الجمعة، 9 ديسمبر 2016

مناقشة الشيخ د. إبراهيم الرحيلي في مسألة مكانة العمل في الإيمان (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده  ... أما بعد :

هذه مناقشة مفصّلة فيها محاولة لبيان ما أجملته في مناقشتي المجملة السابقة لفضيلة الشيخ د. إبراهيم الرحيلي سلمه الله والتي زادها الإجمال للأسف إشكالا وخفي بذلك المراد أميالا , وذلك بسبب ضعف البيان والتبعة عليّ في ذلك , مما حدا بالشيخ الرحيلي وفقه الله التعقيب صوتيًا كما هو منشور في موقع المحجة السلفية , لذا تعين عليّ التفصيل لما تم إجماله لعل به يتبين للشيخ وفقه الله المراد.
 
قال فضيلة الشيخ د. إبراهيم الرحيلي وفقه الله : " أن مسائل الدين والشرع لا ينبغي الدخول فيها بنظر مجرد لمسألة مبناها على اللغة أو على أمر من الأمور التي يصورها العقل مجرد تصور ذهني أو عقلي أو بناء على قاعدة لغوية يذكرها علماء اللغة " . انتهى

هذا ولله الحمد والمنّة مقررٌ ومعلوم ولا أدري محله في الإستدراك على مناقشتي للشيخ وفقه الله , إلا إلزامي له وفقه الله بتعيين مراده في تعريف حد الإيمان الشرعي, وهل تعريفه باعتبار الجنس أو باعتبار استغراق أفراد الجنس أو باعتبار استغراق خصائص وصفات أفراد الجنس وهذه من أنواع الدلالات اللفظية لـ ال التعريف .

وهذا البحث ليس هو من النظر المجرد بناءاً على اللغة أو على قاعدة لغوية محضة أو بتصور ذهني عقلي محض كما قدم الشيخ وفقه الله , وإنما هو بيان وجه التعريفات وألفاظها ودلالاتها وهذا من البيان وزيادة في العلم , " فدَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا سَمْعِيَّةً عَقْلِيَّةً " . كما قرره شيخ الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى 20/ 496) .

ومثاله : قوله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } .
وقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} .
وقول َالشَّاعِرُ :
واشْهَدْ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا .

فهنا ثلاث إطلاقات للحج , مختلفة المعاني فالأول : معناه وقت الحج , والثاني والثالث : معناهما الحج الشرعي المعهود , والرابع : معناه لغوي محض وعرفناه بالإضافة وقُيد بحج سب الزبرقان .

فالتقدير و ال التعريف والإضافة قرائن لفظية خَصَّصت وَمَيَّزَت وَقَطَعَت الِاشْتِرَاكَ .

والشيخ د. إبراهيم جاء في رده الصوتي على الشيخ د. عصام السناني وفقهما الله ما نصه : " لابد هنا إذا أردنا تحرير المسألة أن نعرف المحدود , نحن عرفنا الحد هنا الذي لا نزاع بيننا فيه , وهو : أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل .
لكن هذا التعريف هل هو لأصل الإيمان ؟ أو للإيمان الواجب ؟ أو للإيمان الكامل ؟

فأجاب وفقه الله هنا بقوله : " هذا التعريف للإيمان الكامل , وهذا الأصل في كل التعريفات أنها جامعة مانعة " . انتهى

وهذا ما شجعني على الكتابة ومحاولة لفت نظر الشيخ سلمه الله لهذه الجزئية المتعلقة بالبحث ولم أر من تعرّض لها.

ولا يُقال : ما دليلك الشرعي؟ في سياق الحديث عن الحد والمحدود في التعريفات وتصوير كلام صاحب التعريف!

يقول شيخ الإسلام رحمه الله (الرد على المنطقيين ص40) : " تفسير الكلام وشرحه إذا أريد به تبيين مراد المتكلم فهذا يُبنى على معرفة حدود كلامه , وإذا أريد به تبيين صحته وتقريره فإنه يحتاج إلى معرفة دليل صحة الكلام , فالأول فيه بيان تصوير كلامه والثاني بيان تصديق كلامه " . انتهى

ويقول رحمه الله في نفس الموطن السابق : " فائدة الحد بيان مسمى الاسم . والتسمية أمر لغوي وضعي فرجع في ذلك إلى قصد ذلك المـُسمّي ولغته " . انتهى

وبما أن البحث في حد تعريف اسم الإيمان مبني على النصوص الشرعية وأقوال السلف - ونحن متفقون على صحة كلامهم فيه - فضبط حده ومحدوده ومعرفة معناه بمختلف الاعتبارات يفتقر بلا أدنى شك إلى المباحث اللغوية المتعلقة ببيان دلالة ألفاظهم , لذا كان الكلام فيه لغويًا وشرعيًا ونص عليه العلامة ابن القيم رحمه الله في (الصلاة وحكم تاركها ص61) فقال:  " فالعبد تقوم به شعبة أو أكثر من شعب الإيمان, وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمنا وقد لا يسمى, كما أنه قد يسمى بشعبة من شعب الكفر كافرا وقد لا يطلق عليه هذا الاسم فها هنا أمران أمر اسمي لفظي وأمر معنوي حكمي, فالمعنوي هل هذه الخصلة كفر أم لا؟ واللفظي هل يسمى من قامت به كافرا أم لا؟ فالأمر الأول شرعي محض, والثاني لغوي وشرعي ". انتهى

فتعريف السلف للإيمان شرعًا يتناوله هذا البحث قطعًا يا فضيلة الشيخ , والإيمان اسم جنس , وأنواعه بحسب استعمال الشارع تنحصر في نوعين وهما : الإيمان المطلق ومطلق الإيمان , فإذا ذكرنا تعريف الإيمان فإما أن يكون التعريف باعتبار جنسه، وإما باعتبار أحد أنواعه , وإما باعتبار حقيقته المطلقة الكاملة، ويُعرف ذلك إما بقرينة لفظية مثل ال التعريف؛ أو الْإِضَافَةِ , أو بغيرها كغلبة الاستعمال.
فمن عرف أن تعريفات السلف الشرعية للإيمان تختلف باختلاف الاعتبار والمنطلق لهذه التعريفات لم يشتبه عليه الفرق ويتوقف فيه.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/506) : " فَإِنَّ أُولَئِكَ قَالُوا: (قَوْلٌ وَعَمَلٌ) لِيُبَيِّنُوا اشْتِمَالَهُ عَلَى الْجِنْسِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ ذِكْرَ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: (اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ؛ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ). جَعَلَ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ اسْمًا لِمَا يَظْهَرُ؛ فَاحْتَاجَ أَنْ يَضُمَّ إلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَ الْقَلْبِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْخِلَ فِي قَوْلِهِ: اعْتِقَادَ الْقَلْبِ (أَعْمَالَ الْقَلْبِ) ". انتهى

فقوله (لِيُبَيِّنُوا اشْتِمَالَهُ عَلَى الْجِنْسِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ ذِكْرَ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ) فالتعريف باعتبار الجنس يُذكر فيها المشترك اللازم في كل إيمان لذا قالوا : قول واعتقاد وعمل يزيد وينقص , فإذا عرفوا الإيمان بدلالة الاستغراق الدالة على ذكر الأفراد والصفات والخصائص لجميع ما يدخل في الإيمان قالوا هو : جميع الطاعات الواجبة والمستحبة بالقول والعمل والاعتقاد فهذا الذي أردته وسألت عنه الشيخ إبراهيم وفقه الله وألزمته به ، فقد قلتُ في المناقشة المجملة للشيخ وفقه الله : هل مطلق الإيمان أو أصل الإيمان يدخل في تعريف السلف للإيمان – أعني باعتبار الجنس - بقولهم : هو قول, وعمل, واعتقاد ؟

فالشيخ إبراهيم سلمه الله تعجب من إيرادي وإلزامي غاية التعجب, لأنه بنى الإيراد على ما قرره في التعريف الشرعي للإيمان وأنه فقط الحقيقة الكاملة المطلقة للإيمان وهو المستغرق لجميع الطاعات الواجبة والمستحبة من الأقوال والاعتقادات والأعمال.

