الخميس، 9 فبراير 2012

بيان فساد معارضة مقال (الشوكاني وهابيًا)


بسم الله الرحمن الرحيم


بيان فساد معارضة مقال (الشوكاني وهابيًا)

الحمد لله وحده مالك يوم الدين إياه أعبد وإياه أستعين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ,,, أما بعد :

فقد جرى مني جمع لكلام العلامة اليماني المشهور محمد بن علي الشوكاني (ت1250 هـ) المؤيد لعلماء الدعوة النجدية السلفية الإصلاحية في مسألة التكفير والقتال للمتلبسين بالشرك من المنتسبين للإسلام, وأهديته لراشد بن محمد الشريف الذي ادّعى مخالفة العلامة الشوكاني رحمه الله في ذلك, فنهض من أخفى اسمه فكان من المجاهيل - والمجهول لا يؤخذ عنه الدين - فزعم أنه قد نقض ما أثبته بمعارضته الضعيفة, ومن المعلوم أن الهدم أسهل من البناء, لذلك حاول هدم حكمي المبني على نصوص قاطعة للعلامة الشوكاني, بإيراده معارضة تفيد كون الشوكاني مخالفاً للسلفية في بعض الأصول, فحاد المجهول عن محل النزاع والذي هو : إثبات موافقة الشوكاني لأئمة الدعوة في استحقاق المشرك من أهل القبلة التكفير والقتال, فكان بذلك فقط ( وهابياً ) وذلك على مذهب المخالف في نبزه للدعوة النجدية السلفية المجاهدة للشرك والمشركين بالدعوة الوهابية.

فمن المعلوم أني وغيري ممن ينتسب إلى الدعوة السلفية ويَشرُف بموالاة أئمة الدعوة الإصلاحية النجدية السلفية, ننكر النسبة إلى الوهابية بمعنى أنها فرقة حادثة ونحلة باطلة, وإن كنا لا نرى ضيراً من الانتساب إلى عقيدة ومنهج الإمام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أئمة الهدى والدين المتابعين لسلف الأمة الميامين, فهم إخوة لعلات أمهاتهم شتى وسبيلهم واحد.

فالعلامة الشوكاني رحمه الله وافق أئمة الدعوة في مسألة استحقاق أهل الإشراك للقتال والتكفير, فمن هذه الجهة يكون وهابياً إلزاما للمخالف المدعي عكس ذلك, وحاشا العلامة الشوكاني رحمه الله أن يُنسب إلى التصوف عقيدة وطريقة, وغاية ما هنالك أن لفظة التصوف تطلق في كتب الأوائل ويراد بها الزهد والسلوك, ولا يراد بها مهالك تصوف الوحدة والحلول وتساوي الأديان, وهذا هو التصوف الشائع بين أكابر متصوفة عصرنا, وإن جهل ذلك جهالهم.
يقول الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله (رفع الاشتباه ص608) : " وقد اشتهر في هذا العصر بين الباحثين أن من العقائد الأساسية للتصوف تساوي الأديان " . انتهى  

نعم العلامة الشوكاني رحمه الله قد خالف في بعض المسلمات السلفية, ولكنه إمام مجتهد ومثله لا يخالف عن عناد وإعراض, بل نحسبه والله حسيبه قد استفرغ الوسع في طلب الحق وأخطأ الصواب, ومثله مثل البحر الهادر الذي تغوص في أمواجه قليل القاذورات, وكل إمام مجتهد حكمه حكمه في الأصول والفروع, كما قرر ذلك أئمة الدين سلفاً عن خلف.

يقول العلامة الشاطبي [الاعتصام (1/252,257) ط ابن الجوزي] : " لَا يَخْلُو الْمَنْسُوبُ إِلَى الْبِدْعَةِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِيهَا أَوْ مُقَلِّدًا .... فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَصِحَّ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا، فَالِابْتِدَاعُ مِنْهُ لَا يَقَعُ إِلَّا فَلْتَةً، وَبِالْعَرَضِ لَا بِالذَّاتِ، وَإِنَّمَا تُسَمَّى غَلْطَةً أَوْ زَلَّةً، لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَقْصِدْ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِ الْكِتَابِ، أَيْ لَمْ يَتَّبِعْ هَوَاهُ، وَلَا جَعَلَهُ عُمْدَةً . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ أَذْعَنَ لَهُ، وَأَقَرَّ بِهِ " ... ثم ضرب أمثلة ... ثم قال: " فَإِنْ ثَبَتَ عَنْهُ مَا قِيلَ فِيهِ، فَهُوَ عَلَى جِهَةِ الزَّلَّةِ مِنَ الْعَالِمِ، وَقَدْ رَجَعَ عَنْهَا رُجُوعَ الْأَفَاضِلِ إِلَى الْحَقِّ، لِأَنَّهُ بِحَسَبِ ظَاهِرِ حَالِهِ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ إِنَّمَا اتَّبَعَ ظَوَاهِرَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَتَّبِعْ عَقْلَهُ، وَلَا صَادَمَ الشَّرْعَ بِنَظَرِهِ، فَهُوَ أقرب إلى مُخَالَفَةِ الْهَوَى".انتهى باختصار

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية [مجموع الفتاوى (10/371-372)] : " أَنَّ مَا ثَبَتَ قُبْحُهُ مِنْ الْبِدَعِ وَغَيْرِ الْبِدَعِ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ الْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذَا صَدَرَ عَنْ شَخْصٍ مِنْ الْأَشْخَاصِ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يُعْذَرُ فِيهِ؛ إمَّا لِاجْتِهَادِ أَوْ تَقْلِيدٍ يُعْذَرُ فِيهِ وَإِمَّا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ كَمَا قَدْ قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَرَّرْته أَيْضًا فِي أَصْلِ " التَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ " الْمَبْنِيِّ عَلَى أَصْلِ الْوَعِيدِ. فَإِنَّ نُصُوصَ " الْوَعِيدِ " الَّتِي فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَنُصُوصَ الْأَئِمَّةِ بِالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُسْتَلْزَمُ ثُبُوتُ مُوجَبِهَا فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ.". انتهى

ولأهل العلم مأخذ دقيق في التفريق بين خطأ أهل الديانة والعلم وبين خطأ غيرهم من أصحاب الأهواء المعاندين للحجج والبراهين .
فيقول العلامة الشاطبي [الاعتصام (1/234-235)] : " فَالْمُبْتَدِعُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا ضَلَّ فِي أَدِلَّتِهَا حَيْثُ أَخَذَهَا مَأْخَذَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، لَا مَأْخَذَ الِانْقِيَادِ تَحْتَ أَحْكَامِ اللَّهِ. وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُبْتَدِعِ وَغَيْرِهِ ... خِلَافِ غَيْرِ الْمُبْتَدِعِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ الْهِدَايَةَ إِلَى الْحَقِّ أَوَّلَ مَطَالِبِهِ، وَأَخَّرَ هَوَاهُ إِنْ كَانَ, فَجَعَلَهُ بِالتَّبَعِ، فَوَجَدَ جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحاً في المطلب الذي بحث عنه، فركب الجادة إليه, وَمَا شَذَّ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكِلَهُ إِلَى عَالِمِهِ، وَلَا يَتَكَلَّفُ الْبَحْثَ عَنْ تَأْوِيلِهِ.
وَفَيْصَلُ الْقَضِيَّةِ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ مُبْتَدِعًا وَلَا ضَالًّا، وَإِنْ حَصَلَ فِي الْخِلَافِ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ.
أَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُبْتَدِعٍ فَلِأَنَّهُ اتَّبَعَ الْأَدِلَّةَ مُلْقِيًا إِلَيْهَا حِكْمَةَ الِانْقِيَادِ، بَاسِطًا يَدَ الِافْتِقَارِ، مُؤَخِّرًا هَوَاهُ، وَمُقَدِّمًا لِأَمْرِ الله. وَأَمَّا كَوْنُهُ غَيْرَ ضَالِّ فَلِأَنَّهُ عَلَى الْجَادَّةِ سَلَكَ، وَإِلَيْهَا لَجَأَ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا يَوْمًا فَأَخْطَأَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ بَلْ يَكُونُ مَأْجُورًا حَسْبَمَا بَيَّنَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ".انتهى

