|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول
الشيخ د. إبراهيم الرحيلي وفقه الله بعد أن ذكر تعريف الحقيقة الكاملة المطلقة
للإيمان الشرعي : " ثمرة هذا التقرير أن بعض إخواننا يظن أن هذا التعريف
تعريف للأصل! بحيث لو ذهب بعضه ذهب أصل الإيمان, هذا غير صحيح , بل هذا تعريف
للحقيقة الكاملة ".انتهى
وقال
سلمه الله : " إذا قلنا أن هذه هي الحقيقة الكاملة للإيمان التي يدخل فيها
الإيمان المستحب والإيمان الواجب والإيمان الذي هو أصل , فإنه إذا ذهب بعض أجزاء
هذه الحقيقة فإنه لا يُنفى الإيمان بالكلية ". انتهى
وقال
الشيخ إبراهيم في سياق الإلزام للشيخ د. عصام السناني وفقهما الله : "
الدكتور عصام إذا قال الإيمان اعتقاد وقول وعمل, هل تعتقد أن هذه الحقيقة هو تعريف
لأصل الإيمان أو لكماله الواجب أو لكماله المستحب؟
فإذا
قلت : هذا تعريف لأصل الإيمان وأن العبد إذا ترك شيئاً منه كفر , فهذا يستقيم
تقريرك هنا على هذا الأصل أن تارك عمل الجوارح بالكلية أنه كافر, لأنك تُعرّف
الإيمان بأنه اعتقاد وقول وعمل وتعني بذلك أصل الإيمان , هذا يستقيم! " .
انتهى
ثم
قال الشيخ الرحيلي وفقه الله : " يرد عليك إيراد وهو أنك أخرجت الأعمال
المستحبة والأعمال الواجبة بعد الأركان من حقيقة الإيمان , فتكون هذه موافقة
للمرجئة , لأن أهل السنة على أقصى أقوالهم في حد أصل الإيمان هو اعتقاد أن أركان
الإسلام كلها من أصل الإيمان وأما ما بعد أركان الإسلام لم يقل أحد من الأئمة أن
بر الوالدين أنه أصل من تركه فهو كافر! " .
وختم
الإلزام وفقه الله بقوله : " فلا يسع هنا المتكلم إلا أن يقول – وهذا الذي
ينبغي للدكتور أن يقرره – أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل , ونحن نعني بهذا التعريف
الحقيقة الكاملة للإيمان الذي يدخل فيها أصل الإيمان وكماله الواجب وكماله المستحب
" . انتهى
[مناقشة
مجملة لأقوال الشيخ د. إبراهيم الرحيلي في مسألة مكانة عمل الجوارح في أصل الإيمان
(مطلق الإيمان)]
الحمد
لله والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد
شبهة المسألة
الشيخ
إبراهيم وفقه الله قصر تعريف الإيمان الشرعي على الإيمان الكامل (الإيمان المطلق)
وجعل الألف واللام في لفظة الإيمان في قول السلف : الإيمان قول وعمل واعتقاد تفيد
الاستغراق ولا تفيد الجنس، ونشئت هذه الشبهة من فهم الناظر لحقيقة الإيمان من خلال
خلاف السلف مع المرجئة الأوائل الذين آل نزاعهم مع السلف في الإيمان إلى الكلام في
الإيمان المطلق أو كمال الإيمان الواجب لأنهم جعلوه حقيقة واحدة لا تتجزأ فلزمهم أن
إيمان أحدهم كإيمان جبريل عليه السلام، فلما نازعهم السلف في ذلك وعرفوا الإيمان
المطلق بكونه يشتمل على جميع الطاعات غير أنه ذو شعب تتفاضل وتتفرق بين أجزاءه
الثلاثة وهي القول والعمل والاعتقاد، ففهم الناظر من ذلك أن الألف واللام في تعريف
السلف للإيمان تفيد الاستغراق ثم قصره على ذلك.