قال الشيخ إبراهيم في رده على الشيخ السناني وفقهما الله : " هذا التعريف للإيمان الكامل " وقال كذلك وفقه الله : " أن هذا الإيمان المعرّف باعتقاد وقول وعمل , أنه تعريف للحقيقة الكاملة للإيمان " وقال أيضًا : " إذا قلنا أن هذه هي الحقيقة الكاملة للإيمان التي يدخل فيها الإيمان المستحب والإيمان الواجب والإيمان الذي هو أصل , فإنه إذا ذهب بعض أجزاء هذه الحقيقة فإنه لا يُنفى الإيمان بالكلية ". انتهى

فهذا التعريف نعم هو جامع مانع للإيمان الشرعي باعتبار استغراق أفراده وخصائصه وصفاته ,وهو تعريف للإيمان المطلق , وهو لا ينافي تعريف الإيمان الشرعي باعتبار الجنس الذي هو : قول واعتقاد وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية , فهذا كذلك تعريف سلفي لكل إيمان شرعي , فجنس إيمان المقربين هو كجنس إيمان المقتصدين وهما أيضًا كجنس إيمان المذنبين من العصاة والفسقة في تمامه وفي أدنى درجاته ومن ضمنه من لم يحقق إلا أصل الإيمان الشرعي المنجي من الخلود.

والتحقيق أن أهل الإيمان الشرعي ثلاثة أصناف :

1)  أصحاب مطلق الإيمان ( الظالمون لأنفسهم ) : وأهله فيه متفاوتون , فأدنى درجة في هذا القسم هو صاحب مطلق الإيمان التام , وإيمانهم يشتمل على (قول وعمل واعتقاد) , فإن زاد إيمانه عن هذا الحد أصبح من أهل الإيمان الكامل كاملًا واجبًا , وأما لو لم يكن إيمانه تامًا , لزم ذلك أنه من أهل الكفر , لا من أهل مطلق الإيمان المنجي من الخلود , فالتمام هو الجزء الذي تم له به مطلق إيمانه في أدنى درجات وفي هؤلاء من يأتي بالحد الأدنى من مطلق الإيمان الذي هو أصل الإيمان وهو قول عمل واعتقاد ولابد.

2)  الإيمان الكامل كمالًا واجبًا ( المقتصدون ) : وأهله فيه متفاوتون , فأدنى درجه في هذا القسم هو صاحب الإيمان الكامل كمالًا واجبًا تامًا , وإيمانهم يشتمل على (قول وعمل واعتقاد) , فلو لم يكن تامًا , لزم ذلك أنه من أهل مطلق الإيمان, لا من أهل الكمال الواجب, فالتمام هو الجزء الذي تم له به الكمال الواجب في أدنى درجاته , ومتى زاد عن هذا الحد انتقل للصنف الثالث .

3)  أصحاب الإيمان الكامل كمالًا مستحبًا ( السابقون بالخيرات ) : وأهله فيه متفاوتون , فأدنى درجة في هذا القسم هو صاحب الإيمان الكامل كمالًا مستحبًا تامًا , وإيمانهم يشتمل على (قول وعمل واعتقاد) , فلو لم يكن تامًا , لزم ذلك أنه من أهل الكمال كمالًا واجبًا , لا مستحبًا , فالتمام هو الجزء الذي تم له به الكمال المستحب في أدنى درجاته.

فالقسمة بهذا الاعتبار ثلاثية ومردها للقسمة الثنائية , فالصنفان الثاني والثالث يجمعهما مسمى الإيمان المطلق الوارد في النصوص الشرعية في سياق المدح , وأما الصنف الأول فهو مطلق الإيمان الوارد في النصوص الشرعية في سياق الأمر والطلب ونحوها.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله ( مجموع الفتاوى 19/290-292) : " الْعِبَادَاتُ الْمَأْمُورُ بِهَا؛ كَالْإِيمَانِ الْجَامِعِ وَكَشُعَبِهِ ... لَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ وَرُبَّمَا لَمْ يَشْرَعْ لَهَا إلَّا حَالَانِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إمَّا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْوَاجِبِ فَقَطْ؛ وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُسْتَحَبِّ فِيهَا وَإِمَّا أَنْ يَنْقُصَ عَنْ الْوَاجِبِ فِيهَا. فَالْأَوَّلُ حَالُ الْمُقْتَصِدِينَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ سَابِقًا فِي غَيْرِهَا. وَالثَّانِي حَالُ السَّابِقِ فِيهَا. وَالثَّالِثُ حَالُ الظَّالِمِ فِيهَا. وَالْعِبَادَةُ الْكَامِلَةُ تَارَةً تَكُونُ مَا أُدِّيَ فِيهَا الْوَاجِبُ وَتَارَةً مَا أَتَى فِيهَا بِالْمُسْتَحَبِّ. وَبِإِزَاءِ الْكَامِلَةِ النَّاقِصَةِ قَدْ يَعْنِي بِالنَّقْصِ نَقْصَ بَعْضِ وَاجِبَاتِهَا وَقَدْ يَعْنِي بِهِ تَرْكَ بَعْضِ مُسْتَحَبَّاتِهَا ... والنَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ كَنَقْصِ أَرْكَانِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ. وَنَقْصٌ لَا يُبْطِلُهَا كَنَقْصِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَرْكَانِ؛ وَنَقْصِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهَا سَهْوًا " . انتهى

وقد قرر شيخ الإسلام في نفس الموطن ( مجموع الفتاوى 19/290-292) معنى ( الإتمام ) الوارد في كلام الشارع بأن الْمُرَادُ بِالْإِتْمَامِ أي الْإِتْمَامُ بِالْوَاجِبَاتِ فهو في معنى (الإجزاء) , وأن الأمر بالإتمام هُوَ أَمْرٌ مُطْلَقٌ بِالْإِتْمَامِ يتم به الواجب إن كَانَ الْأَمْرُ بِهِ إيجَابٌ وَيتم به المستحب مَا كَانَ الْأَمْرُ بِهِ اسْتِحْبَابٌ , والنَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ كَنَقْصِ الأَرْكَانِ وتمامها يصحهها وَنَقْصٌ لَا يُبْطِلُهَا وتمامها يكملها, فيكون التمام بمعنى الإجزاء في الشيء والبراءة من العهدة . يقول شيخ الإسلام رحمه الله : " فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِثْلُ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ تَامًّا لَمْ يَكُنْ الْمَأْمُورُ بَرِيئًا مِنْ الْعُهْدَةِ " . انتهى

والفرق الدقيق بين التام والكامل واشتقاقهما ثابت ولا يعني الترادف عدم وجود الفروق المعنوية لأن الترادف إنما غالبا يكون من وجه دون وجه , بل أفاد شيخ الإسلام إلى وجود من ينكر وجود الترادف المحض من أهل العلم , ونص رحمه الله على أن الترادف في القرآن نادر أو معدوم , وتقرير وجود الفروق اللغوية في كتب هذا الفن معتمدة ومعتبرة بغض النظر عن حال مصنفيها , وكثير من علوم الآلة والعلوم المساندة للعلوم الشرعية لا يسلم مصنفوها من المخالفات والعبرة بسلامة قيلهم في الباب لا بسلامة عقيدتهم, ما لم يكن في الباب غيرهم.

ولك أن تقارن بين معنى ما تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية وبين ما جاء عن أصحاب الفروق اللغوية في إثبات الفرق بين الإتمام والإكمال وسترى التطابق. 

قالوا : قد فُرّق بينهما بأن الإتمام: لازالة نقصان الاصل. والإكمال: لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الاصل.