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية [القواعد النورانية (ص186-187)] : " وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء مع وجود الخلاف في قول كل منهما : أن العالم قد فعل ما أُمر به من حُسن القصد والاجتهاد, وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله, وإن لم يكن مطابقًا لكن اعتقادًا ليس بيقيني .... فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين, مع قصده للحق واتباعه لما أُمر باتباعه من الكتاب والحكمة, عُذر بما لم يعلمه, وهو الخطأ المرفوع عنا .
بخلاف أصحاب الأهواء فإنهم {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ}, ويجزمون بما يقولونه بالظن والهوى جزمًا لا يقبل النقيض, مع عدم العلم بجزمه, فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده لا باطنًا ولا ظاهرًا, ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده, ويجتهدون اجتهادًا لم يؤمروا به, فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه, فكانوا ظالمين شبيهًا بالمغضوب عليهم أو جاهلين شبيهًا بالضالين . فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض, ليس له غرض سوى الحق, وقد سلك طريقه.
وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عنه " . انتهى المقصود

ولتمام الفائدة اعلم أيها القارئ الكريم بأن المقتدي بغلط الأئمة لا يأخذ حكمهم في العذر, بل هو معرض للهلاك بعكس الإمام المقتدى به, لأن زلة العالم فتنة للتابع, والشريعة قد أمرته باتّباع الحق وترك الباطل, فإذا قامت عنده الحجة على خطأ متبوعه, ولم يجد ما يدفع تلك الحجة لزمه اتّباع الحجة وترك ما كان عليه من قول متبوعه, فإن تعامى عن ذلك وأصر على المخالفة وعاند كان من الهالكين ومتبوعه من المعذورين, فاللهم قد بلغت اللهم فاشهد.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " إذَا رَأَيْت الْمَقَالَةَ الْمُخْطِئَةَ قَدْ صَدَرَتْ مِنْ إمَامٍ قَدِيمٍ فَاغْتُفِرَتْ؛ لِعَدَمِ بُلُوغِ الْحُجَّةِ لَهُ؛ فَلَا يُغْتَفَرُ لِمَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ مَا اُغْتُفِرَ لِلْأَوَّلِ ". انتهى

ويقول العلامة ابن القيم في مناقشته للمقلدين المتعصبين : " فما يؤمنك أن يكون قد أخطأ فيما قلدته فيه وخالف فيه غيره. فإن قال: إنه إن أخطأ فهو مأجور. قيل له: هو مأجور لاجتهاده، وأنت غير مأجور؛ لأنك لم تأت بموجب الأجر، بل قد فرطت في الاتباع الواجب، فأنت مأزور.
فإن قال: كيف يأجره الله على ما أفتى به، ويثني عليه، ويذم المقلد له؟ قيل له: المقلَّد إن قصّر وفرّط في معرفة الحق مع قدرته عليه لحقه الذم والوعيد، وإن بذل جهده ولم يقصر واتقى الله ما استطاع فهو مأجور، وأما المتعصب الذي يجعل قول متبوعه عيارًا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزنها به، ما وافق قول مقلده منها قبله، وما خالفه رده، فهذا يذم ويلحقه الوعيد". انتهى

