الأربعاء، 28 مارس 2018

التذكير بسمت الصالحين في باب الحكام والسلاطين

بسم الله الرحمن الرحيم

( التذكير بسمت الصالحين في باب الحكام والسلاطين )

الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على نبيه المصطفى
أما بعد :

الأدلة والأثار الشرعية المنقولة في كتب السنة قاطعة بأنه ليس من سمات أهل الصلاح والإستقامة في عهد السلف الصالح منابذة الحكام وتناولهم بالسيف أو باللسان في غيبتهم همزا ولمزا وتحقيرا وإشاعة للمثالب .

فقد ثبت عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : " بايعنا رسول الله على ألا ننازع الأمر أهله " . صحيح البخاري
وعدم منازعتهم أمرهم يدخل فيه ، منازعتهم سياساتهم الاجتهادية وما ليس بمعصية بينة.

وثبت عن الصحابي الجليل أنس رضي الله عنه وقوله : " نهانا الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الأمراء " [السنة لابن أبي عاصم(ص:٤٨٨)وصححه الألباني] وسب جميع الناس منهي عنه وإنما خص الأمراء بمعنى عند وقوع المخالفات منهم.

وأزيد بما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما جوابا لمن سأله عن هذا الشأن فقال : " مر بالمعروف وانه عن المنكر ولا تغتب إمامك " .[التفسير من سنن سعيد بن منصور 746]

وهو نص سلفي في النهي عن غيبة الحكام ولمزهم.

لذا تقرر فيمن بعدهم وبعد عدة فتن خرج فيها من خرج من الصالحين بعذر وتأويل وانتهاءا بواقعة الجماجم :

" *إذا رأيت الرجل يدعو للسلطان فأعلم أنه صاحب سنة* " .

لأن هذا الدعاء للسلطان والكف عن تناوله ولو كان فاجرا هو المصلحة التي لم تر الشريعة غيره طريقا للتعامل مع هذا الفاجر حتى يستريح بر أو يستراح منه كما نص الإمام أحمد رحمه الله.

فولي أمر المسلمين جعلته الشريعة الإسلامية في مقام الوالد لأولاده فليتصور المكلف أنه قد قدر عليه أن يكون والده فاجرا متغلبا متسلطا عليه وعلى الأمة فكيف سيعامله وكيف سيرجو من الناس أن تعامله.

لا أظنه سيتناوله في كل مجلس بالهمز واللمز ولا سيرضى أن يفعل الناس ذلك مع والده وكل ذلك عند العاقل فضلا عن المؤمن لأنه مناف لإصلاح أبيه بل وفيه زيادة في شره وليس لمجرد العاطفة .

وقد ورد أثر عن أحد السلف بأن الحاكم في مقام الوالد وهو توصيف بليغ جدا.

وللأسف أنعكست الصورة في الأزمنة المتأخرة حتى أصبح من السمت اللازم لأهل الصلاح والاستقامة عند الكثير هو إظهار العداوة والبغضاء للحكام وأهل السلطة وتناولهم بالثلب ونشر مخالفاتهم ويفعلون ذلك تدينا وتقربا إلى الله تعالى بل ويعدونه من أجل الأعمال وأوجبها!

قال حرب الكرماني في مسائله (3/ 973 - 970) :
" هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها ... وقد ذكر منه :
وإن أمرك السلطان بأمر هو لله معصية فليس لك إن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه *ولا تمنعه حقه* " . انتهى
ومن حقوقه ترك سبه وتحقيره وغيبته وكل ما يضع من هيبة الولاية.

ويغفل الكثير من الناس عن أن هذا المسلك السلفي السوي هو علامة الاستقامة بين أهل الصلاح - والبحث فيهم لا في بقية الناس ممن تختلف أغراضهم - فلا يستطيع هذا المسلك تدينا وطاعة لله إلا من وفقه الله وأعانه على نفسه الأمارة فهو تكليف شديد يدل على دين وتقوى أهله لذا لم يتميز به إلا أهل السنة والجماعة لأنه ضد شهوة النفس التي لا تصبر عن الوقوع في الغير بغير حق فكيف إن كان ذلك ظاهره أنه بحق؟

والتأويل الفاسد أكثر ما يوقع الصالحين في الكبائر وهم لا يشعرون.

لذلك تقرر عند أهل السنة إساءة الظن بمن ديدنه الحديث عن السلطان بالسوء برا كان أو فاجرا حتى قالوا:

" *إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فأعلم أنه صاحب بدعة* " .

وأختم بما جاء في تاريخ الإسلام للذهبي (5/316) مما يؤكد ذلك في واقعهم :

" سمعت محمد بن أحمد بن الحداد الفقيه شيخنا يقول: سمعت منصور بن إسماعيل الفقيه يقول: كنت عند أبي زرعة القاضي، فذكر الخلفاء، فقلت له: أيها القاضي، يجوز أن يكون السفيه وكيلاً؟
قال: لا.
قلت: فولياً لامرأة؟
قال: لا.
قلت: فأميناً؟
قال: لا.
قلت: فشاهداً؟
قال: لا.
قلت: فيكون خليفة؟
قال لي: *يا أبا الحسن هذه من مسائل الخوارج !!* " . انتهى

يقصد رحمه الله أن هذه الطريقة وما فيها من همز ولمز بالسلطان ليست من طريقة أهل السنة والله المستعان وعليه التكلان وهو أعلم والحمد لله كثيرا.

وكتب / علي النهدي
رجب 1439

الأحد، 21 يناير 2018

بأي شرع أو بأي عقل يُخرج بالنساء للمدرجات الرياضية على هذه الحال يا أولياء أمورهن؟

بسم الله الرحمن الرحيم


( *بأي شرع أو بأي عقل يُخرج بالنساء للمدرجات الرياضية على هذه الحال يا أولياء أمورهن؟* )


قال صلى الله عليه وسلم : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ".

قال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}

فانظر يا مسلم ويا مسلمة لرعاية النبي صلى الله عليه وسلم لنساءه.

قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: " وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، *يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ*، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ "

وجاء في إحدى روايات هذا الحديث قولها رضي الله عنها :
" فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا قَالَ: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، *فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ* " .

وفي لفظ قالت رضي الله عنها : " وَدِدْتُ أَنِّي *رَأَيْتُ اللَّعَّابِينَ* - أي الحبشة الذين يلعبون برماحهم- قَالَتْ: «فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ *أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ*، وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ "

وقد جاء في حديث أخر عنها رضي الله عنها في قصة مسابقتها للنبي صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، *فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «تَقَدَّمُوا»* ، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالِ حَتَّى أُسَابِقَكِ» ، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ وَقَدْ جَمَعْتُ اللَّحْمَ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، *فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «تَقَدَّمُوا»* ، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالِ حَتَّى أُسَابِقَكِ» ، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَضَرَبَ بَيْنَ كَتِفَيَّ، وَقَالَ: «هَذِهِ بِتِلْكَ».

ففي نظر عائشة رضي الله عنها للعب الحبشة حجبها النبي صلى الله عليه وسلم بردائه وبجسمه حتى لم يبق لها ,ولا منها إلا ما بين إذنه وعاتقه لكي تنظر إلى هذا النظر المباح ولكي لا ترأها الأنظار.

وفي قصة المسابقة لم يسابقها النبي صلى الله عليه وسلم أمام أصحابه بل أمرهم بالتقدم وتأخر معها لفعل هذا الأمر المباح في كامل سترها عن أنظار الرجال الأجانب ولو كانوا الصحابة الأطهار المؤمنين وهي أمهم أم المؤمنين فكيف والملاعب تجمع جميع الأصناف بل يطغى عليها اليوم كثير من المحذرورات التي لا تخفى على ذي عقل فضلا عن ذي دين.

فالخروج بالنساء لمثل هذه الأماكن على حالتها المعلومة للعالم وللجاهل لا وجه مشروع له في جميع المذاهب الفقهية المعتبرة لعدم التمكن من المحافظة على سترهن وصيانتهن عن مجمع الرجال وعن أنظارهم ، فليس الحجاب مجرد جلباب أو غطاء بل من فريضة الحجاب المباعدة عن أنظار الرجال قدر الأماكن حال بروزهن.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ» صحيح ابن حبان.

فأين الحجاب والحشمة والحياء مما يحصل في حضور النساء للملاعب الرياضية اليوم مع هتك سترهن بتصوير اللقاءات لهن في أماكن مفتوحة ومقاعد متلاصقة ، ويجتمع فيها الرجال بالنساء بزعم وجود رب الأسرة من أب أو أخ أو زوج أو ابن وكأنه بذلك يحل لهذا الخارج بنساءه أن يرى نساء غيره ممن لا يحل له الاختلاط بهن أو النظر إليهن ويرى الأخر نساء الثاني !!

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله فقيه الشافعية في [الفتح (12/245)] : ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك . انتهى

وفي السير الكبير (1/204) مبحث إخراج الرجال لنساءهم معهم حال الغزو, يقول محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة رحمهما الله : " إن كان لابد من إخراجهن فالاماء دون الحرائر, لان حكم الاختلاط بالرجال في حق الاماء أخف ".انتهى

ومن تتبع حال المرأة المسلمة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد السنة الخامسة من الهجرة, لعلم أن الأمر استقر على تطبيق مقتضى فريضة الحجاب, المتضمنة ترك اختلاط النساء بالرجال غير المحارم *في الأماكن الخاصة والمحصورة* , كأماكن التعليم والصلاة والعمل, ولم تعتبر حُسن الظن في اجتماع النساء بالرجال غير المحارم, في صلاة الجماعة, وهم أطهر ما يكونون قلوبًا منهم خارج الصلاة, فباعدت الشريعة بينهم حال المصافة, وكان الرجال لا ينصرفون إلا بعد إنصراف النساء جميعهن, فباعدت بين الرجال والنساء في أشرف المواطن, فما دونه يكون أولى.

فكيف إذا كان السبب لذلك التنزه والترفيه !؟

فمن زعم غير ذلك فقد نسب التناقض للشرع المطهر, وإلا كيف يطلب الشارع الحكيم من الجنسين حال سؤال الحاجات من بعضهم البعض التخاطب من وراء حجاب, ثم يسمح بالاختلاط في الأماكن المحصورة ولأوقات معلومة كحال هذه المدرجات ؟

حاشا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم عن ذلك !

يقول ابن رشد الحفيد رحمه الله الفقيه المالكي [الجامع من المقدمات ص233] : " فإذا كثرت المناكير في الطرقات ... كمشي الرجال مع النساء الشواب يحادثونهن, وما أشبه ذلك من المناكير الظاهرة, وجب على الإمام تغييره جهده, بأن يولي من يجعل إليه تفقد ذلك والقيام به " . انتهى

ويقول الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله رحمة واسعة : " أقبح ما هنالك في الأخلاق ما حصل من الفساد في أمر اختلاط النساء بدعوى تهذيبهن وفتح المجال لهن في أعمال لم يخلقن لها، حتى نبذن وظائفهن الأساسية ... ودخولهن في بؤرات الفساد والرذائل، وادعاء أن ذلك من عمل التقدم والتمدن، فلا ـ والله! ـ ليس هذا (التمدن) في شرعنا وعرفنا وعادتنا، ولا يرضى أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان وإسلام ومروءة أن يرى زوجته أو أحداً من عائلته أو من المنتسبين إليه في هذا الموقف المخزي " .انتهى مختصرًا [المصحف والسيف ص322]

والله أعلم وهو المستعان

وكتب / علي بن عمر النهدي
جماد أول 1439

الاثنين، 2 أكتوبر 2017

خروج المرأة المسلمة من بيتها بين نظرتين

بسم الله الرحمن الرحيم

( *خروج المرأة المسلمة بين نظرتين* )

قال تعالى ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ) .

وقال جل وعز (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا).

فيتأكد البيان بأن ليس للمرأة حق ثابت كحق الرجل في الخروج والقيادة وغيرها من الأفعال خارج بيتها.

وإنما رخصت الشريعة للمرأة المسلمة المحتاجة للخروج من بيتها سواء للعمل أو لغيره  مع التزام الواجبات والتكاليف الشرعية الأخرى المبينة في النصوص الشرعية.

والدليل على ذلك :

قوله صلى الله عليه وسلم : " قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ " أخرجه البخاري في 65 كتاب التفسير.

وقوله عليه الصلاة والسلام : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " . أخرجه البخاري رقم 900 كتاب الجمعة.

فالرخصة للمساجد وتقييد الإذن بالحاجة دلالتهما واضحة في أن خروجها ليس كخروج الرجل وأن من تخرج لغير حاجة فهي معرضة نفسها للإثم بل وينبغي أن يؤخذ ذلك في الإعتبار عند سن قوانين التحرش التي لم تنجح في الدول المختلفة بسبب الغفلة عن ذلك.

والشريعة الإسلامية المحكمة لم تأذن للمرأة المسلمة بالخروج إلا بعد أن شرعت وفرضت التدابير اللازمة لمنع لوازم هذا الخروج ومفاسده ومنها :

قوله تعالى {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}.

وقوله تعالى {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}.

وقوله تعالى {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً}.

وقوله تعالى {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ }

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ» صحيح ابن حبان رقم 5601 كتاب الحظر والإباحة.

فقوانين التحرش وأهل الدنيا كلهم جميعا لن يحموا لها عفتها وشرفها وأمنها النفسي وعاطفتها المرهفة من مفاسد خروجها من بيتها فضلا عن مفاسد قيادتها ما لم تلتزم بأحكام الشريعة المحكمة وتتجنب مخالفتها جهدها .

وبما تقدم يظهر للمؤمنات بأن خروج المرأة لحاجتها لا يعني رفع الكلفة بينها وبين الرجال في النظر والكلام والمخالطة المباشرة وغير المباشرة بل تبقى المرأة ملزمة بكل أحكامها الشرعية ولا يسقط منها شيء بدعوى مشروعية خروجها لحاجتها .

فالمرأة إذا سقطت السقطة لا تعود إلى ما كانت عليه من خير وصلاح إلا ما شاء الله لأنها إنما تقاوم الإثم بعاطفتها المرهفة، وحيائها القوي، لا بعقلها وإذا انثلمت العاطفة انكسرت المرأة، وإذا انهتك الحياء سهل انحرافها.

فينبغي على واضعي قوانين التحرش تضمنيها الأحكام والعقوبات المشددة على مخالفة النساء لما أمرهن الله تعالى من أحكام الخروج من البيوت وهذا مقتضى العقل والنقل لمن تبصر.

وهذا مقتضى النظرة الشرعية الإسلامية لخروج المرأة بخلاف النظرة الغربية الليبرالية والتي تدعي أن حق المرأة في الخروج والعمل  مثل الرجل سواء بسواء لتحقيق ذاتها زعموا !

وبالتالي فمن التمييز الممنوع فصلها عن الرجال وتحديد عملها ونشاطها فضلا عن التزامها بأحكام الله تعالى بل يجب عندهم أن تعامل الرجال ويعاملهن الرجال كالرجال سواء بسواء وغير ذلك من التمييز فهو جريمة واضطهاد وهضم لحقوقها !!

وهذه النظرة مخالفة لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ونصائحه الحانية لنساء أمته وقد كان أحن وأرف بهن من كل من يدعو للنظرة الليبرالية المنحرفة.

وحكام هذه الدولة المباركة عندما بادروا لفتح الباب لعمل المحتاجات للعمل من النساء إنما انطلقوا من النظرة الشرعية وليس من النظرة الغربية الليبرالية.

 فيجب على من ولاه الله أمر أي مؤسسة أو شركة تعمل فيها النساء مراعاة الاجراءات والضوابط وفق الأحكام الشرعية المتقدمة ومراقبة تطبيقها على من تحتهم من الموظفين والموظفات وعدم التهاون في ذلك فهو من تمام الأمانة بل من صميمها.

والله ولي التوفيق.

وكتب / علي بن عمر النهدي
محرم 1439

الخميس، 4 مايو 2017

( هل القول بحمل المطلق على المقيد في أدلة النهي عن جر الثياب وإسبالها يقتضي الجواز ؟ )

( هل القول بحمل المطلق على المقيد في أدلة النهي عن جر الثياب وإسبالها يقتضي الجواز ؟ )


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،

أما بعد :

المشهور بين طلبة العلم أن أهل العلم والفقه اختلفوا في دلالة نصوص تحريم الإسبال وجر الثياب ما بين من حمل مطلقها على مقيدها وخالفهم آخرون فمنعوا هذا الحمل وأجروا التحريم في الإطلاق والتحريم لاختلاف الحكم والسبب.

وعند التحقيق يجد الناظر أن كثيرا ممن حملوا الأدلة المطلقة على المقيدة لم يقصدوا بذلك تقييد التحريم بقصد الخيلاء ، فهو أمر باطن، وإنما أرادوا إخراج الجر والإسبال غير المتعمد أو ما كان لحاجة أو لعذر من دخولها في النصوص المطلقة لئلا يشمل الوعيد هذه الأصناف وصنيع الإمام البخاري رحمه الله واضح في ذلك فقد جعل من صور الجر والإسبال لغير الخيلاء ما كان غير مقصود واستدل بحديث جر النبي صلى الله عليه وسلم لإزاره في حديث الكسوف وبحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه المشهور وأن إزاره يتفلت عليه ويسترخي.

وإليك أقوال لبعض الفقهاء ممن أعملوا قاعدة حمل المطلق على المقيد ومع ذلك نصوا على تحريم مطلق الإسبال وأن صاحبه مستحق للوعيد.

قال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (3/244) :
" وهذا الحديث يدل على أن من جر إزاره من غير خيلاء ولا بطر أنه لا يلحقه الوعيد المذكور ، غير أن *جر الإزار والقميص وسائر الثياب مذموم على كل حال* " انتهى .

وقال بعده 3/245
" فَفِي النَّارِ يَعْنِي أَنَّ هَذَا *مُسْتَحَقٌّ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ وَهُوَ عَالِمٌ بِالنَّهْيِ* مُسْتَخِفٌّ بِمَا جَاءَهُ عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ أَهْلُ الْعَفْوِ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَة .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَرَّ الْإِزَارِ مَذْمُومٌ عَلَى كُلِّ حال ... ما جاء عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ لِابْنِ ابْنِهِ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ واقد) : يَا بُنَيَّ ارْفَعْ إِزَارَكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاء)َ *أَلَّا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَقُلْ لِابْنِ ابْنِهِ هَلْ تَجُرُّهُ خُيَلَاء*َ " . انتهى

وقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ *مَا غَطَّى تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ سَاقَيْهِ بِالْإِزَارِ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ* وَقَالَ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَأَصْبَغُ مِثْلَهُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ لِهَذَا اللِّبَاسِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ وَالْمُبَاحُ أَنْ يَكُونَ إلَى الْكَعْبَيْنِ *وَالْمَحْظُورُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ* وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انظر المنتقى شرح الموطأ( 7/226 )


قال الباجي في المنتقى (9/314- 315): "وقوله صلى الله عليه وسلم الذي يجر ثوبه خيلاء يقتضي تعلق هذا الحكم بمن جره خيلاء، *أما من جره لطول ثوب لا يجد غيره (يعني لحاجة)، أو (عذر) من الأعذار فإنه لا يتناوله الوعيد*" . انتهى

وقال القرافي- رحمه الله- في الذخيرة (13/265): «*يحرم على الرجل أن يجاوز بثوبيه الكعبين* ، ويستحب أن يكون في أنصاف الساق إلى ما فوق الكعبين».

"وفي الذخيرة ما يفيد أن الزيادة التي تخرج صاحبها للخيلاء والكبر حرام ، وظاهره *ولو لم يقصد ذلك*" .
انظر حاشية العدوى على كفاية الطالب (4/348)

قال الشرنوبي في تقريب المعاني على متن الرسالة ص:225: «و المراد أن الجر من الرجل مظنة التكبر و العجب فلا ينافي أنه يحرم في حقه *ولو تجرد عن ذلك القصد*». انتهى

ويقول القسطلاني في شرحه للبخاري حديث الكسوف : " فيه أن الجر إذا كان بسبب الإسراع لا يدخل في النهي فيشعر بأن النهي يختص بما كان للخيلاء *فلا ذم إلا ممن قصد الخيلاء* لكنه *لا حجة فيه لمن أجاز لبس القميص الذي ينجر لطوله*  إذا خلا عن الخيلاء. انتهى

وقال المناوي الشافعي (فيض القدير 2/278) موضحا مناط ثمرة التقييد بالخيلاء : " والكلام في إسبال لغير ضرورة ".

وقال أيضا : (والمسبل إزاره) الذي يطوّل ثوبه ويرسله إذا مشى تيهاً وفخراً (خيلاء) أي *يقصد الخيلاء بخلافه لا بقصدها* ولذلك رخص المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في ذلك لأبي بكر حيث كان جره لغير الخيلاء. انتهى

فكلام المناوي واضح بأن الخيلاء راجع لنفس الإسبال لا لقصد الخيلاء الذي هو أمر باطن.

وهذا مبني على مسألة التعليل بالحكمة وعدم انضباطها وقيام المظنة مقامها كما ينص عليه أهل العلم.

قال القرافي (2/170) : " وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ لَا يُعْدَلُ إلَى الْمَظِنَّةِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ انْضِبَاطِ الْوَصْفِ دَائِمًا أَوْ فِي الْأَغْلَبِ " . انتهى

وجاء في (ص354 من شرح العمدة لابن تيمية رحمه الله ) : " والحكمة إذا كانت غالبة غير منضبطة ، علق الحكم بالمظنة وأقيمت مقام الحقيقة لوجودها معها غالبا ولعدم انضباطها كما أقيم النوم مقام الحدث " .

 والْقَصْد أَمر بَاطِن لَا يُوقف عَلَيْهِ فَلَا يتَعَلَّق الحكم لوُجُود حَقِيقَته بل يتَعَلَّق بِالسَّبَبِ الظَّاهِر الدَّال . قاله العيني في عمدة القاري (1/34) .

وقال الرازي في المحصول (2/29) : " الطلب النفساني أمر باطن فلا بد من الاستدلال عليه بأمر ظاهر والإرادة أمر باطن فهي مفتقرة إلى المعرف كافتقار الطلب إليه " . انتهى

وقد جاء عن السلف الماضيين ربط الخيلاء بالمشي مع الإسبال ونفي الخيلاء عن الإسبال من الواقف في الصلاة!

قَالَ الْخَطَّابِي: "ُّ رَخَّصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَمَالِكٍ .
قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونُوا فَرَّقُوا بَيْنَ إجَازَتِهِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَمْشِي فِي الثَّوْبِ وغيره يمشى عليه ويسبله وذلك من الخيلاء الْمَنْهِيُّ عَنْهُ " .انتهى
 انظر (المجموع 3/177)

فظهر من هذا أن الإسبال مع المشي خيلاء ولو زعم أنه غير قاصد للخيلاء فتأمل.
وأما الواقف في الصلاة فيظهر أن حكمه حكم من يسترخي عنه إزاره أو لأنه معذور بالصلاة.
قال أبوداود في مسائله ص60: " وَكَثِيرًا مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ يُصَلِّي سَادِلًا وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ كِسَاءٌ صَغِيرٌ مُرَبَّعٌ، فَكَانَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ طَرَفُهُ عَنْ عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ إِذَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، فَرُبَّمَا كَثُرَ عَلَيْهِ فَيَتْرُكُهُ. انتهى

وكلام شيخ الإسلام في شرح العمدة لم يخرج عن هذا وهذه نصوصه :

قال رحمه الله ص364:  " وهذه نصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المخيلة والمطلق منها محمول على المقيد *وإنما أطلق ذلك لأن الغالب أن ذلك إنما يكون مخيلة* " .انتهى

والإسبال المعفو عنه الذي خرج عن الغالب نص على حده فقال ص361 : " فأما أن كان على غير وجه الخيلاء بل كان على *علة* أو *حاجة* أو لم يقصد الخيلاء *والتزين بطول الثوب* *ولا غير ذلك* " .انتهى

قوله " ولا غير ذلك " تحتمل حصر صور العفو فيما تقدم وتحتمل (أو غير ذلك من الأعذار) والله أعلم.

وقال في موطن من هذا الشرح ص362: " فذم الله سبحانه وتعالى الخيلاء والمرح والبطر وإسبال الثوب تزينا موجب لهذه الأمور وصادر عنها " .انتهى

ونص في موطن أخر ص304 بأن إسبال أبي بكر الصديق رخصة كرخصة لبس الحرير وهذا نصه : " وتحمل إباحة النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن على تخصيصهما بذلك لعلمه بانتفاء مفسدة اللبس في حقهما كما شهد لأبي بكر أنه ليس ممن يجر ثوبه خيلاء " . انتهى

وهنا نقل عزيز عنه رحمه الله يؤكد أن اختياره التحريم للإسبال والجر كما في (الاقتضاء 1/383) فقد قال :
" الإسبال والجر منهيا عنه بالاتفاق والأحاديث فيه أكثر ، وهو محرم على الصحيح " .انتهى

فهنا حكى رحمه الله الاتفاق على ورود النهي عنهما ثم رجح بأن الصحيح أن النهي للتحريم وليس للتنزيه ولم يذكر قيد الخيلاء فتأمل وهو من أصرح المواطن التي تبين مذهب شيخ الإسلام في الإسبال.

وقال العظيم آبادي في عون المعبود  (11/97) :
" وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ إِسْبَالٍ مِنَ الْمَخِيلَةِ إِنْ فَعَلَهُ - أي الإسبال - قَصْدًا ، وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلَامَ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْفَتْحِ فَأَجَادَ وَأَصَابَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" . انتهى

وقد صح ذلك منصوص عليه في حديث الهجيمي رضي الله عنه وقوله صلى الله عليه وسلم : " فإن إسبال الإزار من المخيلة " . (سنن أبي داود ٤٠٨٤)

ويؤكده عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ»، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَهُ شِبْرًا»، قُلْتُ: إِذَا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ؟ قَالَ: «فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» (سنن النسائي ٥٣٣٦) وهو حديث صحيح.

هل في هذا الحديث أن كل جر هو خيلاء ؟
نعم فأم سلمة رضي الله عنها فهمت العموم وأن كل جر خيلاء ولو كانت مخطئة لبين لها نبي الله صلى الله عليه وسلم ذلك ولكنه أقرها وأرشدها لحد الخيلاء بالنسبة لهن وما يكفي لحاجة الستر.

قال الحافظ ابن حجر في رده على الفهم المرجوح لمقتضى حمل النهي المطلق على المقيد :
" وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْفَهْمِ - فهم أم سلمة رضي الله عنها - التَّعَقُّبُ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُطْلَقَةَ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْإِسْبَالِ مُقَيَّدَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى الْمُصَرِّحَةِ بِمَنْ فَعَلَهُ خُيَلَاءَ قَالَ النَّوَوِيُّ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ فِي تَقْيِيدِهَا بِالْجَرِّ خُيَلَاءُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّحْرِيمَ مُخْتَصٌّ بِالْخُيَلَاءِ وَوَجْهُ التَّعَقُّبِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ فِي اسْتِفْسَارِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ حُكْمِ النِّسَاءِ فِي جَرِّ ذُيُولِهِنَّ مَعْنًى بَلْ فَهِمَتِ الزَّجْرَ عَنِ الْإِسْبَالِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَنْ مَخِيلَةٍ أَمْ لَا فَسَأَلَتْ عَنْ حُكْمِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهِنَّ إِلَى الْإِسْبَالِ مِنْ أَجْلِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِأَنَّ جَمِيعَ قَدَمِهَا عَوْرَةٌ فَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ حُكْمَهُنَّ فِي ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ حُكْمِ الرِّجَالِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَقَطْ وَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَمُرَادُهُ مَنْعُ الْإِسْبَالِ لِتَقْرِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ عَلَى فَهْمِهَا إِلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ لَهَا أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ لِتَفْرِقَتِهِ فِي الْجَوَابِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْإِسْبَالِ وَتَبْيِينِهِ الْقَدْرَ الَّذِي يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ فِي حَقِّهِنَّ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الرِّجَال ... وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ *أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْجَرِّ خَرَجَ لِلْغَالِب*ِ ُِ".
انظر فتح الباري 10/259)

فائدة :
قال الطرطوشي (ت530) في الحوادث والبدع ص73:
١٠ - فصل
[شيعوعة الفعل لا تدل على جوازه]:
وإسبال الثوب تحت الكعبين شائع في بلاد أهل الإسلام، وهو حرام لا يجوز. انتهى

وفيه رد قديم على قول من قال أن شيوع الإسبال عرفا بين الناس أو حتى بين الفقهاء وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه.

وينبغي أن يعلم وهو الذي اقتضى التطرق للبحث:
 *أن مجرد ورود التقييد بالخيلاء في كلام الأئمة أو الفقهاء لا يلزم منه القول بإباحة الإسبال المتعمد بلا حاجة أو عذر* وإنما التقييد لإخراج كل جر أو إسبال غير مقصود وكان لعذر ظاهر أو لحاجة واضحة .

وإنما ينسب هذا القول الضعيف (جواز الجر والإسبال بزعم عدم قصد الخيلاء مع قصد الجر والإسبال) لمن نص عليه صراحة بدلالة نصية لا تحتمل كمشهور المذهب عند أصحاب الأئمة الأربعة وهو فيما ظهر مما تقدم أنه اجتهاد مرجوح ضعيف للأصحاب وفي أقوال بعضهم ما هو أضعف منه كالحكم بالكراهة التنزيهية على الجر للخيلاء!
وكذلك هو قول للشوكاني فيما أطلعت عليه والقول القوي الصحيح سابق لهم ومؤيد بالنقل ونصوص أهل العلم.

والله تعالى أعلم

كتب / علي بن عمر النهدي
رجب 1438

الاثنين، 3 أبريل 2017

كلمة في بيان اللبس في المصطلحات والفرق بين كفر العمل والكفر العملي وكفر الاعتقاد والكفر الاعتقادي **

** كلمة في بيان اللبس في المصطلحات والفرق بين كفر العمل والكفر العملي وكفر الاعتقاد والكفر الاعتقادي **


الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى

أما بعد ...

الكفر العملي أطلق في الشريعة على المعاصي والكبائر التي سميت كفرا ولم تخرج من الملة.

وأما كفر العمل فهو الكفر المخرج من الملة الواقع بعمل الجوارح المقترن به زوال عمل القلب ويظهر من خلال القول أو الفعل الظاهرين كالسجود أو الترك الكلي للصلاة أو الترك الكلي لحكم الله جل وعز.

وقد تقرر ذلك بين أئمة الدعوة كما في كتاب التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب* ص103 فيما نصه : " وترك الصلاة - يعني بالكلية - كفر عملي يشترك فيه عمل القلب والجوارح كالاستهانة بالمصحف وقتل الأنبياء لا ككفر سائر أعمال المعاصي التي لا تخرج عن الملة ". انتهى

ويقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله (أعلام السنة المنشورة ص100) في كفر العمل المخرج من الملة : " اعلم أنه ليس من الكفر العملي إلا من جهة كونه واقع بعمل الجوارح فيما يظهر للناس، ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب،  ونحن لم نعرف الكفر الأصغر بالعملي مطلقا " . انتهى بتصرف واختصار

فليس الأمر كغلط من غلط وظن أن كفر العمل لا يقع إلا بالاعتقاد ونشأ ذلك من عدم التفريق بين كفر الاعتقاد وبين ما يسميه العلماء كفرا اعتقاديا وهو واقع بأعمال الجوارح.

فكفر الاعتقاد يشمل الإنكار والجحود والتكذيب والاستحلال والنفاق والشك وهو كفر مستقل يضاد وينافي قول القلب.

وكذلك كفر العمل متعلقه عمل القلب وليس متعلقه الاعتقاد (قول القلب) الذي لا تثبت المرجئة غيره في مسمى الإيمان فلا يكون عند المرجئة الكفر إلا بزوال قول القلب وأما عمل القلب فلا تعلق له بالكفر والإيمان عندهم.

وأما أهل السنة فمتى وقع الكفر بالعمل حكموا بأنه من الكفر المخرج من الملة ولا يقال لابد أن يعتقد فاعله، بل ظاهره الردة مطلقا، وهذا من حيث الكلام عن حكم الفعل وليس الكلام في الحكم على الفاعل وهو الذي يرد فيه مبحث توافر الشروط وانتقاء الموانع أو مبحث الاستتابة.

وقد سئل الشيخ الألباني رحمه الله عن الطائف حول القبر كما في (شريط رقم 2 من رحلة النور)** والطواف على القبور عند الشيخ من كفر العمل المخرج من الملة وهل يسأل الطائف عن اعتقاده؟  قال: لا . لا يسأل فعمله كفر ردة. انتهى

وأما مصطلح الكفر الاعتقادي فهو يطلق على كل كفر مخرج من الملة سواء وقع بالقول أو العمل أو الاعتقاد .

فمن اشترط مثلا للتكفير بالسجود للصنم الاستحلال أو الاعتقاد فهو كمن يقول لا يكفي الفعل حتى نعرف اعتقاد هذا الفاعل وهذا باطل وهو كذلك أيضا في مسألتي ترك الصلاة بالكلية وترك الحكم بالكلية فمن ترجح عنده التكفير بهما بما أنهما فعلان وجوديان لا يقعان إلا مع زوال عمل القلب كالسجود للصنم والسب لله جل وعز فلا يشترط في كل هذا الاعتقاد أو الاستحلال وإلا فلم يضبط الفرق بين المصطلحات.

نعم قد يطلق العلماء مصطلح الاعتقاد على عمل القلب المقارن لكفر العمل ولكنهم لا يعنون به الاستحلال أو الجحود ونحوها والتي هي من نواقض قول القلب وهذا هو  المراد بقول من قال : لا كفر إلا باعتقاد من أهل السنة.

" كما يكون الكفر بالاعتقاد يكون أيضاً بالقول كسب الله أو رسوله أو دينه أو الاستهزاء به قال تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وبالفعل أيضاً كإلقاء المصحف في القاذورات والسجود لغير الله ونحوهما. وهذان وان وجدت فيهما العقيدة فالقول والفعل مغلبان عليها لظهورهما ". انتهى
(انظر التوضيح عن توحيد الخلاق ص101) .

وأما ما ورد عند بعض العلماء من أن أصل الكفر مرده إلى الجحود فهذا بمعنى أن كل كفر لازمه الجحود وإنكار الرسالة ولم يعنو حصر التكفير فيه كما فهم من ذهب يستشهد به .

والله أعلم


وكتب / علي بن عمر النهدي
منتصف جماد الأخر 1437


__________________________
 * كتاب : (التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبدالوهاب) ، أختلف في نسبته ولأهل العلم في ذلك خمسة أقوال :

القول الأول : أنَّ الكتاب للإمام سليمان بن عبدالله صاحب تيسير العزيز الحميد.
وقال به : الشيخ : عبدالرحمن آل الشيخ.

والقول الثاني : أنَّ الكتاب للشيخ : محمد بن علي بن غريب.
وقال به : فضيلة الشيخ : عبدالله البَسَّام.

القول الثالث : أنه للإمام : عبدالله ابن شيخ الإسلام.
وقال به : الشيخ : محمد بن عثمان القاضي.

القول الرَّابع : أنه للعلامة : حمد بن مُعَمَّر.
وقال به : الشيخ : فوزان السابق.

القول الخامس : أنَّ الكتاب لثلاثةٍ من علماء الدعوة بالاشتراك ، وهم :
محمد بن علي بن غريب ، وحمد بن مُعَمَّر ، وعبدالله ابن شيخ الإسلام رَحِمهمُ الله.
وقال به : فضيلة الشيخ : عبدالرحمن الصنيع ، ونقل ذلك عن : محمد بن عبداللطيف ، وابن مانع. انتهى المقصود

المصدر : من كتاب (الإمام المحدث سليمان بن عبدالله آل الشيخ - حياته وآثاره) لمحمد الشمراني.


** نص هذه الفتوى من شريط رحلة النور 2 : فقد سئل الشيخ الألباني رحمه الله : ما حكم الطواف بالقبور ؟ أجاب الشيخ الألباني رحمه الله بقوله : " الطواف بالقبور شرك لا شك في ذلك ولا ريب ... فإذا طاف الطائف حول القبر فمعنى ذلك أنه نقل عبادة هي لله وحده لا شريك له إلى ذلك المقبور ... فمن وجه عبادة من العبادات التي تعبد بها الله عز وجل عبادة إلى غيره عز وجل فقد أتخذه معه إلهاً .
فقال سائل : هل نسأل الطائف هل يعتقد أم لا أم ظاهره أنه شرك ؟
فأجاب الشيخ بقوله : " هذا سؤال حينما يراد إقامة الحد عليه لأنه بهذا العمل يرتد فإذا كان هناك من يقيم الحد أي القتل على المرتد حينذاك هذا الإنسان يؤتى به فيستتاب , لا يُسأل تعتقد أو لا تعتقد؟!
لأن عمله برهان على عقيدته إنما يستتاب بعد أن تقام عليه الحجة , أن هذا الطواف هو لبيت الله فقط عبادة وخضوع لله كالسجود لا فرقفلو أن إنساناً سجد لشيخ له أو أمير له فهذا لا يُسأل لماذا أنت تسجدوهل تعتقد أن هذا يستحق التعظيم ؟
لأن فعله يدل على التعظيم لكنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ". انتهى

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

مناقشة الشيخ د. إبراهيم الرحيلي في مسألة مكانة العمل في الإيمان (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده  ... أما بعد :

هذه مناقشة مفصّلة فيها محاولة لبيان ما أجملته في مناقشتي المجملة السابقة لفضيلة الشيخ د. إبراهيم الرحيلي سلمه الله والتي زادها الإجمال للأسف إشكالا وخفي بذلك المراد أميالا , وذلك بسبب ضعف البيان والتبعة عليّ في ذلك , مما حدا بالشيخ الرحيلي وفقه الله التعقيب صوتيًا كما هو منشور في موقع المحجة السلفية , لذا تعين عليّ التفصيل لما تم إجماله لعل به يتبين للشيخ وفقه الله المراد.
 
قال فضيلة الشيخ د. إبراهيم الرحيلي وفقه الله : " أن مسائل الدين والشرع لا ينبغي الدخول فيها بنظر مجرد لمسألة مبناها على اللغة أو على أمر من الأمور التي يصورها العقل مجرد تصور ذهني أو عقلي أو بناء على قاعدة لغوية يذكرها علماء اللغة " . انتهى

هذا ولله الحمد والمنّة مقررٌ ومعلوم ولا أدري محله في الإستدراك على مناقشتي للشيخ وفقه الله , إلا إلزامي له وفقه الله بتعيين مراده في تعريف حد الإيمان الشرعي, وهل تعريفه باعتبار الجنس أو باعتبار استغراق أفراد الجنس أو باعتبار استغراق خصائص وصفات أفراد الجنس وهذه من أنواع الدلالات اللفظية لـ ال التعريف .

وهذا البحث ليس هو من النظر المجرد بناءاً على اللغة أو على قاعدة لغوية محضة أو بتصور ذهني عقلي محض كما قدم الشيخ وفقه الله , وإنما هو بيان وجه التعريفات وألفاظها ودلالاتها وهذا من البيان وزيادة في العلم , " فدَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا سَمْعِيَّةً عَقْلِيَّةً " . كما قرره شيخ الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى 20/ 496) .

ومثاله : قوله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } .
وقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} .
وقول َالشَّاعِرُ :
واشْهَدْ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا .

فهنا ثلاث إطلاقات للحج , مختلفة المعاني فالأول : معناه وقت الحج , والثاني والثالث : معناهما الحج الشرعي المعهود , والرابع : معناه لغوي محض وعرفناه بالإضافة وقُيد بحج سب الزبرقان .

فالتقدير و ال التعريف والإضافة قرائن لفظية خَصَّصت وَمَيَّزَت وَقَطَعَت الِاشْتِرَاكَ .

والشيخ د. إبراهيم جاء في رده الصوتي على الشيخ د. عصام السناني وفقهما الله ما نصه : " لابد هنا إذا أردنا تحرير المسألة أن نعرف المحدود , نحن عرفنا الحد هنا الذي لا نزاع بيننا فيه , وهو : أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل .
لكن هذا التعريف هل هو لأصل الإيمان ؟ أو للإيمان الواجب ؟ أو للإيمان الكامل ؟

فأجاب وفقه الله هنا بقوله : " هذا التعريف للإيمان الكامل , وهذا الأصل في كل التعريفات أنها جامعة مانعة " . انتهى

وهذا ما شجعني على الكتابة ومحاولة لفت نظر الشيخ سلمه الله لهذه الجزئية المتعلقة بالبحث ولم أر من تعرّض لها.

ولا يُقال : ما دليلك الشرعي؟ في سياق الحديث عن الحد والمحدود في التعريفات وتصوير كلام صاحب التعريف!

يقول شيخ الإسلام رحمه الله (الرد على المنطقيين ص40) : " تفسير الكلام وشرحه إذا أريد به تبيين مراد المتكلم فهذا يُبنى على معرفة حدود كلامه , وإذا أريد به تبيين صحته وتقريره فإنه يحتاج إلى معرفة دليل صحة الكلام , فالأول فيه بيان تصوير كلامه والثاني بيان تصديق كلامه " . انتهى

ويقول رحمه الله في نفس الموطن السابق : " فائدة الحد بيان مسمى الاسم . والتسمية أمر لغوي وضعي فرجع في ذلك إلى قصد ذلك المـُسمّي ولغته " . انتهى

وبما أن البحث في حد تعريف اسم الإيمان مبني على النصوص الشرعية وأقوال السلف - ونحن متفقون على صحة كلامهم فيه - فضبط حده ومحدوده ومعرفة معناه بمختلف الاعتبارات يفتقر بلا أدنى شك إلى المباحث اللغوية المتعلقة ببيان دلالة ألفاظهم , لذا كان الكلام فيه لغويًا وشرعيًا ونص عليه العلامة ابن القيم رحمه الله في (الصلاة وحكم تاركها ص61) فقال:  " فالعبد تقوم به شعبة أو أكثر من شعب الإيمان, وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمنا وقد لا يسمى, كما أنه قد يسمى بشعبة من شعب الكفر كافرا وقد لا يطلق عليه هذا الاسم فها هنا أمران أمر اسمي لفظي وأمر معنوي حكمي, فالمعنوي هل هذه الخصلة كفر أم لا؟ واللفظي هل يسمى من قامت به كافرا أم لا؟ فالأمر الأول شرعي محض, والثاني لغوي وشرعي ". انتهى

فتعريف السلف للإيمان شرعًا يتناوله هذا البحث قطعًا يا فضيلة الشيخ , والإيمان اسم جنس , وأنواعه بحسب استعمال الشارع تنحصر في نوعين وهما : الإيمان المطلق ومطلق الإيمان , فإذا ذكرنا تعريف الإيمان فإما أن يكون التعريف باعتبار جنسه، وإما باعتبار أحد أنواعه , وإما باعتبار حقيقته المطلقة الكاملة، ويُعرف ذلك إما بقرينة لفظية مثل ال التعريف؛ أو الْإِضَافَةِ , أو بغيرها كغلبة الاستعمال.
فمن عرف أن تعريفات السلف الشرعية للإيمان تختلف باختلاف الاعتبار والمنطلق لهذه التعريفات لم يشتبه عليه الفرق ويتوقف فيه.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/506) : " فَإِنَّ أُولَئِكَ قَالُوا: (قَوْلٌ وَعَمَلٌ) لِيُبَيِّنُوا اشْتِمَالَهُ عَلَى الْجِنْسِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ ذِكْرَ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: (اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ؛ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ). جَعَلَ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ اسْمًا لِمَا يَظْهَرُ؛ فَاحْتَاجَ أَنْ يَضُمَّ إلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَ الْقَلْبِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْخِلَ فِي قَوْلِهِ: اعْتِقَادَ الْقَلْبِ (أَعْمَالَ الْقَلْبِ) ". انتهى

فقوله (لِيُبَيِّنُوا اشْتِمَالَهُ عَلَى الْجِنْسِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ ذِكْرَ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ) فالتعريف باعتبار الجنس يُذكر فيها المشترك اللازم في كل إيمان لذا قالوا : قول واعتقاد وعمل يزيد وينقص , فإذا عرفوا الإيمان بدلالة الاستغراق الدالة على ذكر الأفراد والصفات والخصائص لجميع ما يدخل في الإيمان قالوا هو : جميع الطاعات الواجبة والمستحبة بالقول والعمل والاعتقاد فهذا الذي أردته وسألت عنه الشيخ إبراهيم وفقه الله وألزمته به ، فقد قلتُ في المناقشة المجملة للشيخ وفقه الله : هل مطلق الإيمان أو أصل الإيمان يدخل في تعريف السلف للإيمان – أعني باعتبار الجنس - بقولهم : هو قول, وعمل, واعتقاد ؟

فالشيخ إبراهيم سلمه الله تعجب من إيرادي وإلزامي غاية التعجب, لأنه بنى الإيراد على ما قرره في التعريف الشرعي للإيمان وأنه فقط الحقيقة الكاملة المطلقة للإيمان وهو المستغرق لجميع الطاعات الواجبة والمستحبة من الأقوال والاعتقادات والأعمال.

قال الشيخ إبراهيم في رده على الشيخ السناني وفقهما الله : " هذا التعريف للإيمان الكامل " وقال كذلك وفقه الله : " أن هذا الإيمان المعرّف باعتقاد وقول وعمل , أنه تعريف للحقيقة الكاملة للإيمان " وقال أيضًا : " إذا قلنا أن هذه هي الحقيقة الكاملة للإيمان التي يدخل فيها الإيمان المستحب والإيمان الواجب والإيمان الذي هو أصل , فإنه إذا ذهب بعض أجزاء هذه الحقيقة فإنه لا يُنفى الإيمان بالكلية ". انتهى

فهذا التعريف نعم هو جامع مانع للإيمان الشرعي باعتبار استغراق أفراده وخصائصه وصفاته ,وهو تعريف للإيمان المطلق , وهو لا ينافي تعريف الإيمان الشرعي باعتبار الجنس الذي هو : قول واعتقاد وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية , فهذا كذلك تعريف سلفي لكل إيمان شرعي , فجنس إيمان المقربين هو كجنس إيمان المقتصدين وهما أيضًا كجنس إيمان المذنبين من العصاة والفسقة في تمامه وفي أدنى درجاته ومن ضمنه من لم يحقق إلا أصل الإيمان الشرعي المنجي من الخلود.

والتحقيق أن أهل الإيمان الشرعي ثلاثة أصناف :

1)  أصحاب مطلق الإيمان ( الظالمون لأنفسهم ) : وأهله فيه متفاوتون , فأدنى درجة في هذا القسم هو صاحب مطلق الإيمان التام , وإيمانهم يشتمل على (قول وعمل واعتقاد) , فإن زاد إيمانه عن هذا الحد أصبح من أهل الإيمان الكامل كاملًا واجبًا , وأما لو لم يكن إيمانه تامًا , لزم ذلك أنه من أهل الكفر , لا من أهل مطلق الإيمان المنجي من الخلود , فالتمام هو الجزء الذي تم له به مطلق إيمانه في أدنى درجات وفي هؤلاء من يأتي بالحد الأدنى من مطلق الإيمان الذي هو أصل الإيمان وهو قول عمل واعتقاد ولابد.

2)  الإيمان الكامل كمالًا واجبًا ( المقتصدون ) : وأهله فيه متفاوتون , فأدنى درجه في هذا القسم هو صاحب الإيمان الكامل كمالًا واجبًا تامًا , وإيمانهم يشتمل على (قول وعمل واعتقاد) , فلو لم يكن تامًا , لزم ذلك أنه من أهل مطلق الإيمان, لا من أهل الكمال الواجب, فالتمام هو الجزء الذي تم له به الكمال الواجب في أدنى درجاته , ومتى زاد عن هذا الحد انتقل للصنف الثالث .

3)  أصحاب الإيمان الكامل كمالًا مستحبًا ( السابقون بالخيرات ) : وأهله فيه متفاوتون , فأدنى درجة في هذا القسم هو صاحب الإيمان الكامل كمالًا مستحبًا تامًا , وإيمانهم يشتمل على (قول وعمل واعتقاد) , فلو لم يكن تامًا , لزم ذلك أنه من أهل الكمال كمالًا واجبًا , لا مستحبًا , فالتمام هو الجزء الذي تم له به الكمال المستحب في أدنى درجاته.

فالقسمة بهذا الاعتبار ثلاثية ومردها للقسمة الثنائية , فالصنفان الثاني والثالث يجمعهما مسمى الإيمان المطلق الوارد في النصوص الشرعية في سياق المدح , وأما الصنف الأول فهو مطلق الإيمان الوارد في النصوص الشرعية في سياق الأمر والطلب ونحوها.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله ( مجموع الفتاوى 19/290-292) : " الْعِبَادَاتُ الْمَأْمُورُ بِهَا؛ كَالْإِيمَانِ الْجَامِعِ وَكَشُعَبِهِ ... لَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ وَرُبَّمَا لَمْ يَشْرَعْ لَهَا إلَّا حَالَانِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إمَّا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْوَاجِبِ فَقَطْ؛ وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُسْتَحَبِّ فِيهَا وَإِمَّا أَنْ يَنْقُصَ عَنْ الْوَاجِبِ فِيهَا. فَالْأَوَّلُ حَالُ الْمُقْتَصِدِينَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ سَابِقًا فِي غَيْرِهَا. وَالثَّانِي حَالُ السَّابِقِ فِيهَا. وَالثَّالِثُ حَالُ الظَّالِمِ فِيهَا. وَالْعِبَادَةُ الْكَامِلَةُ تَارَةً تَكُونُ مَا أُدِّيَ فِيهَا الْوَاجِبُ وَتَارَةً مَا أَتَى فِيهَا بِالْمُسْتَحَبِّ. وَبِإِزَاءِ الْكَامِلَةِ النَّاقِصَةِ قَدْ يَعْنِي بِالنَّقْصِ نَقْصَ بَعْضِ وَاجِبَاتِهَا وَقَدْ يَعْنِي بِهِ تَرْكَ بَعْضِ مُسْتَحَبَّاتِهَا ... والنَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ كَنَقْصِ أَرْكَانِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ. وَنَقْصٌ لَا يُبْطِلُهَا كَنَقْصِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَرْكَانِ؛ وَنَقْصِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهَا سَهْوًا " . انتهى

وقد قرر شيخ الإسلام في نفس الموطن ( مجموع الفتاوى 19/290-292) معنى ( الإتمام ) الوارد في كلام الشارع بأن الْمُرَادُ بِالْإِتْمَامِ أي الْإِتْمَامُ بِالْوَاجِبَاتِ فهو في معنى (الإجزاء) , وأن الأمر بالإتمام هُوَ أَمْرٌ مُطْلَقٌ بِالْإِتْمَامِ يتم به الواجب إن كَانَ الْأَمْرُ بِهِ إيجَابٌ وَيتم به المستحب مَا كَانَ الْأَمْرُ بِهِ اسْتِحْبَابٌ , والنَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ كَنَقْصِ الأَرْكَانِ وتمامها يصحهها وَنَقْصٌ لَا يُبْطِلُهَا وتمامها يكملها, فيكون التمام بمعنى الإجزاء في الشيء والبراءة من العهدة . يقول شيخ الإسلام رحمه الله : " فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِثْلُ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ تَامًّا لَمْ يَكُنْ الْمَأْمُورُ بَرِيئًا مِنْ الْعُهْدَةِ " . انتهى

والفرق الدقيق بين التام والكامل واشتقاقهما ثابت ولا يعني الترادف عدم وجود الفروق المعنوية لأن الترادف إنما غالبا يكون من وجه دون وجه , بل أفاد شيخ الإسلام إلى وجود من ينكر وجود الترادف المحض من أهل العلم , ونص رحمه الله على أن الترادف في القرآن نادر أو معدوم , وتقرير وجود الفروق اللغوية في كتب هذا الفن معتمدة ومعتبرة بغض النظر عن حال مصنفيها , وكثير من علوم الآلة والعلوم المساندة للعلوم الشرعية لا يسلم مصنفوها من المخالفات والعبرة بسلامة قيلهم في الباب لا بسلامة عقيدتهم, ما لم يكن في الباب غيرهم.

ولك أن تقارن بين معنى ما تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية وبين ما جاء عن أصحاب الفروق اللغوية في إثبات الفرق بين الإتمام والإكمال وسترى التطابق. 

قالوا : قد فُرّق بينهما بأن الإتمام: لازالة نقصان الاصل. والإكمال: لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الاصل.

وكذلك أثبت الفرق العلامة ابن القيم رحمه الله (اجتماع الجيوش 2/34-35) : " قوله تعالى {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، وَكَانَ الْكَمَالُ فِي جَانِبِ الدِّينِ وَالتَّمَامُ فِي جَانِبِ النِّعْمَةِ وَاللَّفْظَتَانِ وَإِنْ تَقَارَبَتَا وَتَوَازَنَتَا فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَطِيفٌ يَظْهَرُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ فَإِنَّ الْكَمَالَ أَخَصُّ بِالصِّفَاتِ وَالْمَعَانِي وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَعْيَانِ وَالذَّوَاتِ وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ صِفَاتِهَا وَخَوَاصِّهَا ... وَأَمَّا التَّمَامُ فَيَكُونُ فِي الْأَعْيَانِ وَالْمَعَانِي " .انتهى

ثم يقول الشيخ إبراهيم وفقه الله بعد أن ذكر تعريف الحقيقة الكاملة المطلقة للإيمان الشرعي : " ثمرة هذا التقرير أن بعض إخواننا يظن أن هذا التعريف تعريف للأصل! بحيث لو ذهب بعضه ذهب أصل الإيمان, هذا غير صحيح , بل هذا تعريف للحقيقة الكاملة ".انتهى

يتضح من ذلك أن الشيخ وفقه الله لم يتبين له وجه إيراد المخالف عليه, فالمخالف يُلزم الشيخ بتعريف الإيمان باعتبار الجنس والشيخ وفقه الله لا يتصور إلا تعريف الإيمان المطلق, وهو الحقيقة الكاملة المطلقة للإيمان ولذا تجده يقول سلمه الله : " إذا قلنا أن هذه هي الحقيقة الكاملة للإيمان التي يدخل فيها الإيمان المستحب والإيمان الواجب والإيمان الذي هو أصل , فإنه إذا ذهب بعض أجزاء هذه الحقيقة فإنه لا يُنفى الإيمان بالكلية ". انتهى

فالمخالف للشيخ يتحدث باعتبار تعريف الإيمان من حيث جنسه وأجزاءه الثلاثة , والشيخ الرحيلي يتحدث باعتبار تعريف الإيمان من حيث استغراق خصائص وصفات أنواعه التي تنتضم وتتضمنها الحقيقة الكاملة المطلقة (الإيمان المطلق).

قال الشيخ إبراهيم في سياق الإلزام للشيخ السناني وفقهما الله : " الدكتور عصام إذا قال الإيمان اعتقاد وقول وعمل, هل تعتقد أن هذه الحقيقة هو تعريف لأصل الإيمان أو لكماله الواجب أو لكماله المستحب؟
فإذا قلت : هذا تعريف لأصل الإيمان وأن العبد إذا ترك شيئاً منه كفر , فهذا يستقيم تقريرك هنا على هذا الأصل أن تارك عمل الجوارح بالكلية أنه كافر, لأنك تُعرّف الإيمان بأنه اعتقاد وقول وعمل وتعني بذلك أصل الإيمان , هذا يستقيم! " .
ثم قال وفقه الله : " يرد عليك إيراد وهو أنك أخرجت الأعمال المستحبة والأعمال الواجبة بعد الأركان من حقيقة الإيمان , فتكون هذه موافقة للمرجئة , لأن أهل السنة على أقصى أقوالهم في حد أصل الإيمان هو اعتقاد أن أركان الإسلام كلها من أصل الإيمان وأما ما بعد أركان الإسلام لم يقل أحد من الأئمة أن بر الوالدين أنه أصل من تركه فهو كافر! " وختم الإلزام وفقه الله بقوله : " فلا يسع هنا المتكلم إلا أن يقول – وهذا الذي ينبغي للدكتور أن يقرره – أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل , ونحن نعني بهذا التعريف الحقيقة الكاملة للإيمان الذي يدخل فيها أصل الإيمان وكماله الواجب وكماله المستحب " . انتهى

وبناءاً على هذا الإلزام والمبني على أن تعريف الإيمان الشرعي ما هو عنده إلا باعتبار الحقيقة الكاملة المطلقة , أقمت إلزامي له وأنه قصر التعريف على الإيمان المطلق وفهم سلمه الله أني أعني الإيمان الكامل كمالًا مستحبًا وأني أسأله هل يدخل فيه أصل الإيمان !!؟

فقال الشيخ إبراهيم وفقه الله متعجبا مني بعدة عبارات :
" أنا لم أقصر التعريف الشرعي للإيمان على الإيمان الكامل !
" فكأن الأخ علي فهم أن قولي أنه يدل على الإيمان الكامل أني أُخرج أصل الإيمان !"
" كيف يخرج أصل الإيمان من كمال الإيمان ؟! "
" ولا يمكن للشيء أن يكمل من غير أصله " .
" كيف يفرّق ويقال أن الشيء كامل من غير أصله ؟! " .
" لا يتصور لإنسان أن يكمل في كمال الإيمان المستحب وهو مفرط في الواجبات ! " . انتهى

وقد تقدم بيان تعريف السلف للإيمان باعتبار الجنس وأنه : اعتقاد وقول وعمل .
فكل إيمان شرعي وارد في النصوص يترتب عليه دخول الجنة والنجاة من النار ابتداءاً أو مآلًا كقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة " يشتمل ولابد من حيث جنسه على قول واعتقاد وعمل متلازمة فيما بينها بتلازم لا ينفك , تتوزع على الباطن والظاهر وإنما يتفاوتون من حيث صفات النوع بحسب القسمة الثنائية أو الثلاثية لأهل الإيمان الصحيح.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى 13/262) : " كُلَّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ فَظَاهِرُ الْقَوْلِ لَفْظُ اللِّسَانِ وَبَاطِنُهُ مَا يَقُومُ مِنْ حَقَائِقِهِ وَمَعَانِيهِ بِالْجَنَانِ وَظَاهِرُ الْعَمَلِ حَرَكَاتُ الْأَبْدَانِ وَبَاطِنُهُ مَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ مِنْ حَقَائِقِهِ وَمَقَاصِدِ الْإِنْسَانِ ". انتهى

وقال رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/187) : " قَالَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ قَوْلٌ بَاطِنٌ وَظَاهِرٌ وَعَمَلٌ بَاطِنٌ وَظَاهِرٌ وَالظَّاهِرُ تَابِعٌ لِلْبَاطِنِ لَازِمٌ لَهُ مَتَى صَلَحَ الْبَاطِنُ صَلَحَ الظَّاهِرُ وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ " . انتهى

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله (الفوائد ص85) : " الْإِيمَان لَهُ ظَاهر وباطن , وَظَاهره قَول اللِّسَان وَعمل الْجَوَارِح وباطنه تَصْدِيق الْقلب وانقياده ومحبته ,  فَلَا ينفع ظَاهر لَا بَاطِن لَهُ وَإِن حقن بِهِ الدِّمَاء وعصم بِهِ المَال والذريّة , وَلَا يجزىء بَاطِن لَا ظَاهر لَهُ إِلَّا إِذا تعذّر بعجز أَو إِكْرَاه وَخَوف هَلَاك , فَتخلف الْعَمَل ظَاهرا مَعَ عدم الْمَانِع دَلِيل على فَسَاد الْبَاطِن وخلوّه من الْإِيمَان , ونقصه دَلِيل نَقصه , وقوته دَلِيل قوته ". انتهى

ويقول العلامة ابن القيم رحمه الله (اجتماع الجيوش 2/187) : " وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَهُمَا شَيْئَانِ وَنِظَامَانِ وَقَرِينَانِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ; لَا إِيمَانَ إِلَّا بِعَمَلٍ وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِإِيمَانٍ ". انتهى

فيكون قولهم (لا إيمان) نكرة منفية بلا التي تنفي الجنس فتقتضي نفي الإيمان مطلقًا
.
ثم يظهر حقيقة الإشكال عند الشيخ إبراهيم وفقه الله من خلال قوله في رده على الشيخ السناني وفقه الله : " نحن عندما نذكر القاعدة وهو أنه هذا تعريف للحقيقة المطلقة هو في مناقشة من ينازع الآن في التكفير بكل العمل " . انتهى

فلا أعلم أحدًا من المخالفين للشيخ إبراهيم سلمه الله ينازعه في التكفير بكل العمل, إلا إن قصد التفريق بين أعمال القلب وأعمال الجوارح , وأن وجود عمل القلب الواجب لصحة الإيمان وإن انتفى عمل الجوارح يصح معه أصل الإيمان , فيفترض وجود إيمان ضعيف في القلب لا يستلزم وجود شيء من أعمال الجوارح وقد قرر ذلك بقوله سلمه الله : " من قال أنه يتصور وجود إيمان واجب في القلب يعني حقق الواجب في القلب وأنه لا يثمر شيئاً من عمل الجوارح فأنه قال بقول المرجئة لكن تنبه لمقابل الكلام , فالكلام له مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة , فشيخ الإسلام لا يُنكر وجود إيمان في القلب ضعيف لا يثمر شيئا من عمل الجوارح على قول لبعض أهل السنة " . انتهى

ينبغي أن يُعرف أن ماهية إيمان الأصناف الثلاثة من حيث الجنس وهم (السابقون المقربون والمقتصدون والظالمون لأنفسهم) تشتمل على قول وعمل ولابد وهي الأجزاء الأربعة : قول القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح , فقول القلب وعمل القلب هو الباطن وقول اللسان وعمل الجوارح هو الظاهر , وبين الباطن والظاهر تلازم لا ينفك البتة في جميع أصناف أهل الإيمان وبحسب ما في الباطن يتبعه ولابد شيء من الظاهر, فقول القلب يتبعه قول اللسان وعمل القلب يتبعه عمل الجوارح .

يقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/554) : " الْعَمَلُ الظَّاهِرُ لَازِمٌ لِلْعَمَلِ الْبَاطِنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ وَانْتِفَاءُ الظَّاهِرِ دَلِيلُ انْتِفَاءِ الْبَاطِنِ " . انتهى

ويقول شيخ الإسلام (7 مجموع الفتاوى /645) : " الْقَلْبَ إذَا تَحَقَّقَ مَا فِيهِ أَثَرٌ فِي الظَّاهِرِ ضَرُورَةً لَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ".

وقال رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/187) : " الْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَعْرِفَةٌ وَإِرَادَةٌ سَرَى ذَلِكَ إلَى الْبَدَنِ بِالضَّرُورَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْبَدَنُ عَمَّا يُرِيدُهُ الْقَلْبُ " . انتهى

ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/221) : " إيمَانَ الْقَلْبِ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ الظَّاهِرَ بِحَسَبِهِ ". انتهى

ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/672) : " وَيَتْبَعُ الِاعْتِقَادَ قَوْل اللِّسَانِ وَيَتْبَعُ عَمَلَ الْقَلْبِ الْجَوَارِحُ " . انتهى

ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/306) : " الْإِيمَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَعْمَالٍ قَلْبِيَّةٍ تَسْتَلْزِمُ أَعْمَالًا ظَاهِرَةً " . انتهى

وقال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله : (معارج القبول 2/594) : " وَمُحَالٌ أَنْ يَنْتَفِيَ انْقِيَادُ الْجَوَارِحِ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مَعَ ثُبُوتِ عَمَلِ الْقَلْبِ " . انتهى

وذكر شيخ الإسلام قول أبي طالب المكي مقرًا له (مجموع الفتاوى 7/265) ونصه : " إذْ لَا يَخْلُو الْمُسْلِمُ مِنْ إيمَانٍ بِهِ يَصِحُّ إسْلَامُهُ وَلَا يَخْلُو الْمُؤْمِنُ مِنْ إسْلَامٍ بِهِ يُحَقِّقُ إيمَانَهُ مِنْ حَيْثُ اشْتَرَطَ اللَّهُ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْإِيمَانَ؛ وَاشْتَرَطَ لِلْإِيمَانِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ " . انتهى

فإن قيل : كل ما تقدم من نقولات في بيان التلازم ولزوم الظاهر من عمل الجوارح لما في الباطن هو في إيمان القلب الواجب الذي في الإيمان الكامل كمالاً واجباً , وليس في كل إيمان قلبي صحيح كمثقال الذرة ونحوها مما لا يعلم مقداره إلا الله تعالى !

أقول : جوابه من وجهين :
الأول : أن شيخ الإسلام رحمه الله في نقاشه للمخالفين في مسألة الإيمان إنما كان يتنزل مع خصومه بحسب مذاهبهم فإن كان يناقش الجهمية فتجده أحيانا يلزمهم فقط بإدخال النطق بالشهادتين, وأما إن كان نقاشه مع مرجئة الفقهاء فتجده يلزمهم بأعمال القلوب ثم يلزمهم بأعمال الجوارح أو موافقة الجهمية.

والوجه الأخر هو أن شيخ الإسلام يثبت التلازم في أصله وكماله , وقد ألزم مخالفيه ممن أقر بالتلازم منهم بقوله رحمه الله (مجموع الفتاوى 7/579) : " فَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَك إنَّ الظَّاهِرَ لَازِمٌ لَهُ وَمُوجِبٌ لَهُ بَلْ قِيلَ: حَقِيقَةُ قَوْلِك إنَّ الظَّاهِرَ يُقَارِنُ الْبَاطِنَ تَارَةً وَيُفَارِقُهُ أُخْرَى فَلَيْسَ بِلَازِمِ لَهُ وَلَا مُوجِبٍ وَمَعْلُولٍ لَهُ وَلَكِنَّهُ دَلِيلٌ إذَا وُجِدَ دَلَّ عَلَى وُجُودِ الْبَاطِنِ وَإِذْ عُدِمَ لَمْ يَدُلَّ عَدَمُهُ عَلَى الْعَدَمِ وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِك " .انتهى

فإن كان شيخ الإسلام رحمه الله يذكر التلازم أحياناً في سياق الكلام عن الإيمان المطلق في مقابلة بدعة المرجئة فهذا لا ينفي إثباته للتلازم في أصل الإيمان أيضاً , وبما أن الإيمان في جنسه متماثل في جميع الأصناف فتجده يجادلهم بأصل واحد لازم لجميعهم يقول فيه رحمه الله كما في  (مجموع الفتاوى 14/120) :  " وَهُنَا " أُصُولٌ " تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا. مِنْهَا أَنَّ الْقَلْبَ هَلْ يَقُومُ بِهِ تَصْدِيقٌ أَوْ تَكْذِيبٌ وَلَا يَظْهَرُ قَطُّ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ نَقِيضُهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ؟ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَجُمْهُورُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ مُوجَبِ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَارِحِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ وَيُحِبُّهُ وَيُعَظِّمُهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ بِالْإِسْلَامِ وَلَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ بِلَا خَوْفٍ فَهَذَا لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي الْبَاطِنِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ كَافِرٌ ". انتهى

ويقول شيخ الإسلام (شرح العقيدة الأصفهانية ص196) : " الإرادة الجازمة في القلب إذا اقترنت بها القدرة حصل بها المراد أو المقدور من المراد لا محالة , - فإن - كانت القدرة حاصلة ولم يقع الفعل كان الحاصل هي لا إرادة جازمة ... كذلك التصديق الجازم إذا حصل في القلب تبعه عمل من عمل القلب لا محالة لا يتصور أن ينفك عنه بل يتبعه الممكن من عمل الجوارح فمتى لم يتبعه شيء من عمل القلب علم أنه ليس بتصديق جازم فلا يكون إيمانا " .انتهى

ومن هذا النقل العزيز يتبين غلط من يتصور أن الإرادة قد تضعف فيضعف بسببها العمل , والصواب أن الإرادة إذا كانت غير جازمة فلن يوجَد حينئذ العمل , وأما إذا كانت جازمة وانتفى المانع وجد العمل ضرورة بحسب التصديق المتضمن للمحبة والنية, وهذا في كل إيمان ولو كان مثقال ذرة أو أقل من ذلك مما لا يعلمه إلا الله جل وعز, فلا يُعتد بإرادة لا تثمر عمل ألبتة, ومن الغلط أصلًا أن يسمى هذا النوع غير المثمر عن العمل إرادة , ولكن هي مقدمات للإرادة ومنها الهم والخاطر والهاجس وحديث النفس وكلها لا يتعلق بها ثواب أو عقاب وقد جمعها الناظم في قوله :

مراتب القصد خمس هاجس ذكروا *** فخاطر فحديث النفس فاستمعا
يليه هم فعزم كلها رفعــــت *** سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا


والإرادة المعتبرة في وجود الفعل أو تركه بالكلية هي المرتبة الخامسة من مراتب القصد التي هي العزم الذي يؤاخذ بها في الفعل أو الترك الوجودي.

يقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 10/737) : " وَسَوَاءٌ سُمِّيَ هَمُّهُ : إرَادَةً أَوْ عَزْمًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ مَتَى كَانَ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ وَهَمَّ بِهِ وَعَزَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَلَيْسَتْ إرَادَتُهُ جَازِمَةً " . انتهى

ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/554) : " وَالصَّوَابُ أَنَّ الْقَلْبَ لَهُ عَمَلٌ مَعَ التَّصْدِيقِ وَالظَّاهِرُ قَوْلٌ ظَاهِرٌ وَعَمَلٌ ظَاهِرٌ وَكِلَاهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَاطِنِ " . انتهى

 فتأمل هنا جعله الاستلزام شامل لقول الظاهر وعمله , وهو نص في الرد على من يقول أن الباطن قد لا يستلزم إلا قول اللسان .

 ويقول شيخ الإسلام (شرح العقيدة الأصفهانية ص196) : " ولما كان إيمان القلب له موجبات في الظاهر كان الظاهر دليلا على إيمان القلب ثبوتا وانتفاء " . انتهى

وختامًا يُعلم من خلال تقريرات شيخ الإسلام رحمه الله المتقدمة بأنه يسلك في تقريره لمسألة مكانة عمل الجوارح من الإيمان مسلكًا مطردًا سواء كان سياق الكلام في الإيمان المطلق أو في مطلق الإيمان , ولا يصح بحال نسبة المذهب القائل بصحة أصل الإيمان بلا عمل الجوارح له رحمه الله وستأتي نصوصه الصريحة في نفي ذلك كما يلي :

يقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/554) : " ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ الْمَقْبُولِ يُمْكِنُ تَخَلُّفُ الْقَوْلِ الظَّاهِرِ وَالْعَمَلِ الظَّاهِرِ عَنْهُ ". انتهى

ونقل عن أبي طالب المكي مقرًا له (مجموع الفتاوى 7/ ) : " فَمَنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَعْمَالَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى عُقُودِ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ فَهُوَ مُنَافِقٌ نِفَاقًا يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ وَمَنْ كَانَ عَقْدُهُ الْإِيمَانَ بِالْغَيْبِ وَلَا يَعْمَلُ بِأَحْكَامِ الْإِيمَانِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَافِرٌ كُفْرًا لَا يَثْبُتُ مَعَهُ تَوْحِيدٌ " .انتهى

ويقول رحمه الله في (شرح العمدة ص86) : " فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل كما دل عليه الكتاب والسنة واجمع عليه السلف وعلى ما هو مقرر في موضعه فالقول تصديق الرسول والعمل تصديق القول فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا والقول الذي يصير به مؤمن قول مخصوص وهو الشهادتان فكذلك العمل هو الصلاة " . انتهى

ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى 7/645) : " فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْقَلْبِ إيمَانٌ يُنَافِي الْكُفْرَ بِدُونِ أُمُورٍ ظَاهِرَةٍ: لَا قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ وَهُوَ الْمَطْلُوب " . انتهى

هذا والله أعلم وهو المسؤول أن يوفقنا وإخواننا ومشايخنا لكلمة سواء في هذه المضائق تجتمع عندها كلمة أهل السنة وينبذ فيها الخلاف وهو المستعان جل في علاه .

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله كثيرًا

وكتب / علي بن عمر النهدي
غرة ربيع الأول 1438