وكذلك أثبت الفرق العلامة ابن القيم رحمه الله (اجتماع الجيوش 2/34-35) : " قوله تعالى {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، وَكَانَ الْكَمَالُ فِي جَانِبِ الدِّينِ وَالتَّمَامُ فِي جَانِبِ النِّعْمَةِ وَاللَّفْظَتَانِ وَإِنْ تَقَارَبَتَا وَتَوَازَنَتَا فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَطِيفٌ يَظْهَرُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ فَإِنَّ الْكَمَالَ أَخَصُّ بِالصِّفَاتِ وَالْمَعَانِي وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَعْيَانِ وَالذَّوَاتِ وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ صِفَاتِهَا وَخَوَاصِّهَا ... وَأَمَّا التَّمَامُ فَيَكُونُ فِي الْأَعْيَانِ وَالْمَعَانِي " .انتهى

ثم يقول الشيخ إبراهيم وفقه الله بعد أن ذكر تعريف الحقيقة الكاملة المطلقة للإيمان الشرعي : " ثمرة هذا التقرير أن بعض إخواننا يظن أن هذا التعريف تعريف للأصل! بحيث لو ذهب بعضه ذهب أصل الإيمان, هذا غير صحيح , بل هذا تعريف للحقيقة الكاملة ".انتهى

يتضح من ذلك أن الشيخ وفقه الله لم يتبين له وجه إيراد المخالف عليه, فالمخالف يُلزم الشيخ بتعريف الإيمان باعتبار الجنس والشيخ وفقه الله لا يتصور إلا تعريف الإيمان المطلق, وهو الحقيقة الكاملة المطلقة للإيمان ولذا تجده يقول سلمه الله : " إذا قلنا أن هذه هي الحقيقة الكاملة للإيمان التي يدخل فيها الإيمان المستحب والإيمان الواجب والإيمان الذي هو أصل , فإنه إذا ذهب بعض أجزاء هذه الحقيقة فإنه لا يُنفى الإيمان بالكلية ". انتهى

فالمخالف للشيخ يتحدث باعتبار تعريف الإيمان من حيث جنسه وأجزاءه الثلاثة , والشيخ الرحيلي يتحدث باعتبار تعريف الإيمان من حيث استغراق خصائص وصفات أنواعه التي تنتضم وتتضمنها الحقيقة الكاملة المطلقة (الإيمان المطلق).

قال الشيخ إبراهيم في سياق الإلزام للشيخ السناني وفقهما الله : " الدكتور عصام إذا قال الإيمان اعتقاد وقول وعمل, هل تعتقد أن هذه الحقيقة هو تعريف لأصل الإيمان أو لكماله الواجب أو لكماله المستحب؟
فإذا قلت : هذا تعريف لأصل الإيمان وأن العبد إذا ترك شيئاً منه كفر , فهذا يستقيم تقريرك هنا على هذا الأصل أن تارك عمل الجوارح بالكلية أنه كافر, لأنك تُعرّف الإيمان بأنه اعتقاد وقول وعمل وتعني بذلك أصل الإيمان , هذا يستقيم! " .
ثم قال وفقه الله : " يرد عليك إيراد وهو أنك أخرجت الأعمال المستحبة والأعمال الواجبة بعد الأركان من حقيقة الإيمان , فتكون هذه موافقة للمرجئة , لأن أهل السنة على أقصى أقوالهم في حد أصل الإيمان هو اعتقاد أن أركان الإسلام كلها من أصل الإيمان وأما ما بعد أركان الإسلام لم يقل أحد من الأئمة أن بر الوالدين أنه أصل من تركه فهو كافر! " وختم الإلزام وفقه الله بقوله : " فلا يسع هنا المتكلم إلا أن يقول – وهذا الذي ينبغي للدكتور أن يقرره – أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل , ونحن نعني بهذا التعريف الحقيقة الكاملة للإيمان الذي يدخل فيها أصل الإيمان وكماله الواجب وكماله المستحب " . انتهى

وبناءاً على هذا الإلزام والمبني على أن تعريف الإيمان الشرعي ما هو عنده إلا باعتبار الحقيقة الكاملة المطلقة , أقمت إلزامي له وأنه قصر التعريف على الإيمان المطلق وفهم سلمه الله أني أعني الإيمان الكامل كمالًا مستحبًا وأني أسأله هل يدخل فيه أصل الإيمان !!؟

فقال الشيخ إبراهيم وفقه الله متعجبا مني بعدة عبارات :
" أنا لم أقصر التعريف الشرعي للإيمان على الإيمان الكامل !
" فكأن الأخ علي فهم أن قولي أنه يدل على الإيمان الكامل أني أُخرج أصل الإيمان !"
" كيف يخرج أصل الإيمان من كمال الإيمان ؟! "
" ولا يمكن للشيء أن يكمل من غير أصله " .
" كيف يفرّق ويقال أن الشيء كامل من غير أصله ؟! " .
" لا يتصور لإنسان أن يكمل في كمال الإيمان المستحب وهو مفرط في الواجبات ! " . انتهى

وقد تقدم بيان تعريف السلف للإيمان باعتبار الجنس وأنه : اعتقاد وقول وعمل .
فكل إيمان شرعي وارد في النصوص يترتب عليه دخول الجنة والنجاة من النار ابتداءاً أو مآلًا كقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة " يشتمل ولابد من حيث جنسه على قول واعتقاد وعمل متلازمة فيما بينها بتلازم لا ينفك , تتوزع على الباطن والظاهر وإنما يتفاوتون من حيث صفات النوع بحسب القسمة الثنائية أو الثلاثية لأهل الإيمان الصحيح.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى 13/262) : " كُلَّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ فَظَاهِرُ الْقَوْلِ لَفْظُ اللِّسَانِ وَبَاطِنُهُ مَا يَقُومُ مِنْ حَقَائِقِهِ وَمَعَانِيهِ بِالْجَنَانِ وَظَاهِرُ الْعَمَلِ حَرَكَاتُ الْأَبْدَانِ وَبَاطِنُهُ مَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ مِنْ حَقَائِقِهِ وَمَقَاصِدِ الْإِنْسَانِ ". انتهى

وقال رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/187) : " قَالَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ قَوْلٌ بَاطِنٌ وَظَاهِرٌ وَعَمَلٌ بَاطِنٌ وَظَاهِرٌ وَالظَّاهِرُ تَابِعٌ لِلْبَاطِنِ لَازِمٌ لَهُ مَتَى صَلَحَ الْبَاطِنُ صَلَحَ الظَّاهِرُ وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ " . انتهى

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله (الفوائد ص85) : " الْإِيمَان لَهُ ظَاهر وباطن , وَظَاهره قَول اللِّسَان وَعمل الْجَوَارِح وباطنه تَصْدِيق الْقلب وانقياده ومحبته ,  فَلَا ينفع ظَاهر لَا بَاطِن لَهُ وَإِن حقن بِهِ الدِّمَاء وعصم بِهِ المَال والذريّة , وَلَا يجزىء بَاطِن لَا ظَاهر لَهُ إِلَّا إِذا تعذّر بعجز أَو إِكْرَاه وَخَوف هَلَاك , فَتخلف الْعَمَل ظَاهرا مَعَ عدم الْمَانِع دَلِيل على فَسَاد الْبَاطِن وخلوّه من الْإِيمَان , ونقصه دَلِيل نَقصه , وقوته دَلِيل قوته ". انتهى

ويقول العلامة ابن القيم رحمه الله (اجتماع الجيوش 2/187) : " وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَهُمَا شَيْئَانِ وَنِظَامَانِ وَقَرِينَانِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ; لَا إِيمَانَ إِلَّا بِعَمَلٍ وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِإِيمَانٍ ". انتهى

فيكون قولهم (لا إيمان) نكرة منفية بلا التي تنفي الجنس فتقتضي نفي الإيمان مطلقًا
.
ثم يظهر حقيقة الإشكال عند الشيخ إبراهيم وفقه الله من خلال قوله في رده على الشيخ السناني وفقه الله : " نحن عندما نذكر القاعدة وهو أنه هذا تعريف للحقيقة المطلقة هو في مناقشة من ينازع الآن في التكفير بكل العمل " . انتهى