فاعلم رحمك الله أن السلفية هي السبيل الصحيح الوحيد لفهم الإسلام الذي أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم, وفي سلوك هذا السبيل النجاة الأكيدة من مصير الهالكين.
والسلفيون هم العاملون بمقتضى هذا السبيل وفيهم السابق بالخيرات وفيهم المقتصد وفيهم الظالم لنفسه.
وأما من فارق السلفية ممن لهم قدم صدق في الإسلام وهم ممن نرجو لهم النجاة, ف
لابد أن يكونوا ممن وافقوها في الجملة.
والفرق بين السالك للطريقة وبين من وافقها , أن الأول لزم الاتباع وترك الابتداع وسلك الجادة .
وأما الموافق لها في الجملة فلم يسلك طريقة من سلف من الصحابة ومن تبعهم بإحسان, لسبب من الأسباب, ولكنه اجتهد فوافق في شيء وخالف في غيره, مع صلاح النية, واستفراغ الوسع فكان معذورًا فيما خالف فيه, أو ناجيًا من الوعيد على ما قصّر وفرّط بشيء من المكفرات العشرة التي ذكرها أهل العلم في منع لحوق الوعيد بمن أذنب.

إذن فما وجه إيراد المجهول لمخالفات العلامة الشوكاني رحمه الله وما علاقتها بنقض موافقته لأئمة الدعوة في مسألة القتال والتكفير لأهل الإشراك ؟
ما هذا الفعل إلا حيدة ماكر ضعف عن محل النزاع فحاد إلى المعارضة المردودة وكان نقضه مكسورًا.
فإيراد هذا المجهول مخالفات الشوكاني رحمه الله لبعض المسلمات السلفية لا يفيد نقضًا - عند أهل العقول السليمة - لمذهبه في استحقاق أهل الإشراك من المنتسبين للإسلام للقتال والتكفير, فالواجب على قانون الجدل والمناظرة أن يأتي المخالف بحجة ناقضة في محل النزاع, ودون ذلك خرط القتاد .

يقول الراغب الأصفهاني رحمه الله [الذريعة إلى مكارم الشريعة ص562] : " واعلم أن سبيل إنكار الحجة والسعي في إفسادها أسهل من سبيل المعارضة بمثلها والمقابلة لها, ولهذا يتحرى الجَدِلُ الخصيم أبداً بالدفاع لا المعارضة بمثلها, وذلك أن الإفساد هدم وهو سهل, والإتيان بمثلها - أي الحجة - بناء وهو صعب, فإن الإنسان كما يمكنه قتل النفس الزكية وذبح الحيوان .. ولا يقدر على إيجاد شيء منها, يمكنه إفساد حجة قوية بضرب من الشبه المزخرفة ولا يمكنه الإتيان بمثلها ". انتهى

حجج تهافت كالزجاج تخالها ** حقاً وكل كاسر مكسور

فعلى المخالف أن يأتي بصريح ما زعم من تراجع العلامة الشوكاني عن موافقة أئمة الدعوة في مسألة استحقاق أهل الإشراك من أهل القبلة للقتال والتكفير, وهذا محل النزاع, والإ فليُكسر القلم .

والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين .

وكتبه / أبو طارق علي بن عمر النهدي.
8 ربيع الأول 1433 للهجرة على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم .

الأربعاء، 1 فبراير 2012

الشوكاني وهابيًا

بسم الله الرحمن الرحيم


الشوكاني وهابيًا




يقول الشوكاني في البدر الطالع (ص561-563) ترجمة الشريف غالب رحمهما الله : " فإن صاحب نجد تبلغ عنه قوة عظيمة لا يقوم لمثلها صاحب الترجمة فقد سمعنا أنه قد استولى على بلاد الحسا والقطيف وبلاد الدواسر وغالب بلاد الحجاز ومن دخل تحت حوزته أقام الصلاة والزكاة والصيام وسائر شعائر الإسلام ودخل فى طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز وصعدة غالبهم إما رغبة وإما رهبة وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئا ولا يقومون بشىء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على مافى لفظهم بها من عوج وبالجملة فكانوا جاهلية جهلاء كما تواترت بذلك الأخبار إلينا ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام ولقد أخبرنى أمير حجاج اليمن السيد محمد بن حسين المراجل الكبسى أن جماعة منهم خاطبوه هو ومن معه من حجاج اليمن بأنهم كفار وأنهم غير معذورين عن الوصول إلى صاحب نجد لينظر في إسلامهم فما تخلصوا منه إلا بجهد جهيد ... وتبلغنا عنه أخبار الله أعلم بصحتها من ذلك أنه يستحل دم من استغاث بغير الله من نبى أو ولى وغير ذلك ولا ريب أن ذلك, إذا كان عن اعتقاد تأثير المستغاث كتأثير الله, فهو كفرٌ يصير به صاحبه مرتدًا كما يقع فى كثير من هؤلاء المعتقدين للأموات الذين يسألونهم قضاء حوائجهم ويعولون عليه زيادة على تعويلهم على الله سبحانه ولا ينادون الله جل وعلا إلا مقترنا بأسمائهم ويخصونهم بالنداء منفردين عن الرب فهذا أمر الكفر الذى لا شك فيه ولا شبهة وصاحبه إذا لم يتب كان حلال الدم والمال كسائر المرتدين ومن جملة ما يبلغنا عن صاحب نجد أنه يستحل سفك دم من لم يحضر الصلاة فى جماعة وهذا إن صح غير مناسب لقانون الشرع نعم من ترك صلاة فلم يفعلها منفردا ولا فى جماعة فقد دلت أدلة صحيحة على كفره وعورضت بأخرى فلا حرج على من ذهب إلى القول بالكفر إنما الشأن فى استحلال دم من ترك الجماعة ولم يتركها منفردا وتبلغ أمور غير هذه الله أعلم بصحتها وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج وما أظن ذلك صحيحا فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب وكان حنبليا ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة فعاد إلى نجد وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخرى الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما وهما من أشد الناس على معتقدى الأموات وقد رأيت كتابا من صاحب نجد الذى هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب به على بعض أهل العلم وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة فالله أعلم بحقيقة الحال  وأما أهل مكة فصاروا يكفرونه ويطلقون عليه اسم الكافر وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة فناظر علماء مكة بحضرة الشريف فى مسائل تدل على ثبات قدمه وقدم صاحبه في الدين وفى سنة 1215 وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام حفظه الله أحدهما يشتمل على رسائل لمحمد بن عبد الوهاب كلها فى الإرشاد إلى إخلاص التوحيد والتنفير من الشرك الذى يفعله المعتقدون في القبور وهى رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة والمجلد الآخر يتضمن الرد على جماعة من المقصرين من فقهاء صنعاء وصعدة ذاكروه فى مسائل متعلقة بأصول الدين وبجماعة من الصحابة فأجاب عليهم جوابات محررة مقررة محققة تدل على أن المجيب من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة وقد هدم عليهم جميع ما بنوه وأبطل جميع ما دونوه لأنهم مقصرون متعصبون فصار ما فعلوه خزيا عليهم وعلى أهل صنعاء وصعدة". انتهى


قلت : الله أكبر وهكذا فليكن الإنصاف, تأمل كيف فرّق الشوكاني العالم بين فعل الأتباع الذين امتحنوا أمير الحج اليمني, وبين حال علماء الدعوة وأئمتها !
وفارق رحمه الله أهل الجهل المتشبهين بأهل الجاهلية الذين يشوهون أهل الحق بأفعال أتباعهم كما نص على ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسائل الجاهلية , المسالة الخامسة عشرة , ثم انظر لإنصاف العالم الشوكاني وكيف جعل مسألة القتل على ترك الصلاة مما يسوغ فيه الاجتهاد, واستبعد كونهم يقتلوا المتخلف عن الجماعة, بالرغم من أن أئمة الدعوة وإمامها قد نصوا بأنهم لا يقاتلون إلا على الشهادتين, فلا يثبت أنهم يقتلون على ترك الصلاة فضلا عن التخلف عن جماعتها كما وصل للشوكاني رحمه الله وهذا غيض من فيض من المفتريات والأكاذيب التي كانت تنقل عن أصحاب الدعوة السلفية آنذاك, والتاريخ يعيد نفسه والله المستعان .


