الأربعاء، 28 مارس 2018

التذكير بسمت الصالحين في باب الحكام والسلاطين

بسم الله الرحمن الرحيم

( التذكير بسمت الصالحين في باب الحكام والسلاطين )

الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على نبيه المصطفى
أما بعد :

الأدلة والأثار الشرعية المنقولة في كتب السنة قاطعة بأنه ليس من سمات أهل الصلاح والإستقامة في عهد السلف الصالح منابذة الحكام وتناولهم بالسيف أو باللسان في غيبتهم همزا ولمزا وتحقيرا وإشاعة للمثالب .

فقد ثبت عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : " بايعنا رسول الله على ألا ننازع الأمر أهله " . صحيح البخاري
وعدم منازعتهم أمرهم يدخل فيه ، منازعتهم سياساتهم الاجتهادية وما ليس بمعصية بينة.

وثبت عن الصحابي الجليل أنس رضي الله عنه وقوله : " نهانا الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الأمراء " [السنة لابن أبي عاصم(ص:٤٨٨)وصححه الألباني] وسب جميع الناس منهي عنه وإنما خص الأمراء بمعنى عند وقوع المخالفات منهم.

وأزيد بما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما جوابا لمن سأله عن هذا الشأن فقال : " مر بالمعروف وانه عن المنكر ولا تغتب إمامك " .[التفسير من سنن سعيد بن منصور 746]

وهو نص سلفي في النهي عن غيبة الحكام ولمزهم.

لذا تقرر فيمن بعدهم وبعد عدة فتن خرج فيها من خرج من الصالحين بعذر وتأويل وانتهاءا بواقعة الجماجم :

" *إذا رأيت الرجل يدعو للسلطان فأعلم أنه صاحب سنة* " .

لأن هذا الدعاء للسلطان والكف عن تناوله ولو كان فاجرا هو المصلحة التي لم تر الشريعة غيره طريقا للتعامل مع هذا الفاجر حتى يستريح بر أو يستراح منه كما نص الإمام أحمد رحمه الله.

فولي أمر المسلمين جعلته الشريعة الإسلامية في مقام الوالد لأولاده فليتصور المكلف أنه قد قدر عليه أن يكون والده فاجرا متغلبا متسلطا عليه وعلى الأمة فكيف سيعامله وكيف سيرجو من الناس أن تعامله.

لا أظنه سيتناوله في كل مجلس بالهمز واللمز ولا سيرضى أن يفعل الناس ذلك مع والده وكل ذلك عند العاقل فضلا عن المؤمن لأنه مناف لإصلاح أبيه بل وفيه زيادة في شره وليس لمجرد العاطفة .

وقد ورد أثر عن أحد السلف بأن الحاكم في مقام الوالد وهو توصيف بليغ جدا.

وللأسف أنعكست الصورة في الأزمنة المتأخرة حتى أصبح من السمت اللازم لأهل الصلاح والاستقامة عند الكثير هو إظهار العداوة والبغضاء للحكام وأهل السلطة وتناولهم بالثلب ونشر مخالفاتهم ويفعلون ذلك تدينا وتقربا إلى الله تعالى بل ويعدونه من أجل الأعمال وأوجبها!

قال حرب الكرماني في مسائله (3/ 973 - 970) :
" هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها ... وقد ذكر منه :
وإن أمرك السلطان بأمر هو لله معصية فليس لك إن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه *ولا تمنعه حقه* " . انتهى
ومن حقوقه ترك سبه وتحقيره وغيبته وكل ما يضع من هيبة الولاية.

ويغفل الكثير من الناس عن أن هذا المسلك السلفي السوي هو علامة الاستقامة بين أهل الصلاح - والبحث فيهم لا في بقية الناس ممن تختلف أغراضهم - فلا يستطيع هذا المسلك تدينا وطاعة لله إلا من وفقه الله وأعانه على نفسه الأمارة فهو تكليف شديد يدل على دين وتقوى أهله لذا لم يتميز به إلا أهل السنة والجماعة لأنه ضد شهوة النفس التي لا تصبر عن الوقوع في الغير بغير حق فكيف إن كان ذلك ظاهره أنه بحق؟

والتأويل الفاسد أكثر ما يوقع الصالحين في الكبائر وهم لا يشعرون.

لذلك تقرر عند أهل السنة إساءة الظن بمن ديدنه الحديث عن السلطان بالسوء برا كان أو فاجرا حتى قالوا:

" *إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فأعلم أنه صاحب بدعة* " .

وأختم بما جاء في تاريخ الإسلام للذهبي (5/316) مما يؤكد ذلك في واقعهم :

" سمعت محمد بن أحمد بن الحداد الفقيه شيخنا يقول: سمعت منصور بن إسماعيل الفقيه يقول: كنت عند أبي زرعة القاضي، فذكر الخلفاء، فقلت له: أيها القاضي، يجوز أن يكون السفيه وكيلاً؟
قال: لا.
قلت: فولياً لامرأة؟
قال: لا.
قلت: فأميناً؟
قال: لا.
قلت: فشاهداً؟
قال: لا.
قلت: فيكون خليفة؟
قال لي: *يا أبا الحسن هذه من مسائل الخوارج !!* " . انتهى

يقصد رحمه الله أن هذه الطريقة وما فيها من همز ولمز بالسلطان ليست من طريقة أهل السنة والله المستعان وعليه التكلان وهو أعلم والحمد لله كثيرا.

وكتب / علي النهدي
رجب 1439

الأحد، 21 يناير 2018

بأي شرع أو بأي عقل يُخرج بالنساء للمدرجات الرياضية على هذه الحال يا أولياء أمورهن؟

بسم الله الرحمن الرحيم


( *بأي شرع أو بأي عقل يُخرج بالنساء للمدرجات الرياضية على هذه الحال يا أولياء أمورهن؟* )


قال صلى الله عليه وسلم : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ".

قال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}

فانظر يا مسلم ويا مسلمة لرعاية النبي صلى الله عليه وسلم لنساءه.

قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: " وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، *يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ*، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ "

وجاء في إحدى روايات هذا الحديث قولها رضي الله عنها :
" فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا قَالَ: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، *فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ* " .

وفي لفظ قالت رضي الله عنها : " وَدِدْتُ أَنِّي *رَأَيْتُ اللَّعَّابِينَ* - أي الحبشة الذين يلعبون برماحهم- قَالَتْ: «فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ *أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ*، وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ "

وقد جاء في حديث أخر عنها رضي الله عنها في قصة مسابقتها للنبي صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، *فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «تَقَدَّمُوا»* ، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالِ حَتَّى أُسَابِقَكِ» ، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ وَقَدْ جَمَعْتُ اللَّحْمَ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، *فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «تَقَدَّمُوا»* ، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالِ حَتَّى أُسَابِقَكِ» ، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَضَرَبَ بَيْنَ كَتِفَيَّ، وَقَالَ: «هَذِهِ بِتِلْكَ».

ففي نظر عائشة رضي الله عنها للعب الحبشة حجبها النبي صلى الله عليه وسلم بردائه وبجسمه حتى لم يبق لها ,ولا منها إلا ما بين إذنه وعاتقه لكي تنظر إلى هذا النظر المباح ولكي لا ترأها الأنظار.

وفي قصة المسابقة لم يسابقها النبي صلى الله عليه وسلم أمام أصحابه بل أمرهم بالتقدم وتأخر معها لفعل هذا الأمر المباح في كامل سترها عن أنظار الرجال الأجانب ولو كانوا الصحابة الأطهار المؤمنين وهي أمهم أم المؤمنين فكيف والملاعب تجمع جميع الأصناف بل يطغى عليها اليوم كثير من المحذرورات التي لا تخفى على ذي عقل فضلا عن ذي دين.

فالخروج بالنساء لمثل هذه الأماكن على حالتها المعلومة للعالم وللجاهل لا وجه مشروع له في جميع المذاهب الفقهية المعتبرة لعدم التمكن من المحافظة على سترهن وصيانتهن عن مجمع الرجال وعن أنظارهم ، فليس الحجاب مجرد جلباب أو غطاء بل من فريضة الحجاب المباعدة عن أنظار الرجال قدر الأماكن حال بروزهن.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ» صحيح ابن حبان.

فأين الحجاب والحشمة والحياء مما يحصل في حضور النساء للملاعب الرياضية اليوم مع هتك سترهن بتصوير اللقاءات لهن في أماكن مفتوحة ومقاعد متلاصقة ، ويجتمع فيها الرجال بالنساء بزعم وجود رب الأسرة من أب أو أخ أو زوج أو ابن وكأنه بذلك يحل لهذا الخارج بنساءه أن يرى نساء غيره ممن لا يحل له الاختلاط بهن أو النظر إليهن ويرى الأخر نساء الثاني !!

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله فقيه الشافعية في [الفتح (12/245)] : ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك . انتهى

وفي السير الكبير (1/204) مبحث إخراج الرجال لنساءهم معهم حال الغزو, يقول محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة رحمهما الله : " إن كان لابد من إخراجهن فالاماء دون الحرائر, لان حكم الاختلاط بالرجال في حق الاماء أخف ".انتهى

ومن تتبع حال المرأة المسلمة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد السنة الخامسة من الهجرة, لعلم أن الأمر استقر على تطبيق مقتضى فريضة الحجاب, المتضمنة ترك اختلاط النساء بالرجال غير المحارم *في الأماكن الخاصة والمحصورة* , كأماكن التعليم والصلاة والعمل, ولم تعتبر حُسن الظن في اجتماع النساء بالرجال غير المحارم, في صلاة الجماعة, وهم أطهر ما يكونون قلوبًا منهم خارج الصلاة, فباعدت الشريعة بينهم حال المصافة, وكان الرجال لا ينصرفون إلا بعد إنصراف النساء جميعهن, فباعدت بين الرجال والنساء في أشرف المواطن, فما دونه يكون أولى.

فكيف إذا كان السبب لذلك التنزه والترفيه !؟

فمن زعم غير ذلك فقد نسب التناقض للشرع المطهر, وإلا كيف يطلب الشارع الحكيم من الجنسين حال سؤال الحاجات من بعضهم البعض التخاطب من وراء حجاب, ثم يسمح بالاختلاط في الأماكن المحصورة ولأوقات معلومة كحال هذه المدرجات ؟

حاشا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم عن ذلك !

يقول ابن رشد الحفيد رحمه الله الفقيه المالكي [الجامع من المقدمات ص233] : " فإذا كثرت المناكير في الطرقات ... كمشي الرجال مع النساء الشواب يحادثونهن, وما أشبه ذلك من المناكير الظاهرة, وجب على الإمام تغييره جهده, بأن يولي من يجعل إليه تفقد ذلك والقيام به " . انتهى

ويقول الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله رحمة واسعة : " أقبح ما هنالك في الأخلاق ما حصل من الفساد في أمر اختلاط النساء بدعوى تهذيبهن وفتح المجال لهن في أعمال لم يخلقن لها، حتى نبذن وظائفهن الأساسية ... ودخولهن في بؤرات الفساد والرذائل، وادعاء أن ذلك من عمل التقدم والتمدن، فلا ـ والله! ـ ليس هذا (التمدن) في شرعنا وعرفنا وعادتنا، ولا يرضى أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان وإسلام ومروءة أن يرى زوجته أو أحداً من عائلته أو من المنتسبين إليه في هذا الموقف المخزي " .انتهى مختصرًا [المصحف والسيف ص322]

والله أعلم وهو المستعان

وكتب / علي بن عمر النهدي
جماد أول 1439