَرَّ الْإِزَارِ مَذْمُومٌ عَلَى كُلِّ حال ... ما جاء عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ لِابْنِ ابْنِهِ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ واقد) : يَا بُنَيَّ ارْفَعْ إِزَارَكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاء)َ *أَلَّا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَقُلْ لِابْنِ ابْنِهِ هَلْ تَجُرُّهُ خُيَلَاء*َ " . انتهى

وقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ *مَا غَطَّى تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ سَاقَيْهِ بِالْإِزَارِ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ* وَقَالَ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَأَصْبَغُ مِثْلَهُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ لِهَذَا اللِّبَاسِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ وَالْمُبَاحُ أَنْ يَكُونَ إلَى الْكَعْبَيْنِ *وَالْمَحْظُورُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ* وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انظر المنتقى شرح الموطأ( 7/226 )


قال الباجي في المنتقى (9/314- 315): "وقوله صلى الله عليه وسلم الذي يجر ثوبه خيلاء يقتضي تعلق هذا الحكم بمن جره خيلاء، *أما من جره لطول ثوب لا يجد غيره (يعني لحاجة)، أو (عذر) من الأعذار فإنه لا يتناوله الوعيد*" . انتهى

وقال القرافي- رحمه الله- في الذخيرة (13/265): «*يحرم على الرجل أن يجاوز بثوبيه الكعبين* ، ويستحب أن يكون في أنصاف الساق إلى ما فوق الكعبين».

"وفي الذخيرة ما يفيد أن الزيادة التي تخرج صاحبها للخيلاء والكبر حرام ، وظاهره *ولو لم يقصد ذلك*" .
انظر حاشية العدوى على كفاية الطالب (4/348)

قال الشرنوبي في تقريب المعاني على متن الرسالة ص:225: «و المراد أن الجر من الرجل مظنة التكبر و العجب فلا ينافي أنه يحرم في حقه *ولو تجرد عن ذلك القصد*». انتهى

ويقول القسطلاني في شرحه للبخاري حديث الكسوف : " فيه أن الجر إذا كان بسبب الإسراع لا يدخل في النهي فيشعر بأن النهي يختص بما كان للخيلاء *فلا ذم إلا ممن قصد الخيلاء* لكنه *لا حجة فيه لمن أجاز لبس القميص الذي ينجر لطوله*  إذا خلا عن الخيلاء. انتهى

وقال المناوي الشافعي (فيض القدير 2/278) موضحا مناط ثمرة التقييد بالخيلاء : " والكلام في إسبال لغير ضرورة ".

وقال أيضا : (والمسبل إزاره) الذي يطوّل ثوبه ويرسله إذا مشى تيهاً وفخراً (خيلاء) أي *يقصد الخيلاء بخلافه لا بقصدها* ولذلك رخص المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في ذلك لأبي بكر حيث كان جره لغير الخيلاء. انتهى

فكلام المناوي واضح بأن الخيلاء راجع لنفس الإسبال لا لقصد الخيلاء الذي هو أمر باطن.

وهذا مبني على مسألة التعليل بالحكمة وعدم انضباطها وقيام المظنة مقامها كما ينص عليه أهل العلم.

قال القرافي (2/170) : " وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ لَا يُعْدَلُ إلَى الْمَظِنَّةِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ انْضِبَاطِ الْوَصْفِ دَائِمًا أَوْ فِي الْأَغْلَبِ " . انتهى

وجاء في (ص354 من شرح العمدة لابن تيمية رحمه الله ) : " والحكمة إذا كانت غالبة غير منضبطة ، علق الحكم بالمظنة وأقيمت مقام الحقيقة لوجودها معها غالبا ولعدم انضباطها كما أقيم النوم مقام الحدث " .

 والْقَصْد أَمر بَاطِن لَا يُوقف عَلَيْهِ فَلَا يتَعَلَّق الحكم لوُجُود حَقِيقَته بل يتَعَلَّق بِالسَّبَبِ الظَّاهِر الدَّال . قاله العيني في عمدة القاري (1/34) .