ويقول الشوكاني الوهابي رحمه الله في كلام يؤيد فيه قتل أهل الإشراك: " وَمِمَّا أحكيه لَك أَنه كَانَ يبلغنِي وَأَنا فِي الطّلب للْعلم والاشتغال بِهِ مَا يصنعه أهل الْقطر التهامي من الِاجْتِمَاع لزيارة جُمُعَة من المعتقدين لديهم وَمَا يحدث مِنْهُم عِنْد ذَلِك من النهيق الَّذِي لَا يعود صَاحبه إِلَى الْإِسْلَام سالما, مَعَ عدم إِنْكَار من بِتِلْكَ الديار من الْعلمَاء, بل كَانَ الْكثير مِنْهُم يحْضرُون تِلْكَ المجامع وَيشْهدُونَ تِلْكَ الزيارات فَتكون الْمُنْكَرَات وَمَا يحدث من أَنْوَاع الشّرك بمرأى مِنْهُم ومسمع فَكتبت رِسَالَة إِلَى الْعلمَاء من أهل تِلْكَ الديار على يَد رجل من أهل الْعلم الراحلين إِلَى هُنَالك فَلَمَّا عَاد أَخْبرنِي بِمَا حصل من الاستنكار مِنْهُم لما كتبته إِلَيْهِم وَعدم الِاعْتِدَاد بِهِ والالتفات إِلَيْهِ فَقضيت من ذَلِك الْعجب.
ثمَّ لما ولى الْقَضَاء بِبَعْض البيادر التهامية بعض عُلَمَاء صنعاء الأكابر وشاهدُ من هَذِه الْمُنْكَرَات مَا حمله على أَن يحرر إِلَيّ سؤالا فأجبته برسالة مُطَوَّلَة سميتها (الدّرّ النضيد فِي إخلاص التَّوْحِيد) وأمرته أَن يكْتب نسخا ويرسلها إِلَى الْقُضَاة فِي تِلْكَ الديار فَفعل وَلم يُؤثر ذَلِك شَيْئا بل كتب كثير من عُلَمَاء تِلْكَ الديار على رسالتي مناقشات واعتراضات, فَلم تمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى نزل بهم السَّيْف وَهدم الله تِلْكَ الطواغيب وَذهب بِتِلْكَ الاعتقادات الْفَاسِدَة فَهِيَ الْآن صَافِيَة عَن تِلْكَ الْأُمُور الَّتِي كَانَ يتلوث بهَا أَهلهَا فَلَا يقدر أحد مِنْهُم أَن يستغيث بِغَيْر الله سُبْحَانَهُ أَو يُنَادي مَيتا من الْأَمْوَات أَو يجْرِي ذكره على لِسَانه وَلكنه لم يغسل أدرانهم ويذيب بالكدورات الَّتِي كَانَت تشوب صافي إسْلَامهمْ إِلَّا السَّيْف وَهُوَ الحكم الْعدْل فِي من استحكمت عَلَيْهِ نزعات الشَّيْطَان الرَّجِيم وَلم تردعه قوارع آيَات الرَّحْمَن الرَّحِيم". انتهى [انظر أدب الطلب ص217]

قلت : هذا السيف الممدوح هنا هو طبعا السيف الوهابي القامع للشرك والمشركين بتأييد العلماء الناصحين ومنهم الشوكاني رحمه الله ولولا الدعاية المغرضة الشنيعة الكاذبة والمفتريات الكثيرة لما توقف عالم عامل عن تأييدها .
والشوكاني أيضًا يطلق على القبور التي تدعا ويذبح لها بأنها طواغيت وهذه إجابة لمن يسأل عن معنى الطواغيت ! 