فلا أعلم أحدًا من المخالفين للشيخ إبراهيم سلمه الله ينازعه في التكفير بكل العمل, إلا إن قصد التفريق بين أعمال القلب وأعمال الجوارح , وأن وجود عمل القلب الواجب لصحة الإيمان وإن انتفى عمل الجوارح يصح معه أصل الإيمان , فيفترض وجود إيمان ضعيف في القلب لا يستلزم وجود شيء من أعمال الجوارح وقد قرر ذلك بقوله سلمه الله : " من قال أنه يتصور وجود إيمان واجب في القلب يعني حقق الواجب في القلب وأنه لا يثمر شيئاً من عمل الجوارح فأنه قال بقول المرجئة لكن تنبه لمقابل الكلام , فالكلام له مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة , فشيخ الإسلام لا يُنكر وجود إيمان في القلب ضعيف لا يثمر شيئا من عمل الجوارح على قول لبعض أهل السنة " . انتهى

ينبغي أن يُعرف أن ماهية إيمان الأصناف الثلاثة من حيث الجنس وهم (السابقون المقربون والمقتصدون والظالمون لأنفسهم) تشتمل على قول وعمل ولابد وهي الأجزاء الأربعة : قول القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح , فقول القلب وعمل القلب هو الباطن وقول اللسان وعمل الجوارح هو الظاهر , وبين الباطن والظاهر تلازم لا ينفك البتة في جميع أصناف أهل الإيمان وبحسب ما في الباطن يتبعه ولابد شيء من الظاهر, فقول القلب يتبعه قول اللسان وعمل القلب يتبعه عمل الجوارح .

يقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/554) : " الْعَمَلُ الظَّاهِرُ لَازِمٌ لِلْعَمَلِ الْبَاطِنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ وَانْتِفَاءُ الظَّاهِرِ دَلِيلُ انْتِفَاءِ الْبَاطِنِ " . انتهى

ويقول شيخ الإسلام (7 مجموع الفتاوى /645) : " الْقَلْبَ إذَا تَحَقَّقَ مَا فِيهِ أَثَرٌ فِي الظَّاهِرِ ضَرُورَةً لَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ".

وقال رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/187) : " الْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَعْرِفَةٌ وَإِرَادَةٌ سَرَى ذَلِكَ إلَى الْبَدَنِ بِالضَّرُورَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْبَدَنُ عَمَّا يُرِيدُهُ الْقَلْبُ " . انتهى

ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/221) : " إيمَانَ الْقَلْبِ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ الظَّاهِرَ بِحَسَبِهِ ". انتهى

ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/672) : " وَيَتْبَعُ الِاعْتِقَادَ قَوْل اللِّسَانِ وَيَتْبَعُ عَمَلَ الْقَلْبِ الْجَوَارِحُ " . انتهى

ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/306) : " الْإِيمَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَعْمَالٍ قَلْبِيَّةٍ تَسْتَلْزِمُ أَعْمَالًا ظَاهِرَةً " . انتهى

وقال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله : (معارج القبول 2/594) : " وَمُحَالٌ أَنْ يَنْتَفِيَ انْقِيَادُ الْجَوَارِحِ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مَعَ ثُبُوتِ عَمَلِ الْقَلْبِ " . انتهى

وذكر شيخ الإسلام قول أبي طالب المكي مقرًا له (مجموع الفتاوى 7/265) ونصه : " إذْ لَا يَخْلُو الْمُسْلِمُ مِنْ إيمَانٍ بِهِ يَصِحُّ إسْلَامُهُ وَلَا يَخْلُو الْمُؤْمِنُ مِنْ إسْلَامٍ بِهِ يُحَقِّقُ إيمَانَهُ مِنْ حَيْثُ اشْتَرَطَ اللَّهُ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْإِيمَانَ؛ وَاشْتَرَطَ لِلْإِيمَانِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ " . انتهى

فإن قيل : كل ما تقدم من نقولات في بيان التلازم ولزوم الظاهر من عمل الجوارح لما في الباطن هو في إيمان القلب الواجب الذي في الإيمان الكامل كمالاً واجباً , وليس في كل إيمان قلبي صحيح كمثقال الذرة ونحوها مما لا يعلم مقداره إلا الله تعالى !

أقول : جوابه من وجهين :
الأول : أن شيخ الإسلام رحمه الله في نقاشه للمخالفين في مسألة الإيمان إنما كان يتنزل مع خصومه بحسب مذاهبهم فإن كان يناقش الجهمية فتجده أحيانا يلزمهم فقط بإدخال النطق بالشهادتين, وأما إن كان نقاشه مع مرجئة الفقهاء فتجده يلزمهم بأعمال القلوب ثم يلزمهم بأعمال الجوارح أو موافقة الجهمية.

والوجه الأخر هو أن شيخ الإسلام يثبت التلازم في أصله وكماله , وقد ألزم مخالفيه ممن أقر بالتلازم منهم بقوله رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/579) : " فَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَك إنَّ الظَّاهِرَ لَازِمٌ لَهُ وَمُوجِبٌ لَهُ بَلْ قِيلَ: حَقِيقَةُ قَوْلِك إنَّ الظَّاهِرَ يُقَارِنُ الْبَاطِنَ تَارَةً وَيُفَارِقُهُ أُخْرَى فَلَيْسَ بِلَازِمِ لَهُ وَلَا مُوجِبٍ وَمَعْلُولٍ لَهُ وَلَكِنَّهُ دَلِيلٌ إذَا وُجِدَ دَلَّ عَلَى وُجُودِ الْبَاطِنِ وَإِذْ عُدِمَ لَمْ يَدُلَّ عَدَمُهُ عَلَى الْعَدَمِ وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِك " .انتهى

فإن كان شيخ الإسلام رحمه الله يذكر التلازم أحياناً في سياق الكلام عن الإيمان المطلق في مقابلة بدعة المرجئة فهذا لا ينفي إثباته للتلازم في أصل الإيمان أيضاً , وبما أن الإيمان في جنسه متماثل في جميع الأصناف فتجده يجادلهم بأصل واحد لازم لجميعهم يقول فيه رحمه الله كما في  (مجموع الفتاوى 14/120) :  " وَهُنَا " أُصُولٌ " تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا. مِنْهَا أَنَّ الْقَلْبَ هَلْ يَقُومُ بِهِ تَصْدِيقٌ أَوْ تَكْذِيبٌ وَلَا يَظْهَرُ قَطُّ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ نَقِيضُهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ؟ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَجُمْهُورُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ مُوجَبِ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَارِحِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ وَيُحِبُّهُ وَيُعَظِّمُهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ بِالْإِسْلَامِ وَلَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ بِلَا خَوْفٍ فَهَذَا لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي الْبَاطِنِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ كَافِرٌ ". انتهى

ويقول شيخ الإسلام (شرح العقيدة الأصفهانية ص196) : " الإرادة الجازمة في القلب إذا اقترنت بها القدرة حصل بها المراد أو المقدور من المراد لا محالة , - فإن - كانت القدرة حاصلة ولم يقع الفعل كان الحاصل هي لا إرادة جازمة ... كذلك التصديق الجازم إذا حصل في القلب تبعه عمل من عمل القلب لا محالة لا يتصور أن ينفك عنه بل يتبعه الممكن من عمل الجوارح فمتى لم يتبعه شيء من عمل القلب علم أنه ليس بتصديق جازم فلا يكون إيمانا " .انتهى

ومن هذا النقل العزيز يتبين غلط من يتصور أن الإرادة قد تضعف فيضعف بسببها العمل , والصواب أن الإرادة إذا كانت غير جازمة فلن يوجَد حينئذ العمل , وأما إذا كانت جازمة وانتفى المانع وجد العمل ضرورة بحسب التصديق المتضمن للمحبة والنية, وهذا في كل إيمان ولو كان مثقال ذرة أو أقل من ذلك مما لا يعلمه إلا الله جل وعز, فلا يُعتد بإرادة لا تثمر عمل ألبتة, ومن الغلط أصلًا أن يسمى هذا النوع غير المثمر عن العمل إرادة , ولكن هي مقدمات للإرادة ومنها الهم والخاطر والهاجس وحديث النفس وكلها لا يتعلق بها ثواب أو عقاب وقد جمعها الناظم في قوله :

مراتب القصد خمس هاجس ذكروا *** فخاطر فحديث النفس فاستمعا
يليه هم فعزم كلها رفعــــت *** سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا


والإرادة المعتبرة في وجود الفعل أو تركه بالكلية هي المرتبة الخامسة من مراتب القصد التي هي العزم الذي يؤاخذ بها في الفعل أو الترك الوجودي.

يقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 10/737) : " وَسَوَاءٌ سُمِّيَ هَمُّهُ : إرَادَةً أَوْ عَزْمًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ مَتَى كَانَ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ وَهَمَّ بِهِ وَعَزَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَلَيْسَتْ إرَادَتُهُ جَازِمَةً " . انتهى

ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/554) : " وَالصَّوَابُ أَنَّ الْقَلْبَ لَهُ عَمَلٌ مَعَ التَّصْدِيقِ وَالظَّاهِرُ قَوْلٌ ظَاهِرٌ وَعَمَلٌ ظَاهِرٌ وَكِلَاهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَاطِنِ " . انتهى

 فتأمل هنا جعله الاستلزام شامل لقول الظاهر وعمله , وهو نص في الرد على من يقول أن الباطن قد لا يستلزم إلا قول اللسان .

 ويقول شيخ الإسلام (شرح العقيدة الأصفهانية ص196) : " ولما كان إيمان القلب له موجبات في الظاهر كان الظاهر دليلا على إيمان القلب ثبوتا وانتفاء " . انتهى

وختامًا يُعلم من خلال تقريرات شيخ الإسلام رحمه الله المتقدمة بأنه يسلك في تقريره لمسألة مكانة عمل الجوارح من الإيمان مسلكًا مطردًا سواء كان سياق الكلام في الإيمان المطلق أو في مطلق الإيمان , ولا يصح بحال نسبة المذهب القائل بصحة أصل الإيمان بلا عمل الجوارح له رحمه الله وستأتي نصوصه الصريحة في نفي ذلك كما يلي :

يقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/554) : " ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ الْمَقْبُولِ يُمْكِنُ تَخَلُّفُ الْقَوْلِ الظَّاهِرِ وَالْعَمَلِ الظَّاهِرِ عَنْهُ ". انتهى

ونقل عن أبي طالب المكي مقرًا له (مجموع الفتاوى 7/ ) : " فَمَنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَعْمَالَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى عُقُودِ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ فَهُوَ مُنَافِقٌ نِفَاقًا يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ وَمَنْ كَانَ عَقْدُهُ الْإِيمَانَ بِالْغَيْبِ وَلَا يَعْمَلُ بِأَحْكَامِ الْإِيمَانِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَافِرٌ كُفْرًا لَا يَثْبُتُ مَعَهُ تَوْحِيدٌ " .انتهى

ويقول رحمه الله في (شرح العمدة ص86) : " فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل كما دل عليه الكتاب والسنة واجمع عليه السلف وعلى ما هو مقرر في موضعه فالقول تصديق الرسول والعمل تصديق القول فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا والقول الذي يصير به مؤمن قول مخصوص وهو الشهادتان فكذلك العمل هو الصلاة " . انتهى

ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/645) : " فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْقَلْبِ إيمَانٌ يُنَافِي الْكُفْرَ بِدُونِ أُمُورٍ ظَاهِرَةٍ: لَا قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ وَهُوَ الْمَطْلُوب " . انتهى

هذا والله أعلم وهو المسؤول أن يوفقنا وإخواننا ومشايخنا لكلمة سواء في هذه المضائق تجتمع عندها كلمة أهل السنة وينبذ فيها الخلاف وهو المستعان جل في علاه .

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله كثيرًا

وكتب / علي بن عمر النهدي
غرة ربيع الأول 1438

مناقشة الشيخ د. إبراهيم الرحيلي في مسألة مكانة العمل في الإيمان (1)


 
 

بسم الله الرحمن الرحيم
 

يقول الشيخ د. إبراهيم الرحيلي وفقه الله بعد أن ذكر تعريف الحقيقة الكاملة المطلقة للإيمان الشرعي : " ثمرة هذا التقرير أن بعض إخواننا يظن أن هذا التعريف تعريف للأصل! بحيث لو ذهب بعضه ذهب أصل الإيمان, هذا غير صحيح , بل هذا تعريف للحقيقة الكاملة ".انتهى

وقال سلمه الله : " إذا قلنا أن هذه هي الحقيقة الكاملة للإيمان التي يدخل فيها الإيمان المستحب والإيمان الواجب والإيمان الذي هو أصل , فإنه إذا ذهب بعض أجزاء هذه الحقيقة فإنه لا يُنفى الإيمان بالكلية ". انتهى

وقال الشيخ إبراهيم في سياق الإلزام للشيخ د. عصام السناني وفقهما الله : " الدكتور عصام إذا قال الإيمان اعتقاد وقول وعمل, هل تعتقد أن هذه الحقيقة هو تعريف لأصل الإيمان أو لكماله الواجب أو لكماله المستحب؟

فإذا قلت : هذا تعريف لأصل الإيمان وأن العبد إذا ترك شيئاً منه كفر , فهذا يستقيم تقريرك هنا على هذا الأصل أن تارك عمل الجوارح بالكلية أنه كافر, لأنك تُعرّف الإيمان بأنه اعتقاد وقول وعمل وتعني بذلك أصل الإيمان , هذا يستقيم! " . انتهى

ثم قال الشيخ الرحيلي وفقه الله : " يرد عليك إيراد وهو أنك أخرجت الأعمال المستحبة والأعمال الواجبة بعد الأركان من حقيقة الإيمان , فتكون هذه موافقة للمرجئة , لأن أهل السنة على أقصى أقوالهم في حد أصل الإيمان هو اعتقاد أن أركان الإسلام كلها من أصل الإيمان وأما ما بعد أركان الإسلام لم يقل أحد من الأئمة أن بر الوالدين أنه أصل من تركه فهو كافر! " .

وختم الإلزام وفقه الله بقوله : " فلا يسع هنا المتكلم إلا أن يقول – وهذا الذي ينبغي للدكتور أن يقرره – أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل , ونحن نعني بهذا التعريف الحقيقة الكاملة للإيمان الذي يدخل فيها أصل الإيمان وكماله الواجب وكماله المستحب " . انتهى

 

[مناقشة مجملة لأقوال الشيخ د. إبراهيم الرحيلي في مسألة مكانة عمل الجوارح في أصل الإيمان (مطلق الإيمان)]
 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..  أما بعد

شبهة المسألة

الشيخ إبراهيم وفقه الله قصر تعريف الإيمان الشرعي على الإيمان الكامل (الإيمان المطلق) وجعل الألف واللام في لفظة الإيمان في قول السلف : الإيمان قول وعمل واعتقاد تفيد الاستغراق ولا تفيد الجنس، ونشئت هذه الشبهة من فهم الناظر لحقيقة الإيمان من خلال خلاف السلف مع المرجئة الأوائل الذين آل نزاعهم مع السلف في الإيمان إلى الكلام في الإيمان المطلق أو كمال الإيمان الواجب لأنهم جعلوه حقيقة واحدة لا تتجزأ فلزمهم أن إيمان أحدهم كإيمان جبريل عليه السلام، فلما نازعهم السلف في ذلك وعرفوا الإيمان المطلق بكونه يشتمل على جميع الطاعات غير أنه ذو شعب تتفاضل وتتفرق بين أجزاءه الثلاثة وهي القول والعمل والاعتقاد، ففهم الناظر من ذلك أن الألف واللام في تعريف السلف للإيمان تفيد الاستغراق ثم قصره على ذلك. 

