بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
... أما بعد :
هذه
مناقشة مفصّلة فيها محاولة لبيان ما أجملته في مناقشتي المجملة السابقة لفضيلة
الشيخ د. إبراهيم الرحيلي سلمه الله والتي زادها الإجمال للأسف إشكالا وخفي بذلك المراد
أميالا , وذلك بسبب ضعف البيان والتبعة عليّ في ذلك , مما حدا بالشيخ الرحيلي وفقه
الله التعقيب صوتيًا كما هو منشور في موقع المحجة السلفية , لذا تعين عليّ التفصيل
لما تم إجماله لعل به يتبين للشيخ وفقه الله المراد.
قال
فضيلة الشيخ د. إبراهيم الرحيلي وفقه الله : " أن مسائل الدين والشرع لا
ينبغي الدخول فيها بنظر مجرد لمسألة مبناها على اللغة أو على أمر من الأمور التي
يصورها العقل مجرد تصور ذهني أو عقلي أو بناء على قاعدة لغوية يذكرها علماء اللغة
" . انتهى
هذا ولله الحمد والمنّة مقررٌ ومعلوم ولا أدري محله في الإستدراك على مناقشتي للشيخ وفقه الله , إلا إلزامي له وفقه الله بتعيين مراده في تعريف حد الإيمان الشرعي, وهل تعريفه باعتبار الجنس أو باعتبار استغراق أفراد الجنس أو باعتبار استغراق خصائص وصفات أفراد الجنس وهذه من أنواع الدلالات اللفظية لـ ال التعريف .
وهذا
البحث ليس هو من النظر المجرد بناءاً على اللغة أو على قاعدة لغوية محضة أو بتصور
ذهني عقلي محض كما قدم الشيخ وفقه الله , وإنما هو بيان وجه التعريفات وألفاظها ودلالاتها وهذا من البيان وزيادة في العلم
, " فدَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا سَمْعِيَّةً عَقْلِيَّةً "
. كما قرره شيخ الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى 20/ 496) .
ومثاله : قوله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } .
وقَوْلِهِ
تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} .
وقول
َالشَّاعِرُ :
واشْهَدْ مِنْ
عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا .
فهنا
ثلاث إطلاقات للحج , مختلفة المعاني فالأول : معناه وقت الحج , والثاني والثالث :
معناهما الحج الشرعي المعهود , والرابع : معناه لغوي محض وعرفناه بالإضافة وقُيد
بحج سب الزبرقان .
فالتقدير و ال التعريف والإضافة قرائن لفظية خَصَّصت وَمَيَّزَت وَقَطَعَت الِاشْتِرَاكَ .
والشيخ د. إبراهيم جاء في رده الصوتي على الشيخ د. عصام السناني وفقهما الله ما نصه : " لابد هنا إذا أردنا تحرير المسألة أن نعرف المحدود , نحن عرفنا الحد هنا الذي لا نزاع بيننا فيه , وهو : أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل .
لكن
هذا التعريف هل هو لأصل الإيمان ؟ أو للإيمان الواجب ؟ أو للإيمان الكامل ؟
فأجاب وفقه الله هنا بقوله : " هذا التعريف للإيمان الكامل , وهذا الأصل في كل التعريفات أنها جامعة مانعة " . انتهى
وهذا ما شجعني على الكتابة ومحاولة لفت نظر الشيخ سلمه الله لهذه الجزئية المتعلقة بالبحث ولم أر من تعرّض لها.
ولا يُقال : ما دليلك الشرعي؟ في سياق الحديث عن الحد والمحدود في
التعريفات وتصوير كلام صاحب التعريف!