يقول الشوكاني الوهابي رحمه الله نافيًا وجود فرق بين عباد القبور وبين عباد الأصنام : " وإذا تقرر هذا فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات، أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه، إما استقلالا أو مع الله تعالى، وناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق، فلم يخلص التوحيد لله، ولا أفرده بالعبادة؛ إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه، ودفع الضر عنه هو نوع من أنواع العبادة. ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله، أو معه حجرا، أو شجرا، أو ملكا، أو شيطانا كما كانت تفعل ذلك الجاهلية، وبين أن يكون إنسانا من الأحياء، أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين. وكل عالم يعلم هذا ويقر به فإن العلة واحدة، وعبادة غير الله وتشريك غيره معه تكون للحيوان كما تكون للجماد وللحي كما تكون للميت ... فمن زعم أن ثم فرقا بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر وينفع، وبين من اعتقد من ميت من بني آدم، أو حي منهم أنه يضر أو ينفع أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلا الله فقد غلط غلطا بينا، وأقر على نفسه بجهل كبير؛ فإن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه.
ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكا بالصنم والوثن والإله، ليس فيه زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد، كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن؛ إذ ليس الشرك هو بمجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئا يختص به -سبحانه [وتعالى]،- سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية، أو أطلق عليه اسما آخر فلا اعتبار بالاسم قط. ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم .
وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها، واعتقاد أنها تضر وتنفع الاستغاثة بها عند الحاجة، والتقريب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور، فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله -سبحانه-، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبا منه، مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله، أو في مسجد من المساجد، أو قريبا من ذلك. وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبا، ولم يحلف بالميت الذي يعتقده، وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتا أو حيا عند استجلابه لنفع، أو استدفاعه لضر قائلا: يا فلان افعل لي كذا أو كذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك". انتهى المقصود [انظر الفتح الرباني (1/239)]

ويقول الشوكاني الوهابي رحمه الله تحت عنوان [كلمة التوحيد لا تكفي مجردة عن العمل] : " فإن قلت: إن المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها.
قلت: هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم، وخالفوها بأفعالهم، فإن من استغاث بالأموات، أو طلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله - سبحانه-، أو عظمهم، أو نذر عليهم بجزء من ماله، أو نحر لهم فقد نزلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال، فهو يعتقد معنى لا إله إلا الله، ولا عمل بها، بل خالفها اعتقادا وعملا، فهو في قوله: لا إله إلا الله كاذب على نفسه، فإنه قد جعل لها إلها غير الله يعتقد أنه يضر وينفع، وعبده بدعائه عند الشدائد، والاستغاثة به عند الحاجة، وبخضوعه له وتعظيمه إياه، ونحر له النحائر، وقرب إليه نفائس الأموال. وليس مجرد قول لا إله إلا الله من دون عمل بمعناها مثبتا للإسلام، فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية، وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلاما".انتهى[انظر الفتح الرباني (1/345)]

خاتمة ونصيحة من الشوكاني الوهابي رحمه الله إلى كل من يهّون من الشرك ومن حال أهله : " وعلى كل حال فالواجب على كل من اطلع على شيء من هذه الأقوال والأفعال التي اتصف بها المعتقدون في الأموات أن يبلغهم الحجة الشرعية، ويبين لهم ما أمره الله ببيانه، وأخذ عليهم الميثاق أن لا يكتمه، كما حكى ذلك لنا في كتابه العزيز، فيقول لمن صار يدعو الأموات عند الحاجات، ويستغيث هم عند حلول المصيبات، وينذر لهم النذور، وينحر لهم النحائر، ويعظمهم تعظيم الرب -سبحانه- أن هذا الذي تفعلونه هو الشرك الذي كانت عليه الجاهلية، وهو الذي بعث الله رسله هدمه، وأنزل كتبه في ذمه، وأخذ على النبيين أن يبلغوه عبادة أنهم لا يؤمنون حتى يخلصوا له التوحيد، ويعبدوه وحده، فإذا علموا هذا علما لا يبقى معه شك ولا شبهة، ثم أصروا على ما هم فيه من الطغيان والكفر بالرحمن وجب عليه أن يخبرهم بأنهم إذا لم يقلعوا عن هذه الغواية، ويعودوا إلى ما جاءهم به رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- من الهداية فقد حلت دماؤهم وأموالهم، فإن رجعوا وإلا فالسيف هو الحكم العدل كما نطق به الكتاب المبين، وسنة سيد المرسلين في إخوانهم من المشركين". انتهى [النظر الفتح الرباني (1/351)]


أبو طارق علي بن عمر النهدي
غرة ربيع الأول 1433 للهجرة على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأحسن تسليم.