وهذا التعريف صحيح بالنسبة للدائرة الكبيرة في الإيمان وهي الإيمان المطلق ومستقيم في الرد على المرجئة ولكن إذا كان النزاع بين أهل السنة حول حقيقة الإيمان وحد أصله فلا ينبغي الاحتجاج بتعريف الإيمان المطلق، فمحل النزاع مختلف ويأتي السؤال :

هل مطلق الإيمان أو أصل الإيمان يدخل في تعريف السلف للإيمان بقولهم : هو قول، وعمل، واعتقاد؟

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [جامع المسائل (6/29) ط عالم الفوائد] تعليقًا على حديث (بني الإسلام على خمس .. الحديث) ما نصه : " *فإن الإسلام الذي في القلب لا يتمُّ(١) إلا بعمل الجوارح*، فكُنَّ مَبَانِيَ له ينبني عليها، فالمباني الظاهرة *تَحمِلُ الإسلامَ الذي في القلب كما يحمل الجسدُ الروح*َ، وكما تَحمِلُ العُمُدُ السقفَ، والقبةَ الأركانُ، فالإسلام الذي هو دين الله بني بمبعثِ محمد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على هذه الأركان، وإن كان بُني بمبعثِ غيره على أركان أخرى، إذ الإسلام الخاص المستلزم للإسلام العام الذي بعث به محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُني على هذه الخمسة ".انتهى

وقال رحمه الله : ‏" أصل الإيمان ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور *وجود* إيمان القلب الواجب *مع عدم جميع أعمال الجوارح* ". انتهى

(الإيمان لابن تيمية ص٤١٦)

___________________

(1) قال أبو البقاء الكفوي [الكليات ص454] : والتتميم يرد على الناقص فيتممه , والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله , إذ الكمال أمر زائد على التمام , والتمام يقابل نقصان الأصل , والكمال يطابق نقصان الوصف بعد تمام الأصل , ولهذا كان قوله تعالى {تلك عشرة كاملة} أحسن من { تامة } لأن التمام من العدد قد عُلم , وإنما احتمال النقص في صفاتها .انتهى

وقال أبو هلال العسكري في الفروق اللغوية (1838) : الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف , والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف ... ولهذا يقال: القافية تمام البيت، ولا يقال: كماله , ويقولون: البيت بكماله، أو باجتماعه . انتهى .

فوجود الفرق بين الكمال والتمام ظاهر , فالتمام يتعلق بذات الشيء وما يتم به وأما الكمال فيتعلق بأوصافه الزائدة عن أصله , ودليله قوله تعالى { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وقد أجمع أهل العلم على وجوب إتمام الحج والعمرة لمن شرع فيهما , ولا خلاف بين أهل العلم بأن الإتمام يحصل بالإتيان بالأركان المصححة لهما , ولا يلزم الإيتان بكمالهما , والدليل قوله عليه الصلاة والسلام : " فقد تم حجه وقضى تفثه " وذلك فيمن أتى بالأركان دون الكمال ، يقول شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى 3/465] : (( فَطَوَافُ الْوَدَاعِ لَيْسَ بِرُكْنٍ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ )) . انتهى

فظهر أن التام في كلام شيخ الإسلام يريد به , تمام الأصل الذي يصح به الإيمان , والنقص عن التام نقص من الأصل كما قاله علماء اللغة (والتمام يقابل نقصان الأصل , والكمال نقصان الوصف بعد تمام الأصل), فالأصل لا يصح إلا إذا تم .

فإذا تقرر هذا فتأمل في أقوال شيخ الإسلام رحمه الله : كما في مجموع الفتاوى (7/204) : ((وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ إيمَانَ الْقَلْبِ التَّامِّ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ الظَّاهِرَ بِحَسَبِهِ لَا مَحَالَةَ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِالْقَلْبِ إيمَانٌ تَامٌّ بِدُونِ عَمَلٍ ظَاهِرٍ ؛ وَلِهَذَا صَارُوا يُقَدِّرُونَ مَسَائِلَ يَمْتَنِعُ وُقُوعُهَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الِارْتِبَاطِ الَّذِي بَيْنَ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ)).

وفي نفس المجموع (7/540) : ((فَالْإِيمَانُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ : التَّصْدِيقِ بِالْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ فَهَذَا أَصْلُ الْقَوْلِ وَهَذَا أَصْلُ الْعَمَلِ . ثُمَّ الْحُبُّ التَّامُّ مَعَ الْقُدْرَةِ يَسْتَلْزِمُ حَرَكَةَ الْبَدَنِ بِالْقَوْلِ الظَّاهِرِ ، وَالْعَمَلُ الظَّاهِرُ ضَرُورَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ)).

وفيه أيضًا (7/616) : ((وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جِنْسَ الْأَعْمَالِ مِنْ لَوَازِمِ إيمَانِ الْقَلْبِ وَأَنَّ إيمَانَ الْقَلْبِ التَّامِّ بِدُونِ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مُمْتَنِعٌ سَوَاءٌ جَعَلَ الظَّاهِرَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ أَوْ جُزْءًا مِنْ الْإِيمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ)).  

والله أعلم وصل اللهم على نبينا محمد وسلم


وكتبه / علي بن عمر النهدي
22  صفر  1438

 

تعليقة على قولهم ( الشيخ الألباني وافق المرجئة )



بسم الله الرحمن الرحيم


تعليقة على قولهم ( الشيخ الألباني وافق المرجئة ) ..


الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وعبده   .... أما بعد :

هذه العبارة مجملة وهي تدل على معنيين:

إما الموافقة لهم في الاعتقاد.

أو الموافقة لهم في الألفاظ والعبارات.

فأما الأول فهو بهتان لا يقوم على حجة تنجي يوم التناد، والعاقل فضلاً عن صاحب الديانة عليه في أقل أحواله أن يتورع ويتهم نفسه في هذا الحكم فخصمه إمام من أئمة السنة وليس آحاد الناس، وبنيانه الذي بناه لا يقوم على أساس صحيح، فكل ما في الباب عبارات وألفاظ ودعاوى بعض المنتسبين للشيخ الألباني رحمه الله , وقد خالفهم كثير ممن عاصر الشيخ وخالطه من أقرانه أو ممن أخذ عنه وتتلمذ عليه , والنقاش ليس مع هذا الصنف لأن مجال الكلام والملام لا تكفيه هذه التعليقة.

وأما المذهب الثاني وهم الذين يقولون : الشيخ الألباني رحمه الله وافق المرجئة في اللفظ والعبارة، فكما أن للشيخ تقريرات صريحة توافق ما عليه أهل السنة بلا جدال في دلالتها، ولكن له في المقابل ألفاظ وعبارات موهمة وافق فيها تقريرات المرجئة الذين يُخرجون العمل من الإيمان وبها يصح قولنا أن الشيخ الألباني رحمه الله وافق المرجئة!

ولكن غفل هؤلاء عما ينبغي في هذه الحال ألا وهو حمل هذه العبارات على ما يُعرف عن الشيخ الألباني وعلى نصوصه الصريحة في المسألة , ثم على ما يعرف من حاله، وبعدها ننظر في العبارات وما يمكن أن تحمل عليه بما يوافق القول الحق المعروف عن أهل السنة ،  فإن لم نجد لها وجهاً حكمنا بأنها أخطاء لفظية لا ترقى إلى نسبة الشيخ بسببها إلى موافقة أصحاب هذا المذهب الرديء ونحن نعتقد سلامة عقيدته في الباب.

قال شيخ الإسلام رحمه الله في الجواب الصحيح (4/44) : ( فإنه يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتعرف ما عادته وما يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عرف عرفه وعادته في معانيه وألفاظه، كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده. وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه، وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ بجعل كلامه متناقضاً، وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفاً لكلامه عن موضعه، وتبديلاً لمقاصده وكذباً عليه). انتهى

ومن تأمل أقوال الشيخ ناصر المختلفة والتي ظاهرها التعارض وتطبيقاته العملية في التكفير علم مراد ومقصود الشيخ من عباراته وإطلاقاته واستقامته على مذهب أهل الحق كما يأتي بيانه .