وهذا
التعريف صحيح بالنسبة للدائرة الكبيرة في الإيمان وهي الإيمان المطلق ومستقيم في
الرد على المرجئة ولكن إذا كان النزاع بين أهل السنة حول حقيقة الإيمان وحد أصله
فلا ينبغي الاحتجاج بتعريف الإيمان المطلق، فمحل النزاع مختلف ويأتي السؤال :
هل
مطلق الإيمان أو أصل الإيمان يدخل في تعريف السلف للإيمان بقولهم : هو قول، وعمل،
واعتقاد؟
يقول
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [جامع المسائل (6/29) ط عالم الفوائد] تعليقًا
على حديث (بني الإسلام على خمس .. الحديث) ما نصه : " *فإن الإسلام الذي في
القلب لا يتمُّ(١) إلا بعمل الجوارح*، فكُنَّ مَبَانِيَ له ينبني عليها، فالمباني
الظاهرة *تَحمِلُ الإسلامَ الذي في القلب كما يحمل الجسدُ الروح*َ، وكما تَحمِلُ
العُمُدُ السقفَ، والقبةَ الأركانُ، فالإسلام الذي هو دين الله بني بمبعثِ محمد
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على هذه الأركان، وإن كان بُني
بمبعثِ غيره على أركان أخرى، إذ الإسلام الخاص المستلزم للإسلام العام الذي بعث به
محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُني على هذه الخمسة ".انتهى
وقال
رحمه الله : " أصل الإيمان ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا
يتصور *وجود* إيمان القلب الواجب *مع عدم جميع أعمال الجوارح* ". انتهى
(الإيمان
لابن تيمية ص٤١٦)
___________________
(1)
قال أبو البقاء الكفوي [الكليات ص454] : والتتميم يرد على الناقص فيتممه ,
والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله , إذ الكمال أمر زائد على التمام , والتمام
يقابل نقصان الأصل , والكمال يطابق نقصان الوصف بعد تمام الأصل , ولهذا كان قوله
تعالى {تلك عشرة كاملة} أحسن من { تامة } لأن التمام من العدد قد عُلم , وإنما
احتمال النقص في صفاتها .انتهى
وقال
أبو هلال العسكري في الفروق اللغوية (1838) : الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف ,
والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف ... ولهذا يقال: القافية تمام البيت، ولا
يقال: كماله , ويقولون: البيت بكماله، أو باجتماعه . انتهى .
فوجود
الفرق بين الكمال والتمام ظاهر , فالتمام يتعلق بذات الشيء وما يتم به وأما الكمال
فيتعلق بأوصافه الزائدة عن أصله , ودليله قوله تعالى { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
لِلَّهِ } وقد أجمع أهل العلم على وجوب إتمام الحج والعمرة لمن شرع فيهما , ولا
خلاف بين أهل العلم بأن الإتمام يحصل بالإتيان بالأركان المصححة لهما , ولا يلزم
الإيتان بكمالهما , والدليل قوله عليه الصلاة والسلام : " فقد تم حجه وقضى
تفثه " وذلك فيمن أتى بالأركان دون الكمال ، يقول شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى
3/465] : (( فَطَوَافُ الْوَدَاعِ لَيْسَ بِرُكْنٍ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ
هُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ )) . انتهى
فظهر
أن التام في كلام شيخ الإسلام يريد به , تمام الأصل الذي يصح به الإيمان , والنقص
عن التام نقص من الأصل كما قاله علماء اللغة (والتمام يقابل نقصان الأصل , والكمال
نقصان الوصف بعد تمام الأصل), فالأصل لا يصح إلا إذا تم .
فإذا
تقرر هذا فتأمل في أقوال شيخ الإسلام رحمه الله : كما في مجموع الفتاوى (7/204) :
((وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ إيمَانَ الْقَلْبِ التَّامِّ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ
الظَّاهِرَ بِحَسَبِهِ لَا مَحَالَةَ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِالْقَلْبِ
إيمَانٌ تَامٌّ بِدُونِ عَمَلٍ ظَاهِرٍ ؛ وَلِهَذَا صَارُوا يُقَدِّرُونَ
مَسَائِلَ يَمْتَنِعُ وُقُوعُهَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الِارْتِبَاطِ الَّذِي بَيْنَ
الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ)).
وفي
نفس المجموع (7/540) : ((فَالْإِيمَانُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ هَذَيْنِ
الْأَصْلَيْنِ : التَّصْدِيقِ بِالْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ فَهَذَا أَصْلُ
الْقَوْلِ وَهَذَا أَصْلُ الْعَمَلِ . ثُمَّ الْحُبُّ التَّامُّ مَعَ الْقُدْرَةِ
يَسْتَلْزِمُ حَرَكَةَ الْبَدَنِ بِالْقَوْلِ الظَّاهِرِ ، وَالْعَمَلُ الظَّاهِرُ
ضَرُورَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ)).
وفيه
أيضًا (7/616) : ((وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جِنْسَ الْأَعْمَالِ مِنْ لَوَازِمِ
إيمَانِ الْقَلْبِ وَأَنَّ إيمَانَ الْقَلْبِ التَّامِّ بِدُونِ شَيْءٍ مِنْ
الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مُمْتَنِعٌ سَوَاءٌ جَعَلَ الظَّاهِرَ مِنْ لَوَازِمِ
الْإِيمَانِ أَوْ جُزْءًا مِنْ الْإِيمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ)).
والله
أعلم وصل اللهم على نبينا محمد وسلم
وكتبه
/ علي بن عمر النهدي
22
صفر 1438
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق