الأربعاء، 1 فبراير 2012

الشوكاني وهابيًا

بسم الله الرحمن الرحيم


الشوكاني وهابيًا




يقول الشوكاني في البدر الطالع (ص561-563) ترجمة الشريف غالب رحمهما الله : " فإن صاحب نجد تبلغ عنه قوة عظيمة لا يقوم لمثلها صاحب الترجمة فقد سمعنا أنه قد استولى على بلاد الحسا والقطيف وبلاد الدواسر وغالب بلاد الحجاز ومن دخل تحت حوزته أقام الصلاة والزكاة والصيام وسائر شعائر الإسلام ودخل فى طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز وصعدة غالبهم إما رغبة وإما رهبة وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئا ولا يقومون بشىء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على مافى لفظهم بها من عوج وبالجملة فكانوا جاهلية جهلاء كما تواترت بذلك الأخبار إلينا ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام ولقد أخبرنى أمير حجاج اليمن السيد محمد بن حسين المراجل الكبسى أن جماعة منهم خاطبوه هو ومن معه من حجاج اليمن بأنهم كفار وأنهم غير معذورين عن الوصول إلى صاحب نجد لينظر في إسلامهم فما تخلصوا منه إلا بجهد جهيد ... وتبلغنا عنه أخبار الله أعلم بصحتها من ذلك أنه يستحل دم من استغاث بغير الله من نبى أو ولى وغير ذلك ولا ريب أن ذلك, إذا كان عن اعتقاد تأثير المستغاث كتأثير الله, فهو كفرٌ يصير به صاحبه مرتدًا كما يقع فى كثير من هؤلاء المعتقدين للأموات الذين يسألونهم قضاء حوائجهم ويعولون عليه زيادة على تعويلهم على الله سبحانه ولا ينادون الله جل وعلا إلا مقترنا بأسمائهم ويخصونهم بالنداء منفردين عن الرب فهذا أمر الكفر الذى لا شك فيه ولا شبهة وصاحبه إذا لم يتب كان حلال الدم والمال كسائر المرتدين ومن جملة ما يبلغنا عن صاحب نجد أنه يستحل سفك دم من لم يحضر الصلاة فى جماعة وهذا إن صح غير مناسب لقانون الشرع نعم من ترك صلاة فلم يفعلها منفردا ولا فى جماعة فقد دلت أدلة صحيحة على كفره وعورضت بأخرى فلا حرج على من ذهب إلى القول بالكفر إنما الشأن فى استحلال دم من ترك الجماعة ولم يتركها منفردا وتبلغ أمور غير هذه الله أعلم بصحتها وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج وما أظن ذلك صحيحا فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب وكان حنبليا ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة فعاد إلى نجد وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخرى الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما وهما من أشد الناس على معتقدى الأموات وقد رأيت كتابا من صاحب نجد الذى هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب به على بعض أهل العلم وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة فالله أعلم بحقيقة الحال  وأما أهل مكة فصاروا يكفرونه ويطلقون عليه اسم الكافر وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة فناظر علماء مكة بحضرة الشريف فى مسائل تدل على ثبات قدمه وقدم صاحبه في الدين وفى سنة 1215 وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام حفظه الله أحدهما يشتمل على رسائل لمحمد بن عبد الوهاب كلها فى الإرشاد إلى إخلاص التوحيد والتنفير من الشرك الذى يفعله المعتقدون في القبور وهى رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة والمجلد الآخر يتضمن الرد على جماعة من المقصرين من فقهاء صنعاء وصعدة ذاكروه فى مسائل متعلقة بأصول الدين وبجماعة من الصحابة فأجاب عليهم جوابات محررة مقررة محققة تدل على أن المجيب من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة وقد هدم عليهم جميع ما بنوه وأبطل جميع ما دونوه لأنهم مقصرون متعصبون فصار ما فعلوه خزيا عليهم وعلى أهل صنعاء وصعدة". انتهى


قلت : الله أكبر وهكذا فليكن الإنصاف, تأمل كيف فرّق الشوكاني العالم بين فعل الأتباع الذين امتحنوا أمير الحج اليمني, وبين حال علماء الدعوة وأئمتها !
وفارق رحمه الله أهل الجهل المتشبهين بأهل الجاهلية الذين يشوهون أهل الحق بأفعال أتباعهم كما نص على ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسائل الجاهلية , المسالة الخامسة عشرة , ثم انظر لإنصاف العالم الشوكاني وكيف جعل مسألة القتل على ترك الصلاة مما يسوغ فيه الاجتهاد, واستبعد كونهم يقتلوا المتخلف عن الجماعة, بالرغم من أن أئمة الدعوة وإمامها قد نصوا بأنهم لا يقاتلون إلا على الشهادتين, فلا يثبت أنهم يقتلون على ترك الصلاة فضلا عن التخلف عن جماعتها كما وصل للشوكاني رحمه الله وهذا غيض من فيض من المفتريات والأكاذيب التي كانت تنقل عن أصحاب الدعوة السلفية آنذاك, والتاريخ يعيد نفسه والله المستعان .


ويقول الشوكاني الوهابي رحمه الله في كلام يؤيد فيه قتل أهل الإشراك: " وَمِمَّا أحكيه لَك أَنه كَانَ يبلغنِي وَأَنا فِي الطّلب للْعلم والاشتغال بِهِ مَا يصنعه أهل الْقطر التهامي من الِاجْتِمَاع لزيارة جُمُعَة من المعتقدين لديهم وَمَا يحدث مِنْهُم عِنْد ذَلِك من النهيق الَّذِي لَا يعود صَاحبه إِلَى الْإِسْلَام سالما, مَعَ عدم إِنْكَار من بِتِلْكَ الديار من الْعلمَاء, بل كَانَ الْكثير مِنْهُم يحْضرُون تِلْكَ المجامع وَيشْهدُونَ تِلْكَ الزيارات فَتكون الْمُنْكَرَات وَمَا يحدث من أَنْوَاع الشّرك بمرأى مِنْهُم ومسمع فَكتبت رِسَالَة إِلَى الْعلمَاء من أهل تِلْكَ الديار على يَد رجل من أهل الْعلم الراحلين إِلَى هُنَالك فَلَمَّا عَاد أَخْبرنِي بِمَا حصل من الاستنكار مِنْهُم لما كتبته إِلَيْهِم وَعدم الِاعْتِدَاد بِهِ والالتفات إِلَيْهِ فَقضيت من ذَلِك الْعجب.
ثمَّ لما ولى الْقَضَاء بِبَعْض البيادر التهامية بعض عُلَمَاء صنعاء الأكابر وشاهدُ من هَذِه الْمُنْكَرَات مَا حمله على أَن يحرر إِلَيّ سؤالا فأجبته برسالة مُطَوَّلَة سميتها (الدّرّ النضيد فِي إخلاص التَّوْحِيد) وأمرته أَن يكْتب نسخا ويرسلها إِلَى الْقُضَاة فِي تِلْكَ الديار فَفعل وَلم يُؤثر ذَلِك شَيْئا بل كتب كثير من عُلَمَاء تِلْكَ الديار على رسالتي مناقشات واعتراضات, فَلم تمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى نزل بهم السَّيْف وَهدم الله تِلْكَ الطواغيب وَذهب بِتِلْكَ الاعتقادات الْفَاسِدَة فَهِيَ الْآن صَافِيَة عَن تِلْكَ الْأُمُور الَّتِي كَانَ يتلوث بهَا أَهلهَا فَلَا يقدر أحد مِنْهُم أَن يستغيث بِغَيْر الله سُبْحَانَهُ أَو يُنَادي مَيتا من الْأَمْوَات أَو يجْرِي ذكره على لِسَانه وَلكنه لم يغسل أدرانهم ويذيب بالكدورات الَّتِي كَانَت تشوب صافي إسْلَامهمْ إِلَّا السَّيْف وَهُوَ الحكم الْعدْل فِي من استحكمت عَلَيْهِ نزعات الشَّيْطَان الرَّجِيم وَلم تردعه قوارع آيَات الرَّحْمَن الرَّحِيم". انتهى [انظر أدب الطلب ص217]

قلت : هذا السيف الممدوح هنا هو طبعا السيف الوهابي القامع للشرك والمشركين بتأييد العلماء الناصحين ومنهم الشوكاني رحمه الله ولولا الدعاية المغرضة الشنيعة الكاذبة والمفتريات الكثيرة لما توقف عالم عامل عن تأييدها .
والشوكاني أيضًا يطلق على القبور التي تدعا ويذبح لها بأنها طواغيت وهذه إجابة لمن يسأل عن معنى الطواغيت ! 

يقول الشوكاني الوهابي رحمه الله نافيًا وجود فرق بين عباد القبور وبين عباد الأصنام : " وإذا تقرر هذا فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات، أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه، إما استقلالا أو مع الله تعالى، وناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق، فلم يخلص التوحيد لله، ولا أفرده بالعبادة؛ إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه، ودفع الضر عنه هو نوع من أنواع العبادة. ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله، أو معه حجرا، أو شجرا، أو ملكا، أو شيطانا كما كانت تفعل ذلك الجاهلية، وبين أن يكون إنسانا من الأحياء، أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين. وكل عالم يعلم هذا ويقر به فإن العلة واحدة، وعبادة غير الله وتشريك غيره معه تكون للحيوان كما تكون للجماد وللحي كما تكون للميت ... فمن زعم أن ثم فرقا بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر وينفع، وبين من اعتقد من ميت من بني آدم، أو حي منهم أنه يضر أو ينفع أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلا الله فقد غلط غلطا بينا، وأقر على نفسه بجهل كبير؛ فإن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه.
ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكا بالصنم والوثن والإله، ليس فيه زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد، كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن؛ إذ ليس الشرك هو بمجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئا يختص به -سبحانه [وتعالى]،- سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية، أو أطلق عليه اسما آخر فلا اعتبار بالاسم قط. ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم .
وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها، واعتقاد أنها تضر وتنفع الاستغاثة بها عند الحاجة، والتقريب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور، فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله -سبحانه-، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبا منه، مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله، أو في مسجد من المساجد، أو قريبا من ذلك. وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبا، ولم يحلف بالميت الذي يعتقده، وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتا أو حيا عند استجلابه لنفع، أو استدفاعه لضر قائلا: يا فلان افعل لي كذا أو كذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك". انتهى المقصود [انظر الفتح الرباني (1/239)]

ويقول الشوكاني الوهابي رحمه الله تحت عنوان [كلمة التوحيد لا تكفي مجردة عن العمل] : " فإن قلت: إن المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها.
قلت: هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم، وخالفوها بأفعالهم، فإن من استغاث بالأموات، أو طلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله - سبحانه-، أو عظمهم، أو نذر عليهم بجزء من ماله، أو نحر لهم فقد نزلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال، فهو يعتقد معنى لا إله إلا الله، ولا عمل بها، بل خالفها اعتقادا وعملا، فهو في قوله: لا إله إلا الله كاذب على نفسه، فإنه قد جعل لها إلها غير الله يعتقد أنه يضر وينفع، وعبده بدعائه عند الشدائد، والاستغاثة به عند الحاجة، وبخضوعه له وتعظيمه إياه، ونحر له النحائر، وقرب إليه نفائس الأموال. وليس مجرد قول لا إله إلا الله من دون عمل بمعناها مثبتا للإسلام، فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية، وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلاما".انتهى[انظر الفتح الرباني (1/345)]

خاتمة ونصيحة من الشوكاني الوهابي رحمه الله إلى كل من يهّون من الشرك ومن حال أهله : " وعلى كل حال فالواجب على كل من اطلع على شيء من هذه الأقوال والأفعال التي اتصف بها المعتقدون في الأموات أن يبلغهم الحجة الشرعية، ويبين لهم ما أمره الله ببيانه، وأخذ عليهم الميثاق أن لا يكتمه، كما حكى ذلك لنا في كتابه العزيز، فيقول لمن صار يدعو الأموات عند الحاجات، ويستغيث هم عند حلول المصيبات، وينذر لهم النذور، وينحر لهم النحائر، ويعظمهم تعظيم الرب -سبحانه- أن هذا الذي تفعلونه هو الشرك الذي كانت عليه الجاهلية، وهو الذي بعث الله رسله هدمه، وأنزل كتبه في ذمه، وأخذ على النبيين أن يبلغوه عبادة أنهم لا يؤمنون حتى يخلصوا له التوحيد، ويعبدوه وحده، فإذا علموا هذا علما لا يبقى معه شك ولا شبهة، ثم أصروا على ما هم فيه من الطغيان والكفر بالرحمن وجب عليه أن يخبرهم بأنهم إذا لم يقلعوا عن هذه الغواية، ويعودوا إلى ما جاءهم به رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- من الهداية فقد حلت دماؤهم وأموالهم، فإن رجعوا وإلا فالسيف هو الحكم العدل كما نطق به الكتاب المبين، وسنة سيد المرسلين في إخوانهم من المشركين". انتهى [النظر الفتح الرباني (1/351)]


أبو طارق علي بن عمر النهدي
غرة ربيع الأول 1433 للهجرة على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأحسن تسليم.

هناك تعليق واحد:

  1. جزاكم الله خيرا وبارك فيكم ونفع بكم شيخنا الفاضل

    ردحذف