يقول شيخ
الإسلام رحمه الله (الرد على المنطقيين ص40) : " تفسير
الكلام وشرحه إذا أريد به تبيين مراد المتكلم فهذا يُبنى على معرفة حدود كلامه , وإذا
أريد به تبيين صحته وتقريره فإنه يحتاج إلى معرفة دليل صحة الكلام , فالأول فيه
بيان تصوير كلامه والثاني بيان تصديق كلامه " . انتهى
ويقول رحمه الله في نفس الموطن السابق : " فائدة الحد بيان مسمى
الاسم . والتسمية أمر لغوي وضعي فرجع
في ذلك إلى قصد ذلك المـُسمّي ولغته " . انتهى
وبما أن البحث في حد تعريف اسم الإيمان مبني على النصوص الشرعية وأقوال
السلف - ونحن متفقون على صحة كلامهم فيه - فضبط حده ومحدوده ومعرفة معناه بمختلف
الاعتبارات يفتقر بلا أدنى شك إلى المباحث اللغوية المتعلقة ببيان دلالة ألفاظهم ,
لذا كان الكلام فيه لغويًا وشرعيًا ونص عليه العلامة ابن القيم رحمه الله في
(الصلاة وحكم تاركها ص61) فقال: " فالعبد
تقوم به شعبة أو أكثر من شعب الإيمان, وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمنا وقد لا يسمى,
كما أنه قد يسمى بشعبة من شعب الكفر كافرا وقد لا يطلق عليه هذا الاسم فها هنا
أمران أمر اسمي لفظي وأمر معنوي حكمي, فالمعنوي هل هذه الخصلة كفر أم لا؟ واللفظي
هل يسمى من قامت به كافرا أم لا؟ فالأمر الأول شرعي محض, والثاني لغوي وشرعي
". انتهى
فتعريف السلف
للإيمان شرعًا يتناوله هذا البحث قطعًا يا فضيلة الشيخ , والإيمان اسم جنس ,
وأنواعه بحسب استعمال الشارع تنحصر في نوعين وهما : الإيمان
المطلق ومطلق الإيمان , فإذا ذكرنا تعريف الإيمان فإما أن يكون التعريف باعتبار جنسه، وإما باعتبار أحد أنواعه , وإما باعتبار حقيقته المطلقة الكاملة، ويُعرف ذلك إما بقرينة لفظية مثل ال التعريف؛ أو الْإِضَافَةِ
, أو بغيرها كغلبة الاستعمال.
فمن عرف أن
تعريفات السلف الشرعية للإيمان تختلف باختلاف الاعتبار والمنطلق لهذه التعريفات لم
يشتبه عليه الفرق ويتوقف فيه.
يقول
شيخ الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/506) : " فَإِنَّ أُولَئِكَ قَالُوا:
(قَوْلٌ وَعَمَلٌ) لِيُبَيِّنُوا اشْتِمَالَهُ عَلَى الْجِنْسِ وَلَمْ يَكُنْ
مَقْصُودُهُمْ ذِكْرَ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُ
مَنْ قَالَ: (اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ؛ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ).
جَعَلَ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ اسْمًا لِمَا يَظْهَرُ؛ فَاحْتَاجَ أَنْ يَضُمَّ
إلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَ الْقَلْبِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْخِلَ فِي قَوْلِهِ:
اعْتِقَادَ الْقَلْبِ (أَعْمَالَ الْقَلْبِ) ". انتهى
فقوله (لِيُبَيِّنُوا اشْتِمَالَهُ عَلَى الْجِنْسِ وَلَمْ يَكُنْ
مَقْصُودُهُمْ ذِكْرَ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ) فالتعريف باعتبار
الجنس يُذكر فيها المشترك اللازم في كل إيمان لذا قالوا : قول واعتقاد وعمل يزيد
وينقص , فإذا عرفوا الإيمان بدلالة الاستغراق الدالة على ذكر الأفراد والصفات والخصائص
لجميع ما يدخل في الإيمان قالوا هو : جميع الطاعات الواجبة والمستحبة بالقول
والعمل والاعتقاد فهذا الذي أردته وسألت عنه الشيخ إبراهيم وفقه الله وألزمته به ، فقد
قلتُ في المناقشة المجملة للشيخ وفقه الله : هل مطلق الإيمان أو أصل الإيمان يدخل
في تعريف السلف للإيمان – أعني باعتبار الجنس - بقولهم : هو قول, وعمل, واعتقاد ؟
فالشيخ
إبراهيم سلمه الله تعجب من إيرادي وإلزامي غاية التعجب, لأنه بنى الإيراد على ما
قرره في التعريف الشرعي للإيمان وأنه فقط الحقيقة الكاملة المطلقة للإيمان وهو
المستغرق لجميع الطاعات الواجبة والمستحبة من الأقوال والاعتقادات والأعمال.
قال
الشيخ إبراهيم في رده على الشيخ السناني وفقهما الله : " هذا التعريف للإيمان
الكامل " وقال كذلك وفقه الله : " أن هذا الإيمان المعرّف باعتقاد وقول
وعمل , أنه تعريف للحقيقة الكاملة للإيمان " وقال أيضًا : " إذا قلنا أن
هذه هي الحقيقة الكاملة للإيمان التي يدخل فيها الإيمان المستحب والإيمان الواجب
والإيمان الذي هو أصل , فإنه إذا ذهب بعض أجزاء هذه الحقيقة فإنه لا يُنفى الإيمان
بالكلية ". انتهى
فهذا
التعريف نعم هو جامع مانع للإيمان الشرعي باعتبار استغراق أفراده وخصائصه وصفاته ,وهو
تعريف للإيمان المطلق , وهو لا ينافي تعريف الإيمان الشرعي باعتبار الجنس الذي هو
: قول واعتقاد وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية , فهذا كذلك تعريف سلفي لكل إيمان
شرعي , فجنس إيمان المقربين هو كجنس إيمان المقتصدين وهما أيضًا كجنس إيمان
المذنبين من العصاة والفسقة في تمامه وفي أدنى درجاته ومن ضمنه من لم يحقق إلا أصل
الإيمان الشرعي المنجي من الخلود.
والتحقيق
أن أهل الإيمان الشرعي ثلاثة أصناف :
1)
أصحاب مطلق
الإيمان ( الظالمون لأنفسهم ) : وأهله فيه متفاوتون , فأدنى درجة في هذا القسم هو
صاحب مطلق الإيمان التام , وإيمانهم يشتمل على (قول وعمل واعتقاد) , فإن زاد
إيمانه عن هذا الحد أصبح من أهل الإيمان الكامل كاملًا واجبًا , وأما لو لم يكن
إيمانه تامًا , لزم ذلك أنه من أهل الكفر , لا من أهل مطلق الإيمان المنجي من
الخلود , فالتمام هو الجزء الذي تم له به مطلق إيمانه في أدنى درجات وفي هؤلاء من
يأتي بالحد الأدنى من مطلق الإيمان الذي هو أصل الإيمان وهو قول عمل واعتقاد
ولابد.
2)
الإيمان
الكامل كمالًا واجبًا ( المقتصدون ) : وأهله فيه متفاوتون , فأدنى درجه في هذا
القسم هو صاحب الإيمان الكامل كمالًا واجبًا تامًا , وإيمانهم يشتمل على (قول وعمل
واعتقاد) , فلو لم يكن تامًا , لزم ذلك أنه من أهل مطلق الإيمان, لا من أهل الكمال
الواجب, فالتمام هو الجزء الذي تم له به الكمال الواجب في أدنى درجاته , ومتى زاد
عن هذا الحد انتقل للصنف الثالث .
3)
أصحاب الإيمان
الكامل كمالًا مستحبًا ( السابقون بالخيرات ) : وأهله فيه متفاوتون , فأدنى درجة في
هذا القسم هو صاحب الإيمان الكامل كمالًا مستحبًا تامًا , وإيمانهم يشتمل على (قول
وعمل واعتقاد) , فلو لم يكن تامًا , لزم ذلك أنه من أهل الكمال كمالًا واجبًا , لا
مستحبًا , فالتمام هو الجزء الذي تم له به الكمال المستحب في أدنى درجاته.
فالقسمة بهذا الاعتبار ثلاثية ومردها للقسمة الثنائية , فالصنفان الثاني والثالث يجمعهما مسمى الإيمان المطلق الوارد في النصوص الشرعية في سياق المدح , وأما الصنف الأول فهو مطلق الإيمان الوارد في النصوص الشرعية في سياق الأمر والطلب ونحوها.
يقول
شيخ الإسلام رحمه الله ( مجموع الفتاوى 19/290-292) : " الْعِبَادَاتُ
الْمَأْمُورُ بِهَا؛ كَالْإِيمَانِ الْجَامِعِ وَكَشُعَبِهِ ... لَهَا ثَلَاثَةُ
أَحْوَالٍ وَرُبَّمَا لَمْ يَشْرَعْ لَهَا إلَّا حَالَانِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ
إمَّا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْوَاجِبِ فَقَطْ؛ وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ
بِالْمُسْتَحَبِّ فِيهَا وَإِمَّا أَنْ يَنْقُصَ عَنْ الْوَاجِبِ فِيهَا.
فَالْأَوَّلُ حَالُ الْمُقْتَصِدِينَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ سَابِقًا فِي غَيْرِهَا.
وَالثَّانِي حَالُ السَّابِقِ فِيهَا. وَالثَّالِثُ حَالُ الظَّالِمِ فِيهَا.
وَالْعِبَادَةُ الْكَامِلَةُ تَارَةً تَكُونُ مَا أُدِّيَ فِيهَا الْوَاجِبُ
وَتَارَةً مَا أَتَى فِيهَا بِالْمُسْتَحَبِّ. وَبِإِزَاءِ الْكَامِلَةِ
النَّاقِصَةِ قَدْ يَعْنِي بِالنَّقْصِ نَقْصَ بَعْضِ وَاجِبَاتِهَا وَقَدْ
يَعْنِي بِهِ تَرْكَ بَعْضِ مُسْتَحَبَّاتِهَا ... والنَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ
نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ كَنَقْصِ أَرْكَانِ الطَّهَارَةِ
وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ. وَنَقْصٌ لَا يُبْطِلُهَا كَنَقْصِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ
الَّتِي لَيْسَتْ بِأَرْكَانِ؛ وَنَقْصِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهَا
سَهْوًا " . انتهى
وقد قرر شيخ الإسلام في نفس الموطن ( مجموع الفتاوى 19/290-292) معنى ( الإتمام ) الوارد في كلام الشارع بأن الْمُرَادُ بِالْإِتْمَامِ أي الْإِتْمَامُ بِالْوَاجِبَاتِ فهو في معنى (الإجزاء) , وأن الأمر بالإتمام هُوَ أَمْرٌ مُطْلَقٌ بِالْإِتْمَامِ يتم به الواجب إن كَانَ الْأَمْرُ بِهِ إيجَابٌ وَيتم به المستحب مَا كَانَ الْأَمْرُ بِهِ اسْتِحْبَابٌ , والنَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ كَنَقْصِ الأَرْكَانِ وتمامها يصحهها وَنَقْصٌ لَا يُبْطِلُهَا وتمامها يكملها, فيكون التمام بمعنى الإجزاء في الشيء والبراءة من العهدة . يقول شيخ الإسلام رحمه الله : " فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِثْلُ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ تَامًّا لَمْ يَكُنْ الْمَأْمُورُ بَرِيئًا مِنْ الْعُهْدَةِ " . انتهى
والفرق الدقيق بين التام والكامل واشتقاقهما ثابت ولا يعني الترادف عدم وجود الفروق المعنوية لأن الترادف إنما غالبا يكون من وجه دون وجه , بل أفاد شيخ الإسلام إلى وجود من ينكر وجود الترادف المحض من أهل العلم , ونص رحمه الله على أن الترادف في القرآن نادر أو معدوم , وتقرير وجود الفروق اللغوية في كتب هذا الفن معتمدة ومعتبرة بغض النظر عن حال مصنفيها , وكثير من علوم الآلة والعلوم المساندة للعلوم الشرعية لا يسلم مصنفوها من المخالفات والعبرة بسلامة قيلهم في الباب لا بسلامة عقيدتهم, ما لم يكن في الباب غيرهم.
ولك أن تقارن بين معنى ما تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية وبين ما جاء عن أصحاب الفروق اللغوية في إثبات الفرق بين الإتمام والإكمال وسترى التطابق.
قالوا
: قد فُرّق بينهما بأن الإتمام: لازالة نقصان الاصل. والإكمال: لإزالة نقصان
العوارض بعد تمام الاصل.
وكذلك أثبت الفرق العلامة ابن القيم رحمه الله (اجتماع الجيوش
2/34-35) : " قوله تعالى {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، وَكَانَ الْكَمَالُ
فِي جَانِبِ الدِّينِ وَالتَّمَامُ فِي جَانِبِ النِّعْمَةِ وَاللَّفْظَتَانِ
وَإِنْ تَقَارَبَتَا وَتَوَازَنَتَا فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَطِيفٌ يَظْهَرُ عِنْدَ
التَّأَمُّلِ فَإِنَّ الْكَمَالَ أَخَصُّ بِالصِّفَاتِ وَالْمَعَانِي وَيُطْلَقُ
عَلَى الْأَعْيَانِ وَالذَّوَاتِ وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ صِفَاتِهَا وَخَوَاصِّهَا
... وَأَمَّا التَّمَامُ فَيَكُونُ فِي الْأَعْيَانِ وَالْمَعَانِي " .انتهى
ثم يقول الشيخ إبراهيم وفقه الله بعد أن ذكر تعريف الحقيقة الكاملة المطلقة للإيمان الشرعي : " ثمرة هذا التقرير أن بعض إخواننا يظن أن هذا التعريف تعريف للأصل! بحيث لو ذهب بعضه ذهب أصل الإيمان, هذا غير صحيح , بل هذا تعريف للحقيقة الكاملة ".انتهى
يتضح من ذلك أن الشيخ وفقه الله لم يتبين له وجه إيراد المخالف عليه, فالمخالف يُلزم الشيخ بتعريف الإيمان باعتبار الجنس والشيخ وفقه الله لا يتصور إلا تعريف الإيمان المطلق, وهو الحقيقة الكاملة المطلقة للإيمان ولذا تجده يقول سلمه الله : " إذا قلنا أن هذه هي الحقيقة الكاملة للإيمان التي يدخل فيها الإيمان المستحب والإيمان الواجب والإيمان الذي هو أصل , فإنه إذا ذهب بعض أجزاء هذه الحقيقة فإنه لا يُنفى الإيمان بالكلية ". انتهى
فالمخالف
للشيخ يتحدث باعتبار تعريف الإيمان من حيث جنسه وأجزاءه الثلاثة , والشيخ الرحيلي
يتحدث باعتبار تعريف الإيمان من حيث استغراق خصائص وصفات أنواعه التي تنتضم
وتتضمنها الحقيقة الكاملة المطلقة (الإيمان المطلق).
قال الشيخ إبراهيم في سياق الإلزام للشيخ السناني وفقهما الله : " الدكتور عصام إذا قال الإيمان اعتقاد وقول وعمل, هل تعتقد أن هذه الحقيقة هو تعريف لأصل الإيمان أو لكماله الواجب أو لكماله المستحب؟
فإذا
قلت : هذا تعريف لأصل الإيمان وأن العبد إذا ترك شيئاً منه كفر , فهذا يستقيم
تقريرك هنا على هذا الأصل أن تارك عمل الجوارح بالكلية أنه كافر, لأنك تُعرّف
الإيمان بأنه اعتقاد وقول وعمل وتعني بذلك أصل الإيمان , هذا يستقيم! " .
ثم
قال وفقه الله : " يرد عليك إيراد وهو أنك أخرجت الأعمال المستحبة والأعمال
الواجبة بعد الأركان من حقيقة الإيمان , فتكون هذه موافقة للمرجئة , لأن أهل السنة
على أقصى أقوالهم في حد أصل الإيمان هو اعتقاد أن أركان الإسلام كلها من أصل
الإيمان وأما ما بعد أركان الإسلام لم يقل أحد من الأئمة أن بر الوالدين أنه أصل
من تركه فهو كافر! " وختم
الإلزام وفقه الله بقوله : " فلا يسع هنا المتكلم إلا أن يقول – وهذا الذي
ينبغي للدكتور أن يقرره – أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل , ونحن نعني بهذا التعريف
الحقيقة الكاملة للإيمان الذي يدخل فيها أصل الإيمان وكماله الواجب وكماله المستحب
" . انتهى
وبناءاً
على هذا الإلزام والمبني على أن تعريف الإيمان الشرعي ما هو عنده إلا باعتبار
الحقيقة الكاملة المطلقة , أقمت إلزامي له وأنه قصر التعريف على الإيمان المطلق
وفهم سلمه الله أني أعني الإيمان الكامل كمالًا مستحبًا وأني أسأله هل يدخل فيه
أصل الإيمان !!؟
فقال
الشيخ إبراهيم وفقه الله متعجبا مني بعدة عبارات :
"
أنا لم أقصر التعريف الشرعي للإيمان على الإيمان الكامل !
"
فكأن الأخ علي فهم أن قولي أنه يدل على الإيمان الكامل أني أُخرج أصل الإيمان
!"
"
كيف يخرج أصل الإيمان من كمال الإيمان ؟! "
"
ولا يمكن للشيء أن يكمل من غير أصله " .
"
كيف يفرّق ويقال أن الشيء كامل من غير أصله ؟! " .
"
لا يتصور لإنسان أن يكمل في كمال الإيمان المستحب وهو مفرط في الواجبات ! " .
انتهى
وقد
تقدم بيان تعريف السلف للإيمان باعتبار الجنس وأنه : اعتقاد وقول وعمل .
فكل
إيمان شرعي وارد في النصوص يترتب عليه دخول الجنة والنجاة من النار ابتداءاً أو
مآلًا كقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة " يشتمل
ولابد من حيث جنسه على قول واعتقاد وعمل متلازمة فيما بينها بتلازم لا ينفك , تتوزع
على الباطن والظاهر وإنما يتفاوتون من حيث صفات النوع بحسب القسمة الثنائية أو
الثلاثية لأهل الإيمان الصحيح.
يقول شيخ
الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى 13/262) : " كُلَّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ فَلَا
بُدَّ لَهُ مِنْ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ فَظَاهِرُ الْقَوْلِ لَفْظُ اللِّسَانِ
وَبَاطِنُهُ مَا يَقُومُ مِنْ حَقَائِقِهِ وَمَعَانِيهِ بِالْجَنَانِ وَظَاهِرُ
الْعَمَلِ حَرَكَاتُ الْأَبْدَانِ وَبَاطِنُهُ مَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ مِنْ
حَقَائِقِهِ وَمَقَاصِدِ الْإِنْسَانِ ". انتهى
وقال رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/187) : " قَالَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ قَوْلٌ بَاطِنٌ وَظَاهِرٌ وَعَمَلٌ بَاطِنٌ وَظَاهِرٌ وَالظَّاهِرُ تَابِعٌ لِلْبَاطِنِ لَازِمٌ لَهُ مَتَى صَلَحَ الْبَاطِنُ صَلَحَ الظَّاهِرُ وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ " . انتهى
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله (الفوائد ص85) : " الْإِيمَان لَهُ ظَاهر وباطن , وَظَاهره قَول اللِّسَان وَعمل الْجَوَارِح وباطنه تَصْدِيق الْقلب وانقياده ومحبته , فَلَا ينفع ظَاهر لَا بَاطِن لَهُ وَإِن حقن بِهِ الدِّمَاء وعصم بِهِ المَال والذريّة , وَلَا يجزىء بَاطِن لَا ظَاهر لَهُ إِلَّا إِذا تعذّر بعجز أَو إِكْرَاه وَخَوف هَلَاك , فَتخلف الْعَمَل ظَاهرا مَعَ عدم الْمَانِع دَلِيل على فَسَاد الْبَاطِن وخلوّه من الْإِيمَان , ونقصه دَلِيل نَقصه , وقوته دَلِيل قوته ". انتهى
ويقول العلامة
ابن القيم رحمه الله (اجتماع الجيوش 2/187) : " وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ
وَعَمَلٌ وَهُمَا شَيْئَانِ وَنِظَامَانِ وَقَرِينَانِ
لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ; لَا إِيمَانَ إِلَّا بِعَمَلٍ وَلَا عَمَلَ إِلَّا
بِإِيمَانٍ ". انتهى
فيكون قولهم (لا
إيمان) نكرة منفية بلا التي تنفي الجنس فتقتضي نفي الإيمان مطلقًا
.
.
ثم
يظهر حقيقة الإشكال عند الشيخ إبراهيم وفقه الله من خلال قوله في رده على الشيخ
السناني وفقه الله : " نحن عندما نذكر القاعدة وهو أنه هذا تعريف للحقيقة
المطلقة هو في مناقشة من ينازع الآن في التكفير بكل العمل " . انتهى
فلا
أعلم أحدًا من المخالفين للشيخ إبراهيم سلمه الله ينازعه في التكفير بكل العمل,
إلا إن قصد التفريق بين أعمال القلب وأعمال الجوارح , وأن وجود عمل القلب الواجب
لصحة الإيمان وإن انتفى عمل الجوارح يصح معه أصل الإيمان , فيفترض وجود إيمان ضعيف
في القلب لا يستلزم وجود شيء من أعمال الجوارح وقد قرر ذلك بقوله سلمه الله : "
من قال أنه يتصور وجود إيمان واجب في القلب يعني حقق الواجب في القلب وأنه لا يثمر
شيئاً من عمل الجوارح فأنه قال بقول المرجئة لكن تنبه لمقابل الكلام , فالكلام له
مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة , فشيخ الإسلام لا يُنكر وجود إيمان في القلب ضعيف لا
يثمر شيئا من عمل الجوارح على قول لبعض أهل السنة " . انتهى
ينبغي
أن يُعرف أن ماهية إيمان الأصناف الثلاثة من حيث الجنس وهم (السابقون المقربون
والمقتصدون والظالمون لأنفسهم) تشتمل على قول وعمل ولابد وهي الأجزاء الأربعة : قول
القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح , فقول القلب وعمل القلب هو الباطن
وقول اللسان وعمل الجوارح هو الظاهر , وبين الباطن والظاهر تلازم لا ينفك البتة في
جميع أصناف أهل الإيمان وبحسب ما في الباطن يتبعه ولابد شيء من الظاهر, فقول القلب
يتبعه قول اللسان وعمل القلب يتبعه عمل الجوارح .
يقول شيخ
الإسلام (مجموع الفتاوى 7/554) : " الْعَمَلُ
الظَّاهِرُ لَازِمٌ لِلْعَمَلِ الْبَاطِنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ وَانْتِفَاءُ
الظَّاهِرِ دَلِيلُ انْتِفَاءِ الْبَاطِنِ " . انتهى
ويقول
شيخ الإسلام (7 مجموع الفتاوى /645) : " الْقَلْبَ
إذَا تَحَقَّقَ مَا فِيهِ أَثَرٌ فِي الظَّاهِرِ ضَرُورَةً لَا يُمْكِنُ
انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ".
وقال
رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/187) : " الْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ فَإِذَا كَانَ
فِيهِ مَعْرِفَةٌ وَإِرَادَةٌ سَرَى ذَلِكَ إلَى الْبَدَنِ بِالضَّرُورَةِ لَا
يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْبَدَنُ عَمَّا يُرِيدُهُ الْقَلْبُ " . انتهى
ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/221) : " إيمَانَ الْقَلْبِ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ الظَّاهِرَ
بِحَسَبِهِ ". انتهى
ويقول
شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/672) : " وَيَتْبَعُ الِاعْتِقَادَ قَوْل
اللِّسَانِ وَيَتْبَعُ عَمَلَ الْقَلْبِ الْجَوَارِحُ " . انتهى
ويقول
شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/306) : " الْإِيمَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ
التَّصْدِيقِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَعْمَالٍ قَلْبِيَّةٍ تَسْتَلْزِمُ أَعْمَالًا
ظَاهِرَةً " . انتهى
وقال
الشيخ حافظ حكمي رحمه الله : (معارج القبول 2/594) : " وَمُحَالٌ أَنْ
يَنْتَفِيَ انْقِيَادُ الْجَوَارِحِ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مَعَ ثُبُوتِ
عَمَلِ الْقَلْبِ " . انتهى
وذكر
شيخ الإسلام قول أبي طالب المكي مقرًا له (مجموع الفتاوى 7/265) ونصه : " إذْ
لَا يَخْلُو الْمُسْلِمُ مِنْ إيمَانٍ بِهِ يَصِحُّ إسْلَامُهُ وَلَا يَخْلُو
الْمُؤْمِنُ مِنْ إسْلَامٍ بِهِ يُحَقِّقُ إيمَانَهُ مِنْ حَيْثُ اشْتَرَطَ
اللَّهُ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْإِيمَانَ؛ وَاشْتَرَطَ لِلْإِيمَانِ
الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ " . انتهى
فإن
قيل : كل ما تقدم من نقولات في بيان التلازم ولزوم الظاهر من عمل الجوارح لما في
الباطن هو في إيمان القلب الواجب الذي في الإيمان الكامل كمالاً واجباً , وليس في
كل إيمان قلبي صحيح كمثقال الذرة ونحوها مما لا يعلم مقداره إلا الله تعالى !
أقول
: جوابه من وجهين :
الأول
: أن شيخ الإسلام رحمه الله في نقاشه للمخالفين في مسألة الإيمان إنما كان يتنزل
مع خصومه بحسب مذاهبهم فإن كان يناقش الجهمية فتجده أحيانا يلزمهم فقط بإدخال
النطق بالشهادتين, وأما إن كان نقاشه مع مرجئة الفقهاء فتجده يلزمهم بأعمال القلوب
ثم يلزمهم بأعمال الجوارح أو موافقة الجهمية.
والوجه الأخر هو أن شيخ الإسلام يثبت التلازم في أصله وكماله , وقد ألزم مخالفيه ممن أقر بالتلازم منهم بقوله رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/579) : " فَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَك إنَّ الظَّاهِرَ لَازِمٌ لَهُ وَمُوجِبٌ لَهُ بَلْ قِيلَ: حَقِيقَةُ قَوْلِك إنَّ الظَّاهِرَ يُقَارِنُ الْبَاطِنَ تَارَةً وَيُفَارِقُهُ أُخْرَى فَلَيْسَ بِلَازِمِ لَهُ وَلَا مُوجِبٍ وَمَعْلُولٍ لَهُ وَلَكِنَّهُ دَلِيلٌ إذَا وُجِدَ دَلَّ عَلَى وُجُودِ الْبَاطِنِ وَإِذْ عُدِمَ لَمْ يَدُلَّ عَدَمُهُ عَلَى الْعَدَمِ وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِك " .انتهى
فإن
كان شيخ الإسلام رحمه الله يذكر التلازم أحياناً في سياق الكلام عن الإيمان المطلق في مقابلة
بدعة المرجئة فهذا لا ينفي إثباته للتلازم في أصل الإيمان أيضاً , وبما أن الإيمان
في جنسه متماثل في جميع الأصناف فتجده يجادلهم بأصل واحد لازم لجميعهم يقول فيه
رحمه الله كما في (مجموع
الفتاوى 14/120) : " وَهُنَا " أُصُولٌ " تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا.
مِنْهَا أَنَّ الْقَلْبَ هَلْ يَقُومُ بِهِ تَصْدِيقٌ أَوْ تَكْذِيبٌ وَلَا
يَظْهَرُ قَطُّ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ وَإِنَّمَا
يَظْهَرُ نَقِيضُهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ؟ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ
وَجُمْهُورُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ مُوجَبِ ذَلِكَ عَلَى
الْجَوَارِحِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ وَيُحِبُّهُ
وَيُعَظِّمُهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ بِالْإِسْلَامِ وَلَا فَعَلَ
شَيْئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ بِلَا خَوْفٍ فَهَذَا لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي
الْبَاطِنِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ كَافِرٌ ". انتهى
ويقول
شيخ الإسلام (شرح العقيدة الأصفهانية ص196) : " الإرادة الجازمة في القلب إذا
اقترنت بها القدرة حصل بها المراد أو المقدور من المراد لا محالة , - فإن - كانت
القدرة حاصلة ولم يقع الفعل كان الحاصل هي لا إرادة جازمة ... كذلك التصديق الجازم إذا حصل في القلب تبعه عمل من عمل القلب
لا محالة لا يتصور أن ينفك عنه بل يتبعه الممكن من عمل الجوارح فمتى لم يتبعه شيء
من عمل القلب علم أنه ليس بتصديق جازم فلا يكون إيمانا " .انتهى
ومن هذا النقل
العزيز يتبين غلط من يتصور أن الإرادة قد تضعف فيضعف بسببها العمل , والصواب أن
الإرادة إذا كانت غير جازمة فلن يوجَد حينئذ العمل , وأما إذا كانت جازمة وانتفى
المانع وجد العمل ضرورة بحسب التصديق المتضمن للمحبة والنية, وهذا في كل إيمان ولو
كان مثقال ذرة أو أقل من ذلك مما لا يعلمه إلا الله جل وعز, فلا يُعتد بإرادة لا
تثمر عمل ألبتة, ومن الغلط أصلًا أن يسمى هذا النوع غير المثمر عن العمل إرادة ,
ولكن هي مقدمات للإرادة ومنها الهم والخاطر والهاجس وحديث النفس وكلها لا يتعلق
بها ثواب أو عقاب وقد جمعها الناظم في قوله :
مراتب القصد
خمس هاجس ذكروا *** فخاطر فحديث
النفس فاستمعا
يليه هم فعزم كلها رفعــــت *** سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا
يليه هم فعزم كلها رفعــــت *** سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا
والإرادة
المعتبرة في وجود الفعل أو تركه بالكلية هي المرتبة الخامسة من مراتب القصد التي
هي العزم الذي يؤاخذ بها في الفعل أو الترك الوجودي.
يقول شيخ
الإسلام (مجموع الفتاوى 10/737) : " وَسَوَاءٌ سُمِّيَ هَمُّهُ : إرَادَةً
أَوْ عَزْمًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ مَتَى كَانَ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ وَهَمَّ
بِهِ وَعَزَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَلَيْسَتْ إرَادَتُهُ
جَازِمَةً " . انتهى
ويقول شيخ
الإسلام (مجموع الفتاوى 7/554) : " وَالصَّوَابُ
أَنَّ الْقَلْبَ لَهُ عَمَلٌ مَعَ التَّصْدِيقِ وَالظَّاهِرُ قَوْلٌ ظَاهِرٌ
وَعَمَلٌ ظَاهِرٌ وَكِلَاهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَاطِنِ " . انتهى
وختامًا
يُعلم من خلال تقريرات شيخ الإسلام رحمه الله المتقدمة بأنه يسلك في تقريره لمسألة
مكانة عمل الجوارح من الإيمان مسلكًا مطردًا سواء كان سياق الكلام في الإيمان
المطلق أو في مطلق الإيمان , ولا يصح بحال نسبة المذهب القائل بصحة أصل الإيمان
بلا عمل الجوارح له رحمه الله وستأتي نصوصه الصريحة في نفي ذلك كما يلي :
يقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/554) : " ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ الْمَقْبُولِ يُمْكِنُ تَخَلُّفُ الْقَوْلِ الظَّاهِرِ وَالْعَمَلِ الظَّاهِرِ عَنْهُ ". انتهى
ونقل عن أبي طالب المكي مقرًا له (مجموع الفتاوى 7/ ) : " فَمَنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَعْمَالَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى عُقُودِ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ فَهُوَ مُنَافِقٌ نِفَاقًا يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ وَمَنْ كَانَ عَقْدُهُ الْإِيمَانَ بِالْغَيْبِ وَلَا يَعْمَلُ بِأَحْكَامِ الْإِيمَانِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَافِرٌ كُفْرًا لَا يَثْبُتُ مَعَهُ تَوْحِيدٌ " .انتهى
ويقول رحمه الله في (شرح العمدة ص86) : " فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل كما دل عليه الكتاب والسنة واجمع عليه السلف وعلى ما هو مقرر في موضعه فالقول تصديق الرسول والعمل تصديق القول فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا والقول الذي يصير به مؤمن قول مخصوص وهو الشهادتان فكذلك العمل هو الصلاة " . انتهى
ويقول شيخ
الإسلام (مجموع الفتاوى 7/645) : " فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ
يَكُونُ فِي الْقَلْبِ إيمَانٌ يُنَافِي الْكُفْرَ بِدُونِ أُمُورٍ ظَاهِرَةٍ: لَا
قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ وَهُوَ الْمَطْلُوب " . انتهى
هذا والله
أعلم وهو المسؤول أن يوفقنا وإخواننا ومشايخنا لكلمة سواء في هذه المضائق تجتمع
عندها كلمة أهل السنة وينبذ فيها الخلاف وهو المستعان جل في علاه .
وصل اللهم على
نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله كثيرًا
وكتب / علي بن
عمر النهدي
غرة ربيع
الأول 1438