الأحد، 28 أغسطس 2016

(كلمة في الإعانة على ترك الظلم ديانة)


** كلمة في الإعانة على ترك الظلم ديانة **


بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم يا من خلقك الله تعالى لعبادته بأنك خُلقت من طين لازب وعُجنت بالجهل والظلم , وهما صفتان جُبِلت عليها النفوس البشرية كما قال تعالى { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } .

فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } .فقال رضي الله عنه : غره والله جهله .

فالجهل والظلم خصلتان في كل إنسان , ولا ترتفعان إلا بأضدادها من العلم النافع والعدل , فكل ما زاد علم الإنسان نقص جهله , وكلما زاد عدله نقص ظلمه , والعدل مرده للعمل بالعلم النافع , كما أن الظلم مرده إلى الجهل , فعاد الأمر كله للعلم وضده وبهذا تعرف فضل العلم وأهله العاملين به .

والعلم النافع المقصود ههنا الذي به يُرفع الجهل والظلم هو : العلم بالله جل وعز وبما جاء عنه تبارك وتعالى , فكل ما زاد علم الإنسان بربه جل في علاه , ارتفعت نفسه عن الجهل والظلم .

فالإنسان يحتاج إلى علم مجمل وعلم مفصل ليرفع الجهل عن نفسه , وبقدر ما يعمل بما علم من العلم الإجمالي والعلم التفصيلي , بقدر ما يرتفع عنه الظلم دقيقه وجليله .

يقول ابن القيم رحمه الله : " فالهداية إلى الطريق شيء , والهداية في نفس الطريق شيء آخر , ألا ترى أن الرجل يعرف أن طريق البلد الفلاني هو طريق كذا وكذا , ولكن لا يحسن أن يسلكه , فإن سلوكه يحتاج إلى هداية خاصة في نفس السلوك , كالسير في وقت كذا دون وقت كذا , وأخذ الماء في مفازة كذا مقدار كذا , والنزول في موضع كذا دون كذا , فهذه هداية في نفس السير , قد يهملها من هو عارف بأن الطريق هي هذه , فيهلك وينقطع عن المقصود " . انتهى من رسالته لأحد إخوانه

 ومن تأمل هذه الدرة النفيسة , علم المعنى الصواب لفهم ما فُرض علينا من طلب الهداية المتكرر عند قراءتنا لسورة الفاتحة في كل صلاة فرضًا كانت أو نفلًا في قولنا ( أهدنا الصراط المستقيم ) .

فما عصى الإنسان المؤمن التقي ربه إلا بسبب تخلف هذه الهداية الخاصة عنه , وهو يظن أنه هاديًا مهديًا !!

 وهذا عين الجهل الموقع لصاحبه في الظلم , والظلم ظلمات يوم القيامة , فقد حرمه الله جل وعلا على نفسه فمن ذا الذي يستحل لنفسه ما حرم على خالقه الذي لا يعجزه شيء ؟!

فإن الإنسان العاقل يحب تحصيل أعلى المصالح لنفسه , فمتى كمل علمه واهتدى في التفصيل والإجمال , أوجب له ذلك علمًا يقينيًا بعظيم عاقبة الظلم واتباع الهوى , فإن لم يسع إلى تجنيب نفسه هذه الشنائع , كان لازم ذلك استحقاق صفة الجهل المستوجب للوقوع في هذه الآفات .

قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : سَأَلْت أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَقَالُوا : كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ وَكُلُّ مَنْ تَابَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَقَدْ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ .

وقال ابن تيمية : " وَالْإِنْسَانُ خُلِقَ ظَلُومًا جَهُولًا فَالْأَصْلُ فِيهِ عَدَمُ الْعِلْمِ وَمَيْلُهُ إلَى مَا يَهْوَاهُ مِنْ الشَّرِّ، فَيَحْتَاجُ دَائِمًا إلَى عِلْمٍ مُفَصَّلٍ يَزُولُ بِهِ جَهْلُه،ُ وَعَدْلٍ فِي مَحَبَّتِهِ وَبُغْضِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَفِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَإِعْطَائِهِ وَمَنْعِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَنَوْمِهِ وَيَقَظَتِه،ِ فَكُلُّ مَا يَقُولُهُ وَيَعْمَلُهُ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى عِلْمٍ يُنَافِي جَهْلَهُ وَعَدْلٍ يُنَافِي ظُلْمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْعِلْمِ الْمُفَصَّلِ وَالْعَدْلِ الْمُفَصَّلِ، كَانَ فِيهِ مِنْ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ مَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ " . انتهى من المجموع (14/38) 

والظلم إنما هي شهوة مغلّفة بقوالب شتى , وهو جبلّة وجدت في النفس البشرية , يكافحها المتقون بالخشية من رب العالمين .

 وأصل الخشية يرجع للعلم النافع بأسماء الله وصفاته , فمتى كُمل علم الإنسان بأن الله هو الجبار العظيم ذو القوة المتين المهيمن المتعال شديد العقاب وغيرها من أسماء الكمال ونعوت الجلال , أوجب هذا العلم له خشية يتقي بها الوقوع في الظلم المستوجب للتعرض لسخط الله وأليم عقابه.
فمن قدر الله حق قدره ما خطر بقلبه الظلم فضلًا عن أن يشتهيه والله المستعان .

وليكن على بال منا أن الله ليس بظلام للعبيد , فكلنا ذو ظلم , وما تسلط ظالم على مظلوم إلا بقدر الله تعالى , وبما كسبت أيدي المظلوم لأنك تجده في حقيقة الحال من الظالمين لنفسه ولغيره في غير هذا الباب ولابد , وكما قال الصحابة الكرام : فمن منا لم يظلم نفسه !

فالله حكم عدل, لا يغيب عنه مثقال حبة خردل ولا أقل من ذلك, فمن رام رفع الظلم عن نفسه , فليترك ظلم غيره , وأول ذلك ليترك جهله مع ربه !!

يقول ابن القيم : فإن الإنسان خُلِقَ ظلوماً جهولاً، فكيف يطلب الإنصاف ممن وصفُهُ الظلمُ والجهل؟، وكيف يُنصِفُ الخلَقَ مَن لم يُنْصِفِ الخَالِقَ؟، كما فى أَثر إلهى يقول اللهُ عَزَّ وجَلَّ: "ابْنَ آدَمَ مَا أنْصَفْتَنى، خَيْرِى إلَيْكَ نَازِلٌ، وشَرُّكَ إلىَّ صَاعِدٌ، كَمْ أَتَحَبَّبُ إلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وَأَنَا غَنِىٌ عَنْكَ، وَكَمْ تَتَبَغَّضَ إلىَّ بالمعاصي وَأنْتَ فَقِيرٌ إلىَّ، ولا يَزَالُ المَلَكُ الكَرِيمُ يَعْرُجُ إلىَّ مِنْكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ ".انتهى من الزاد (2/409)

والوقاية من الوقوع فما حرمه الله على نفسه , والكون مع عباد الله الآمنين يوم الخوف والهلع الأكبر يكون بأمور منها :

1- استدامة التوبة والاستغفار وطلب الهداية , مع التضرع إلى الله جل في علاه بأن يعصمك من الظلم فاعلًا له أو مفعولًا به .

2- تحصيل العلم النافع والعمل الصالح .

3- مراقبة النفس الأمارة بالسوء وتذكر حقيقة أصلها الظالمة الجهولة .

4- ترك شيء من حقك حال دفع البغي عن نفسك , مع تذكر أنك السبب الرئيس في وقوع الظلم على نفسك بما كسبت يديك , وذلك يقيك بعون الله عن الوقوع في البغي المضاد المستوجب للوقوع في ظلمات يوم التناد .

5- أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك .

والله من وراء القصد وهو الموفق والمستعان على كل شيء.

 وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

كتبه / علي بن عمر النهدي

19 جمادى الثاني 1431 هجرية

تأملات في حال النساء في صدر الإسلام قبل فرض الحجاب وبعده

بسم الله الرحمن الرحيم

(( تأملات في حال النساء في صدر الإسلام قبل فرض الحجاب وبعده ))

 كانت النساء في أول الإسلام يخرجن سافرات عن زينتهن في درع وخمار, وكاشفات عن رؤوسهن ووجوههن ونحورهن في كل وقت وحال, ولا يمتنعن عن مخالطة الرجال.
فلما فُرضت الصلاة في السنة الثانية للهجرة, وكان من شروطها في حق النساء ستر الجسد مع الشعر والنحر, فأصبح على المسلمة ستر جسدها كله في الصلاة فقط إلا الوجه والكفين, وأُمرن بالتأخر عن صفوف الرجال في صلاة الجماعة, وكان ذلك كله قبل فرض الحجاب, وهو من التمهيد له .

فبقيت النساء على هذه الحال من لزوم الستر والمباعدة عن الرجال في الصلاة فقط لمدة ثلاث سنوات تقريبًا, وهن في غير الصلاة يكشفن عن شعورهن ووجوههن ويخالطن الرجال, إلى أن نزل الأمر بالحجاب في قوله تعالى {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ .. الآية} [الأحزاب:53]

فقد جاء عند [البخاري في الصحيح (4514)] : عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : "أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب, لما أهديت زينب بنت جحش رضي الله عنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, كانت معه في البيت, صنع طعامًا ودعا القوم فقعدوا يتحدثون, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون, فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه - إلى قوله - من وراء الحجاب}فضرب الحجاب وقام القوم".

فبعد هذه الأية مُنع على الرجال والنساء مخالطة بعضهم بعضًا, يقول ابن عبد البر (التمهيد 3/461) مقررا ذلك من حديث أخر : " في هذا الحديث دليل على أن احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام, وأنهم كانوا يرون النساء, ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم, إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم, حتى نزلت آيات الحجاب" . انتهى

ولم يتوقف التنزيل في شأن فريضة الحجاب, فبعد هذه الأية استقر الأمر مجملًا, وأن الرجال غير المحارم لا يخالطون النساء غير المحارم, وأصبح النساء لا يخرجون لحاجتهن إلا ليلًا بحيث لا يراهن الرجال, وفي ذلك مشقة عليهن, فلم يلبث أن نزل الوحي مرة أخرى بتفصيل أمر الحجاب وصفته عند الخروج للحاجة, وذلك في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[الأحزاب:59] .

وقد كان من أسباب نزولها ما أخرجه [البخاري في الصحيح (4517)] : عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجتْ سودة بعد ما ضُرب الحجاب لحاجتها,وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها, فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعة, ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق, فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال : (إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن).

فقول عائشة رضي الله عنها : (( خرجتْ سودة بعد ما ضُرب الحجاب )) نص في أن هذه الآية نزلت بعد الأمر المجمل في قوله تعالى {فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}[الأحزاب:53] فلما كانت حاجة النساء الخروج لحاجاتهن, ولتعارض هذه الحاجة مع الأمر المجمل بالحجاب والبعد عن الاختلاط بالرجال ومن قبله الأمر بالقرار في البيوت وعدم التبرج كما في قوله تعالى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33], أذن الله جل وعز لهن بالخروج لحاجتهن وبيّن لهن صفة الحجاب الشرعي بقوله تعالى {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}[الأحزاب:59].
والأمر في قوله تعالى {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}[الأحزاب:59] صريح وواضح في أن الحجاب فرض على جميع النساء وليس على أمهات المؤمنين فقط.

وهذا ما فهمنه نساءالصحابة ومدحن به رضي الله عنهن كما أخرجه [أبو دواد في سننه(4102)]بإسناد صحيح عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: " لَمَّا نَزَلَتْ {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ}خَرَجَ نِسَاءُ الأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانُ مِنَ الأَكْسِيَة ".
وأخرج الحاكم بإسناد صحيح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام .

ومن الأدلة على أن الحجاب ومنع الاختلاط فرض على جميع النساء ما أخرجه [البخاري في الصحيح (1539)] : عن عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال. قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال ؟ قلت: أبعد الحجاب أو قبل ؟ قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب . قلت: كيف يخالطن الرجال ؟ قال: لم يكن يخالطن كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة مع الرجال لا تخالطهم .. الحديث .

وفيه أن عطاء احتج بجواز طواف عامة النساء في نفس الوقت مع الرجال دون اختلاط, وذلك بطواف أمهات المؤمنين مع الرجال في وقت واحد دون اختلاط, وكان بعد فرض الحجاب, فقوله (إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب) مما يعني أن الحال تغير بعد فرض الحجاب.

ومن تتبع حال المرأة المسلمة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد السنة الخامسة من الهجرة, لعلم أن الأمر استقر على تطبيق مقتضى فريضة الحجاب, المتضمنة ترك اختلاط النساء بالرجال غير المحارم في الأماكن الخاصة والمحصورة, كأماكن التعليم والصلاة والعمل, فمن زعم غير ذلك فقد نسب التناقض للشرع المطهر, وإلا كيف يطلب الشارع الحكيم من الجنسين حال سؤال الحاجات من بعضهم البعض التخاطب من وراء حجاب, ثم يسمح بالاختلاط في الأماكن المحصورة ولأوقات معلومة؟
فقد أخرج [البخاري في الصحيح (2227)] : عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" .

ففي هذا الحديث دليل على أن الأصل هو عدم خروج النساء دون حاجة حتى للمساجد, إلا بإذن أولياهن, ولو أن الأصل هو خروج النساء كخروج الرجال سواء بسواء لما احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا التوجيه, ولكن الأصل أن على النساء القرار في البيوت, وعدم الخروج إلا لحاجة لعدم التعرض لمخالطة الرجال كما مر في حديث البخاري قوله عليه الصلاة والسلام : "إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن" . وذلك عند نزول قوله تعالى {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} .

, وقد أخرج [البخاري (99) وابن حبان (2941)في صحيحهما] : أَنَّ نِسْوَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ قُلْنَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ مَعَ الرِّجَالِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَوْعِدُكُنَّ بَيْتُ فُلَانَةَ» فَجَاءَ فَتَحَدَّثَ مَعَهُنَّ ... الحديث" واللفظ لابن حبان.
وفيه دليل على عدم جواز الإختلاط في الأماكن المحصورة والأزمان المعلومة, كالتعليم والعمل ونحوهما .

فالمرأة قبل فرض الحجاب كانت تكشف عن محاسنها, وتخالط الرجال, وتخرج كيفما شاءت ليلًا أو نهارًا وخصوصًا إلى المسجد, فما الداعي لكل ما مر من الآيات والأحاديث الدالة على اختلاف حال المرأة المسلمة بعد فرض الحجاب عن حالها قبل فرضه ؟!
وهذا متفق عليه بين فقهاء الإسلام ففي السير الكبير مبحث إخراج الرجال لنساءهم معهم حال الغزو, يقول محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة رحمهما الله : " إن كان لابد من إخراجهن فالاماء دون الحرائر, لان حكم الاختلاط بالرجال في حق الاماء أخف, ألا ترى أن جميع الناس لهن بمنزلة المحرم في النظر والمس، وأنه لا بأس للامة أن تسافر بغير محرم، وليس للحرة ذلك إلا مع زوج أو محرم ".انتهى

ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في [الفتح (12/245)] : ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك . انتهى

فهذا حال كل عاقل كما يقول حافظ الشافعية وفقهيهم وفي ما تقدم براءة أصحاب القول بوجوب ستر الوجه من التشدد في مسألة الحجاب وأن العقلاء هم من يتمسكون بهذا التشريع الإلهي وليس يتشددون !

والله الموفق

وكتب / علي بن عمر النهدي
1437