وقال الرازي في المحصول (2/29) : " الطلب النفساني أمر باطن فلا بد من الاستدلال عليه بأمر ظاهر والإرادة أمر باطن فهي مفتقرة إلى المعرف كافتقار الطلب إليه " . انتهى

وقد جاء عن السلف الماضيين ربط الخيلاء بالمشي مع الإسبال ونفي الخيلاء عن الإسبال من الواقف في الصلاة!

قَالَ الْخَطَّابِي: "ُّ رَخَّصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَمَالِكٍ .
قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونُوا فَرَّقُوا بَيْنَ إجَازَتِهِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَمْشِي فِي الثَّوْبِ وغيره يمشى عليه ويسبله وذلك من الخيلاء الْمَنْهِيُّ عَنْهُ " .انتهى
 انظر (المجموع 3/177)

فظهر من هذا أن الإسبال مع المشي خيلاء ولو زعم أنه غير قاصد للخيلاء فتأمل.
وأما الواقف في الصلاة فيظهر أن حكمه حكم من يسترخي عنه إزاره أو لأنه معذور بالصلاة.
قال أبوداود في مسائله ص60: " وَكَثِيرًا مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ يُصَلِّي سَادِلًا وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ كِسَاءٌ صَغِيرٌ مُرَبَّعٌ، فَكَانَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ طَرَفُهُ عَنْ عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ إِذَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، فَرُبَّمَا كَثُرَ عَلَيْهِ فَيَتْرُكُهُ. انتهى

وكلام شيخ الإسلام في شرح العمدة لم يخرج عن هذا وهذه نصوصه :

قال رحمه الله ص364:  " وهذه نصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المخيلة والمطلق منها محمول على المقيد *وإنما أطلق ذلك لأن الغالب أن ذلك إنما يكون مخيلة* " .انتهى

والإسبال المعفو عنه الذي خرج عن الغالب نص على حده فقال ص361 : " فأما أن كان على غير وجه الخيلاء بل كان على *علة* أو *حاجة* أو لم يقصد الخيلاء *والتزين بطول الثوب* *ولا غير ذلك* " .انتهى

قوله " ولا غير ذلك " تحتمل حصر صور العفو فيما تقدم وتحتمل (أو غير ذلك من الأعذار) والله أعلم.

وقال في موطن من هذا الشرح ص362: " فذم الله سبحانه وتعالى الخيلاء والمرح والبطر وإسبال الثوب تزينا موجب لهذه الأمور وصادر عنها " .انتهى

ونص في موطن أخر ص304 بأن إسبال أبي بكر الصديق رخصة كرخصة لبس الحرير وهذا نصه : " وتحمل إباحة النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن على تخصيصهما بذلك لعلمه بانتفاء مفسدة اللبس في حقهما كما شهد لأبي بكر أنه ليس ممن يجر ثوبه خيلاء " . انتهى

وهنا نقل عزيز عنه رحمه الله يؤكد أن اختياره التحريم للإسبال والجر كما في (الاقتضاء 1/383) فقد قال :
" الإسبال والجر منهيا عنه بالاتفاق والأحاديث فيه أكثر ، وهو محرم على الصحيح " .انتهى

فهنا حكى رحمه الله الاتفاق على ورود النهي عنهما ثم رجح بأن الصحيح أن النهي للتحريم وليس للتنزيه ولم يذكر قيد الخيلاء فتأمل وهو من أصرح المواطن التي تبين مذهب شيخ الإسلام في الإسبال.

وقال العظيم آبادي في عون المعبود  (11/97) :
" وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ إِسْبَالٍ مِنَ الْمَخِيلَةِ إِنْ فَعَلَهُ - أي الإسبال - قَصْدًا ، وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلَامَ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْفَتْحِ فَأَجَادَ وَأَصَابَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" . انتهى

وقد صح ذلك منصوص عليه في حديث الهجيمي رضي الله عنه وقوله صلى الله عليه وسلم : " فإن إسبال الإزار من المخيلة " . (سنن أبي داود ٤٠٨٤)

ويؤكده عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ»، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَهُ شِبْرًا»، قُلْتُ: إِذَا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ؟ قَالَ: «فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» (سنن النسائي ٥٣٣٦) وهو حديث صحيح.

هل في هذا الحديث أن كل جر هو خيلاء ؟
نعم فأم سلمة رضي الله عنها فهمت العموم وأن كل جر خيلاء ولو كانت مخطئة لبين لها نبي الله صلى الله عليه وسلم ذلك ولكنه أقرها وأرشدها لحد الخيلاء بالنسبة لهن وما يكفي لحاجة الستر.

قال الحافظ ابن حجر في رده على الفهم المرجوح لمقتضى حمل النهي المطلق على المقيد :
" وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْفَهْمِ - فهم أم سلمة رضي الله عنها - التَّعَقُّبُ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُطْلَقَةَ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْإِسْبَالِ مُقَيَّدَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى الْمُصَرِّحَةِ بِمَنْ فَعَلَهُ خُيَلَاءَ قَالَ النَّوَوِيُّ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ فِي تَقْيِيدِهَا بِالْجَرِّ خُيَلَاءُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّحْرِيمَ مُخْتَصٌّ بِالْخُيَلَاءِ وَوَجْهُ التَّعَقُّبِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ فِي اسْتِفْسَارِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ حُكْمِ النِّسَاءِ فِي جَرِّ ذُيُولِهِنَّ مَعْنًى بَلْ فَهِمَتِ الزَّجْرَ عَنِ الْإِسْبَالِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَنْ مَخِيلَةٍ أَمْ لَا فَسَأَلَتْ عَنْ حُكْمِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهِنَّ إِلَى الْإِسْبَالِ مِنْ أَجْلِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِأَنَّ جَمِيعَ قَدَمِهَا عَوْرَةٌ فَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ حُكْمَهُنَّ فِي ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ حُكْمِ الرِّجَالِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَقَطْ وَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَمُرَادُهُ مَنْعُ الْإِسْبَالِ لِتَقْرِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ عَلَى فَهْمِهَا إِلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ لَهَا أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ لِتَفْرِقَتِهِ فِي الْجَوَابِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْإِسْبَالِ وَتَبْيِينِهِ الْقَدْرَ الَّذِي يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ فِي حَقِّهِنَّ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الرِّجَال ... وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ *أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْجَرِّ خَرَجَ لِلْغَالِب*ِ ُِ".
انظر فتح الباري 10/259)

فائدة :
قال الطرطوشي (ت530) في الحوادث والبدع ص73:
١٠ - فصل
[شيعوعة الفعل لا تدل على جوازه]:
وإسبال الثوب تحت الكعبين شائع في بلاد أهل الإسلام، وهو حرام لا يجوز. انتهى

وفيه رد قديم على قول من قال أن شيوع الإسبال عرفا بين الناس أو حتى بين الفقهاء وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه.

وينبغي أن يعلم وهو الذي اقتضى التطرق للبحث:
 *أن مجرد ورود التقييد بالخيلاء في كلام الأئمة أو الفقهاء لا يلزم منه القول بإباحة الإسبال المتعمد بلا حاجة أو عذر* وإنما التقييد لإخراج كل جر أو إسبال غير مقصود وكان لعذر ظاهر أو لحاجة واضحة .

وإنما ينسب هذا القول الضعيف (جواز الجر والإسبال بزعم عدم قصد الخيلاء مع قصد الجر والإسبال) لمن نص عليه صراحة بدلالة نصية لا تحتمل كمشهور المذهب عند أصحاب الأئمة الأربعة وهو فيما ظهر مما تقدم أنه اجتهاد مرجوح ضعيف للأصحاب وفي أقوال بعضهم ما هو أضعف منه كالحكم بالكراهة التنزيهية على الجر للخيلاء!
وكذلك هو قول للشوكاني فيما أطلعت عليه والقول القوي الصحيح سابق لهم ومؤيد بالنقل ونصوص أهل العلم.

والله تعالى أعلم

كتب / علي بن عمر النهدي
رجب 1438

الاثنين، 3 أبريل 2017

كلمة في بيان اللبس في المصطلحات والفرق بين كفر العمل والكفر العملي وكفر الاعتقاد والكفر الاعتقادي **

** كلمة في بيان اللبس في المصطلحات والفرق بين كفر العمل والكفر العملي وكفر الاعتقاد والكفر الاعتقادي **


الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى

أما بعد ...

الكفر العملي أطلق في الشريعة على المعاصي والكبائر التي سميت كفرا ولم تخرج من الملة.

وأما كفر العمل فهو الكفر المخرج من الملة الواقع بعمل الجوارح المقترن به زوال عمل القلب ويظهر من خلال القول أو الفعل الظاهرين كالسجود أو الترك الكلي للصلاة أو الترك الكلي لحكم الله جل وعز.

وقد تقرر ذلك بين أئمة الدعوة كما في كتاب التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب* ص103 فيما نصه : " وترك الصلاة - يعني بالكلية - كفر عملي يشترك فيه عمل القلب والجوارح كالاستهانة بالمصحف وقتل الأنبياء لا ككفر سائر أعمال المعاصي التي لا تخرج عن الملة ". انتهى

ويقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله (أعلام السنة المنشورة ص100) في كفر العمل المخرج من الملة : " اعلم أنه ليس من الكفر العملي إلا من جهة كونه واقع بعمل الجوارح فيما يظهر للناس، ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب،  ونحن لم نعرف الكفر الأصغر بالعملي مطلقا " . انتهى بتصرف واختصار

فليس الأمر كغلط من غلط وظن أن كفر العمل لا يقع إلا بالاعتقاد ونشأ ذلك من عدم التفريق بين كفر الاعتقاد وبين ما يسميه العلماء كفرا اعتقاديا وهو واقع بأعمال الجوارح.

فكفر الاعتقاد يشمل الإنكار والجحود والتكذيب والاستحلال والنفاق والشك وهو كفر مستقل يضاد وينافي قول القلب.

وكذلك كفر العمل متعلقه عمل القلب وليس متعلقه الاعتقاد (قول القلب) الذي لا تثبت المرجئة غيره في مسمى الإيمان فلا يكون عند المرجئة الكفر إلا بزوال قول القلب وأما عمل القلب فلا تعلق له بالكفر والإيمان عندهم.

وأما أهل السنة فمتى وقع الكفر بالعمل حكموا بأنه من الكفر المخرج من الملة ولا يقال لابد أن يعتقد فاعله، بل ظاهره الردة مطلقا، وهذا من حيث الكلام عن حكم الفعل وليس الكلام في الحكم على الفاعل وهو الذي يرد فيه مبحث توافر الشروط وانتقاء الموانع أو مبحث الاستتابة.

وقد سئل الشيخ الألباني رحمه الله عن الطائف حول القبر كما في (شريط رقم 2 من رحلة النور)** والطواف على القبور عند الشيخ من كفر العمل المخرج من الملة وهل يسأل الطائف عن اعتقاده؟  قال: لا . لا يسأل فعمله كفر ردة. انتهى

وأما مصطلح الكفر الاعتقادي فهو يطلق على كل كفر مخرج من الملة سواء وقع بالقول أو العمل أو الاعتقاد .

فمن اشترط مثلا للتكفير بالسجود للصنم الاستحلال أو الاعتقاد فهو كمن يقول لا يكفي الفعل حتى نعرف اعتقاد هذا الفاعل وهذا باطل وهو كذلك أيضا في مسألتي ترك الصلاة بالكلية وترك الحكم بالكلية فمن ترجح عنده التكفير بهما بما أنهما فعلان وجوديان لا يقعان إلا مع زوال عمل القلب كالسجود للصنم والسب لله جل وعز فلا يشترط في كل هذا الاعتقاد أو الاستحلال وإلا فلم يضبط الفرق بين المصطلحات.

نعم قد يطلق العلماء مصطلح الاعتقاد على عمل القلب المقارن لكفر العمل ولكنهم لا يعنون به الاستحلال أو الجحود ونحوها والتي هي من نواقض قول القلب وهذا هو  المراد بقول من قال : لا كفر إلا باعتقاد من أهل السنة.

" كما يكون الكفر بالاعتقاد يكون أيضاً بالقول كسب الله أو رسوله أو دينه أو الاستهزاء به قال تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وبالفعل أيضاً كإلقاء المصحف في القاذورات والسجود لغير الله ونحوهما. وهذان وان وجدت فيهما العقيدة فالقول والفعل مغلبان عليها لظهورهما ". انتهى
(انظر التوضيح عن توحيد الخلاق ص101) .

وأما ما ورد عند بعض العلماء من أن أصل الكفر مرده إلى الجحود فهذا بمعنى أن كل كفر لازمه الجحود وإنكار الرسالة ولم يعنو حصر التكفير فيه كما فهم من ذهب يستشهد به .

والله أعلم


وكتب / علي بن عمر النهدي
منتصف جماد الأخر 1437


__________________________
 * كتاب : (التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبدالوهاب) ، أختلف في نسبته ولأهل العلم في ذلك خمسة أقوال :

القول الأول : أنَّ الكتاب للإمام سليمان بن عبدالله صاحب تيسير العزيز الحميد.
وقال به : الشيخ : عبدالرحمن آل الشيخ.

والقول الثاني : أنَّ الكتاب للشيخ : محمد بن علي بن غريب.
وقال به : فضيلة الشيخ : عبدالله البَسَّام.

القول الثالث : أنه للإمام : عبدالله ابن شيخ الإسلام.
وقال به : الشيخ : محمد بن عثمان القاضي.

القول الرَّابع : أنه للعلامة : حمد بن مُعَمَّر.
وقال به : الشيخ : فوزان السابق.

القول الخامس : أنَّ الكتاب لثلاثةٍ من علماء الدعوة بالاشتراك ، وهم :
محمد بن علي بن غريب ، وحمد بن مُعَمَّر ، وعبدالله ابن شيخ الإسلام رَحِمهمُ الله.
وقال به : فضيلة الشيخ : عبدالرحمن الصنيع ، ونقل ذلك عن : محمد بن عبداللطيف ، وابن مانع. انتهى المقصود

المصدر : من كتاب (الإمام المحدث سليمان بن عبدالله آل الشيخ - حياته وآثاره) لمحمد الشمراني.


** نص هذه الفتوى من شريط رحلة النور 2 : فقد سئل الشيخ الألباني رحمه الله : ما حكم الطواف بالقبور ؟ أجاب الشيخ الألباني رحمه الله بقوله : " الطواف بالقبور شرك لا شك في ذلك ولا ريب ... فإذا طاف الطائف حول القبر فمعنى ذلك أنه نقل عبادة هي لله وحده لا شريك له إلى ذلك المقبور ... فمن وجه عبادة من العبادات التي تعبد بها الله عز وجل عبادة إلى غيره عز وجل فقد أتخذه معه إلهاً .
فقال سائل : هل نسأل الطائف هل يعتقد أم لا أم ظاهره أنه شرك ؟
فأجاب الشيخ بقوله : " هذا سؤال حينما يراد إقامة الحد عليه لأنه بهذا العمل يرتد فإذا كان هناك من يقيم الحد أي القتل على المرتد حينذاك هذا الإنسان يؤتى به فيستتاب , لا يُسأل تعتقد أو لا تعتقد؟!
لأن عمله برهان على عقيدته إنما يستتاب بعد أن تقام عليه الحجة , أن هذا الطواف هو لبيت الله فقط عبادة وخضوع لله كالسجود لا فرقفلو أن إنساناً سجد لشيخ له أو أمير له فهذا لا يُسأل لماذا أنت تسجدوهل تعتقد أن هذا يستحق التعظيم ؟
لأن فعله يدل على التعظيم لكنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ". انتهى