فصلٌ في الفرق بين كون عمل الجوارح ركن أو لازم, وأن المحصل واحد من حيث دخوله في أصل الإيمان:

قال الكوثري في التأنيب (ص44-45) ما نصه : " كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، ويرمون بالإرجاء من يرى إن الإيمان هو العقد والكلمة ، مع أنه الحق الصراح بالنظر إلى حجج الشرع ". انتهى

وقال أيضا في التأنيب: "  وإما إذا عدوا العمل من كمال الإيمان فقط ، فلا يبقى وجه للتنابز والتنابذ ، لكن تشددهم هذا التشدد يدل على أنهم لا يعدون العمل من كمال الإيمان فحسب, بل يعدونه ركنًا أصليًا " . انتهى النقل من القائد للمعلمي انظر أثاره (11/556) .

فعلق الشيخ الألباني في مقدمة تخريجه لشرح الطحاوية (ص57) قائلًا : " وعليه فالسلف وأولئك الأئمة الصالحون (!) هم عنده على الباطل في قولهم : بأن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد وينقص. وقد نقل أبو غدة كلام شيخه ... مع بالغ إعجابه به . وظني به أنه يجهل - أن هذا التعريف للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح - مع ما فيه من المخالفة لما عليه السلف كما عرفت، مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم الذين ذهبوا إلى أن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار ! ... والكوثري في كلمته المشار إليها يحاول فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان لفظي ، ويشير بذلك إلى أن الأعمال ليست ركنًا أصليًا ، ثم يتناسى أنهم يقولون : بأنه يزيد وينقص ، وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقًا " . انتهى

ففي هذا النقل أمور :
- نفي الشيخ الألباني أن يكون الإيمان هو العقد والكلمة فقط.
- تنصيص الشيخ الألباني على أن ما عليه السلف مخالف لمن جعل الإيمان هو العقد والكلمة.
- نفي الشيخ الألباني لإيهام الكوثري للقراء بأن الخلاف بين السلف والحنفية لفظي ، بزعم الكوثري أن الأعمال عند السلف شرط كمال ، بالمعنى الأصولي للشرطية ، ومن هنا جعل الكوثري الخلاف لفظيًا بزعمه بين السلف والحنفية، وعلى هذا من المحال أن يكون مقصود الشيخ الألباني بشرط الكمال ما زعمه الكوثري وقد رده عليه الألباني بالزيادة والنقصان المتضمن نفي معنى الشرطية الأصولي.
- الشيخ الألباني ينفي كون عمل الجوارح ركناً أصلياً في الإيمان بحيث أنه يتعين عمل بعينه يكون مجرد فقده فقد للإيمان ، ولكنه يجعله لازماً غير منفك عن الإيمان لاتباطها بالزيادة والنقصان التي هي من أركان تعريف الإيمان عند أهل السنة ، ومن المعلوم أن كل من يقول بالزيادة والنقصان يلزمه إدخال عمل الجوارح في الإيمان، وأما كونه لازماً وليس ركناً فخلاف لفظي بين أهل السنة نص على ذلك شيخ الإسلام وسيأتي، لأن اللزوم حتمي الوجود بمعنى أنها لازم متمم (مكمل) لأصل الإيمان ،والفرق بين اللزوم والركنية أن الركن جزء مستقل بذاته وأما اللازم فهو تبع لملزومه .

وهذا معنى ما يدندن حوله الشيخ الألباني وينص عليه بقوله : " فأعمال الجوارح؛ هي أجزاء مكملة للإيمان ما هي أجزاء أصيلة من الإيمان، إنما كلما ازداد الإنسان عملًا صالحًا؛ كلما قوي هذا الإيمان الذي مقره القلب " .

وقوله : " أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح وأعمال الجوارح تبع , فكل مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه بل هو أصل العمل وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال " .

وقوله : " فهناك ارتباط وثيق جدًا بين العمل القلبي وبين العمل البدني، فكلما ازداد الإيمان في القلب كلما ظهرت آثاره على البدن، وكلما ازداد العمل بدنيًا، عاد بزيادة في الإيمان القلبي" .

فإثبات الشيخ الألباني (( الارتباط الوثيق جدًا )) بين القلب والبدن، وهو ما يسمى بالتلازم بين الباطن والظاهر وانتبه إلى الشيخ الألباني يثبته في أصل الإيمان، فهذا الإثبات واضح في إثبات جنس العمل أو مطلق العمل أو شيء من العمل - سمه ما شئت - وأنه من الإيمان ولابد ، ولكن الشيخ الألباني يجعل هذا الضرب من العمل جزءًا متممًا للأصل ، ولا يجعله ركنًا في الأصل . فمطلق عمل الجوارح أو جنسه أو الضرب منه عند الألباني جزءٌ لازمٌ متتمٌ للأصل إذا زال بالكلية استلزم زوال ملزومه الذي هو الأصل الموجود في القلب، ولا يجعله ركنًا من أركان الأصل ،بمجرد فقده ينتقض الإيمان.

فكون أعمال الجوارح ركنًا أصليًا في الإيمان أو كونها لازمًا لما في القلب من التصديق والإذعان ، هو خلاف بين أهل السنة، ومؤدى القولين واحد بالنسبة لإدخال الأعمال في الإيمان ، والحنفية وكل مرجئ ليسوا من أهل هذا الخلاف لإخراجهم العمل من الإيمان ابتداءا ونفيهم للزيادة والنقصان، فمن لم يجعل العمل ركنًا في الإيمان من أهل السنة ، جعله من لوازم الإيمان وبه تكون الزيادة والنقصان ، وهذا ما رد به الشيخ الألباني على الكوثري الذي أوهم بأن الخلاف لفظيًا لو كان العمل شرط كمال عند السلف فلا يكون ثمة خلاف معنوي بينهم وبين الحنفية!.

وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أكثر من موضع على صفة الخلاف اللفظي كما يلي :

فقال رحمه الله : (( إذَا تَبَيَّنَ هَذَا وَعُلِمَ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ مِنْ التَّصْدِيقِ وَالْحُبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْأُمُورَ الظَّاهِرَةَ مِنْ الْأَقْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ ؛ كَمَا أَنَّ الْقَصْدَ التَّامَّ مَعَ الْقُدْرَةِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُرَادِ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مَقَامَ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ فِي الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ مُوجِبِ ذَلِكَ وَمُقْتَضَاهُ زَالَتْ " الشُّبَهُ الْعِلْمِيَّةُ " فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا " نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ " فِي أَنَّ مُوجِبَ الْإِيمَانِ الْبَاطِنِ هَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّاهُ فَيَكُونُ لَفْظُ الْإِيمَانِ دَالًّا عَلَيْهِ بِالتَّضَمُّنِ وَالْعُمُومِ ؟ أَوْ هُوَ لَازِمٌ لِلْإِيمَانِ وَمَعْلُولٌ لَهُ وَثَمَرَةٌ لَهُ فَتَكُونُ دَلَالَةُ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ ؟ )) . اهـ [مجموع الفتاوى 7/757]

وقال رحمه الله : ((أَنَّكُمْ سَلَّمْتُمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ لَازِمَةٌ لِإِيمَانِ الْقَلْبِ فَإِذَا انْتَفَتْ لَمْ يَبْقَ فِي الْقَلْبِ إيمَانٌ وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ ؛ وَبَعْدَ هَذَا فَكَوْنُهَا لَازِمَةً أَوْ جُزْءًا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ)) . اهـ [ مجموع الفتاوى 7/203]

وقال رحمه الله : ((وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جِنْسَ الْأَعْمَالِ مِنْ لَوَازِمِ إيمَانِ الْقَلْبِ وَأَنَّ إيمَانَ الْقَلْبِ التَّامِّ بِدُونِ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مُمْتَنِعٌ سَوَاءٌ جَعَلَ الظَّاهِرَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ أَوْ جُزْءًا مِنْ الْإِيمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ)) اهـ [مجموع الفتاوى 7/616]

ويقول شيخ الإسلام (7/579) : (( فإن المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة ويقتضي ذلك والطاعة من ثمراته ونتائجه لكنها تنازع هل يستلزم الطاعة )) . انتهى .

يعني أن العلاقة بين طاعة الجوارح وبين إيمان القلب إما أن تكون علاقة تلازم أو تكون علاقة بين السبب والمسبب , والأول كشروق الشمس وطلوع النهار , أما الثاني فكحال الشجرة وثمرتها لا يلزم من وجود الشجرة وجود ثمراتها فقد توجد وقد لا توجد , فالأول مذهب أهل السنة والثاني مذهب المرجئة، والشيخ الألباني يقرر الحق دائما كما سترى في ما يلي عنه:

يقول الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله في [رد له على البوطي] : (( نعلم علم اليقين أنه كلما ازداد المسلم إتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم ازداد حبًا له, وأنه كلما ازداد حبًا له ازداد إتباعًا له صلى الله عليه وسلم, فهما أمران متلازمان كالإيمان والعمل الصالح تمامًا )) . اهـ

ويقول رحمه الله : (( فهناك ارتباط وثيق جدًا بين العمل القلبي وبين العمل البدني, فكلما ازداد الإيمان في القلب كلما ظهرت آثاره على البدن, وكلما ازداد العمل بدنيًا, عاد بزيادة في الإيمان القلبي )). انتهى

ويقول رحمه الله متحدثًا عن حقيقة الإيمان : (( الإيمان أولًا : لابد من أن يتحرك القلب بالإيمان بالله ورسوله؛ ثم لابد أن يقترن مع هذا الإيمان الذي وقر في القلب، أن يظهر ذلك على البدن والجوارح )) . انتهى

ويقول رحمه الله : (( لا أستطيع أن أتصور مؤمنًا وقد كان كافرًا, ثم آمن بالله ورسوله حقًا, مستحيل أن أتصور أنه سيبقى كما كان ... والسبب أن الإيمان كما قلنا يزيد وينقص .... فكلما قوي إيمان أحدهم, كلما قويت الآثار الصالحة الظاهرة في بدنه, وكلما ضعف هذا الإيمان أو قلت قوته على الأقل كلما كان الظاهر في بدنه قليلًا ... يصل لدرجة إذا نقص ذهب, وليس كل ناقص معناه ذهب )) .اهـ

وتأمل قول الشيخ ناصر (( يصل لدرجة إذا نقص ذهب )) فهذا لا يقوله المقررون لإيمان تارك عمل الجوارح بالكلية , فلازم قولهم أن أصل الإيمان لا ينتقض بعدم وجود أصل عمل الجوارح , وكذلك يلزمهم موافقة الطحاوي رحمه الله فيما قرره في عقيدته بقوله : " وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ " ومن توفيق الله جل وعز للشيخ الألباني رحمه الله تعليقه على مخالفة الطحاوي هذه فقال كما في تعليقاته على العقيدة الطحاوية في هذا الموطن : " الصواب فيه أنه متفاوت في أصله " فتنبه.

وبذلك يظهر أن الإشكال عند البعض في بحث الشيخ الألباني إنما هو في استعمالاته اللفظية لمصطلحات شرعية غير مألوفة وهو رحمه الله يعتمد في ذلك على مقولة " لا مشاحة في الاصطلاح " ، فيطلق اللفظ بأن كل ما يظهر على البدن شرط كمال أو كمال وهو يريد أن منها لوازم متممة للإيمان الذي أصله في القلب ، وبحسب مكانة الملزوم تكون مكانة اللازم ، فمن اللوازم ما يُتمم الأصل الذي به يصح الإيمان، ومنها ما يُتمم الواجب كمالًا واجبًا، ومنها ما يُتمم المستحب كمالًا مستحبًا، فالشيخ ناصر يريد أن يبين أن الجزء المتمم ليس أصليًا ، سواء كان متممًا للأصل أو لما فوق الأصل من الإيمان الواجب أو الإيمان المستحب.

ويؤكد هذا المعنى استفاضة تقرير الشيخ ناصر لأصلين يذكرهما في سياق واحد :
الأول : إن عمل الجوارح من الإيمان.
الثاني : استحالة وجود الإيمان بدون أعمال الجوارح ، وإنه متى وجد أحدهما وجد الآخر ضرورة ، وأن هذا معنى الزيادة والنقصان يستلزم ذلك.

وأما قوله رحمه الله بأن السلف فرّقوا بين العمل والإيمان , فله معنى صحيح يوافق الحق ويوضحه لنا شيخ الإسلام بما يوافق ما تقدم بيانه بنص واضح صريح منه رحمه الله يقول فيه كما في مجموع الفتاوى (7/198) : " وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ فِي مَوَاضِعَ فَهَذَا صَحِيحٌ ... وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ هُوَ مَا فِي الْقَلْبِ وَالْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ لَازِمَةٌ لِذَلِكَ, لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ إيمَانِ الْقَلْبِ الْوَاجِبِ مَعَ عَدَمِ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْجَوَارِح ". انتهى

فبما تقدم يتضح أن إلزام الشيخ الألباني رحمه الله بمعنى الشرطية عند الأصوليين ، أو بمعنى الكمال عند المرجئة كما فهمه المنتقدون غير لازم للشيخ وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية حين يقول : " لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَحْمِلَ كَلَامَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا عَلَى مَا عُرِفَ أَنَّهُ أَرَادَهُ لَا عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ فِي كَلَامِ كُلِّ أَحَدٍ " . انتهى

وبما تقدم يظهر خطأ نسبة الشيخ الألباني لموافقة المرجئة بمجرد ظاهر عباراته أو بمجرد نسبة ذلك له ممن ينتسب إليه من أصحابه ممن يقرر إيمان تارك أعمال الجوارح بالكلية , فضلا عن نسبة هذا القول له بلوازم أقواله وهو غلط بلا شك.

فكيف وقد خالفهم غيرهم كفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد البدر حفظه الله في مقال له بعنوان (الحق في نصوص الوعد والوعيد وسط بين طرفي الإفراط والتفريط) بعد أن وقف على نصوص الشيخ الألباني الواضحة الصريحة فقال ما نصه : " وإن مما يؤسف له أن يُبتلى عدد قليل من طلبة العلم بالنيل من الشيخ العلامة المحدث الألباني رحمه الله ووصفه بالإرجاء ... وقد وقفت في كلامه على ما يوضح سلامته من الإرجاء ... فما فيه إجمال واحتمال ينبغي أن يحمل على أحسن المحامل فيحمل على كلامه المفسَّر، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على البكري (ص 324): ((ومعلوم أن مفسر كلام المتكلم يقضي على مجمله، وصريحه يقدَّم على كنايته)) " . انتهى كلام الشيخ عبد المحسن سلمه الله.

وكذلك فضيلة الشيخ الدكتور فلاح مندكار حفظه الله وقد سألته عمن ينسب الشيخ الألباني لموافقة المرجئة فقال حفظه الله : " والله من عرف الألباني يعلم علم اليقين خطأ ذلك ". وأفاد حفظه الله بأن الموافقة لأهل البدع في الألفاظ قد تحصل،  بحيث نتوافق معهم في ألفاظ تفيد معاني صحيحة فيكونون هم الموافقون لنا ولا ينسب أهل السنة لموافقتهم ولا أرى حال الشيخ ناصر رحمه الله إلا هذه الحال ولكنهم لما يعرفوا وجهه والله المستعان " . وقد فصّل الشيخ فلاح حفظه الله ذلك في شرحه لرسالة الإمام أحمد بن حنبل في أصول السنة عند قول الإمام رحمه الله : " ومن ترك الصلاة فقد كفر , وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة " .

فهذان الشيخان ممن لازما الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله وينفيان عنه هذا القول جملة وتفصيلا وغيرهم كثير , فلا يصح الاعتماد على مخالفيهم من المنتسبين للشيخ الألباني رحمه الله وينبغي الرجوع لمجموع أقواله وتمحيصها وبذلك يظهر للمنصف صحة الدعوى أو فسادها .

والله اعلم وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.


وكتب / علي بن عمر النهدي
23 صفر 1437



الوصف: https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif