الخميس، 20 سبتمبر 2012

حاصل دعوى عبد الله حميد الدين: الجهل برب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم

حاصل دعوى عبد الله حميد الدين:
 الجهل برب العالمين

الحمد لله المتوحد في الجلال بكمال الجمال تعظيماً وتكبيراً، والمتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديراً وتدبيراً، المتعالي بعظمته ومجده، ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً, والصلاة والسلام على المبعوث للعالمين بشيرًا ونذيرًا بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وأزال عنها الغمة وأقام عليها الحجة بأفصح الكلام ومحكم البيان وظاهر البرهان .... أما بعد :

ترتعش اليد من كتابة الكلمات كيف لا ومن الناس من يطالبنا بمناقشة عبد الله حميد الدين حول شكوكه أو ألاعيبه الماكرة وتشغيباته الساذجة حول الذات الإلهية رب السماوت والأرض الملك القدوس العزيز الحكيم الجبار المتكبر سبحانه وتعالى عن إفك الجاحدين والمجادلين بالباطل علوًا كبيرًا.

فابن حميد الدين يزعم بأنه يؤمن بوجود الله تعالى ولكنه يزعم بأنه وأمثاله بله أكثر العالمين يغيب عنهم معنى هذا الرب الجليل والإله المعبود بحق, فينجو بهذا من تهمة جحود الوجود للرب المعبود بحق, وينجو من تهمة الشك بوجوده سبحانه وتعالى, وهما تخرجان صاحبهما من الملة بالإجماع .

ولكن هل نجا ابن حميد الدين من تهمة الجهل بالله رب العالمين ؟

يقول ابن حميد الدين في سياق الحديث عن كتابه الكينونة : ((والذي اعتبر أنه كتاب إلحادي أو يدعو إلى الشك. مع أن هدف الكتاب هو البحث عن الله. وتأسيس إيمان يختلط بالعواطف ويغيّر من رؤية المؤمن للعالم وللحياة وللكائنات)). انتهى

فالذي يقرأ هذا الكلام سيقول : هاهو الرجل يثبت وجود الله وينفي الشك في وجوده جل في علاه, وإنما يريد البحث عن الله تعالى بمعنى تكوين إيمان صحيح بالله عز وجل ومن لوازم ذلك لابد لنا من الإقرار بجهلنا وفساد تصوراتنا التي فُطرت عليها نفوسنا عن الله تعالى, ثم نبدأ بتكوين معرفة حقيقية صحيحة تغيّر من رؤية المؤمن للعالم وللحياة وللكائنات !!!

ويقول ابن حميد الدين مؤكدًا مقصوده : ((ومن المباديء الأساسية التي أنطلق منها هو أن غياب الله سيكون له آثار وخيمة على حياتنا الشخصية والأخلاقية والاجتماعية. ومبدأ آخر هو أن غياب الله يتحقق لا بالإلحاد وإنما بالتصورات التي نملكها عنه تعالى والتي أرى أنها لا تتصل بالإنسان ولا تربطه بالحياة. أما الإلحاد فلا يقلقني البتة. ولا أشغل نفسي بإثبات وجود الله تعالى بقدر ما أشتغل بتطوير تصوراتنا عن الله تعالى وربطها بالحياة)). انتهى
فهنا ينص على نفي الإلحاد ويزعم بأن غياب الله ( تعالى عن ذلك ) يكون بتصوراتنا له جل وعز, ولعله يقصد تغييب مكانة الله تعالى في نفوس البشر بسبب تصوراتهم الخاطئة بزعمه, وأما تعبيره بغياب الله تعالى عن ذلك فهو كفر بأن الله هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم .

فابن حميد الدين يريد أن يقول : أن معرفة المسلمين بربهم عز وجل وتصورهم لها , معرفة خاطئة وحقيقة حالهم أنهم يجهلون ربهم ويتصورنه بتصورات خاطئة, وابن حميد الدين يسعى لتعريف المسلمين قبل الكافرين بربهم معرفة صحيحة لا تضاد الرؤية الطبيعية للحياة وللآخرين !!

فحاصل دندنته : الجهل برب العالمين, وهذا كفر مخرج من الملة بإجماع الطوائف المنتسبة للإسلام سنيها وبدعيها .

فربنا الاله الحق قد فطر الناس على معرفته والإقرار بوجوده ومحبته وأخذ عليهم الميثاق بذلك كما جاء في قوله تعالى { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) } يقول العماد ابن كثير رحمه الله : يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو. كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، قال تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [الروم:30] وفي الصحيحين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة -وفي رواية: على هذه الملة -فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء" وفي صحيح مسلم، عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله [تعالى] إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم، عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم". انتهى

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ؛ فَإِذَا تُرِكَتْ الْفِطْرَةُ بِلَا فَسَادٍ كَانَ الْقَلْبُ عَارِفًا بِاَللَّهِ مُحِبًّا لَهُ عَابِدًا لَهُ وَحْدَهُ لَكِنْ تَفْسُدُ فِطْرَتُهُ مِنْ مَرَضِهِ كَأَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُغَيِّرُ فِطْرَتَهُ الَّتِي فَطَرَهُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ - كَمَا يُغَيَّرُ الْبَدَنُ بِالْجَدْعِ - ثُمَّ قَدْ يَعُودُ إلَى الْفِطْرَةِ إذَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا مَنْ يَسْعَى فِي إعَادَتِهَا إلَى الْفِطْرَةِ. وَالرُّسُلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ بُعِثُوا لِتَقْرِيرِ الْفِطْرَةِ وَتَكْمِيلِهَا لَا لِتَغْيِيرِ الْفِطْرَةِ وَتَحْوِيلِهَا " . انتهى [مجموع الفتاوى (10/135)]

ولهذا تجد دعوة كل الرسل لأقوامهم تبدأ بقولهم (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا) ولم تكن دعوتهم قط (تعرّفوا على الله أو صححوا تصوراتكم عن الله ربكم ثم اعبدوه) كما يزعم ابن حميد الدين, بعكس شرائع الإسلام فتجد النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث إرسال معاذ رضي الله عنه إلى اليمن يقول له : " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله وفي لفظ [ أن يوحدوا الله ] " فلم يطلب منه أن يعرّفهم بالله أو يصحح تصوراتهم عن الله , لعلمهم به وإنما دعاهم للرجوع لتوحيده وترك الإشراك به, بعكس طلبه منهم باقي الشرائع فقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإن هم أجابوك لذلك, فاعلمهم بأن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة " فلما كانت الصلاة مجهولة قال له ((فاعلمهم)) ولم يقل لهم ((فادعوهم)) فلا يستقيم أن يؤمر بالدعوة إلى أمر مجهول .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فَكُلُّ إنْسَانٍ فِي قَلْبِهِ مَعْرِفَةٌ بِرَبِّهِ. فَإِذَا قِيلَ لَهُ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} عَرَفَ رَبَّهُ الَّذِي هُوَ مَأْمُورٌ أَنْ يَقْرَأَ بِاسْمِهِ كَمَا يَعْرِفُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَالْمَخْلُوقُ يَسْتَلْزِمُ الْخَالِقَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَ أَنَّ الْإِقْرَارَ وَالِاعْتِرَافَ بِالْخَالِقِ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَا يُفْسِدُ فِطْرَتَهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى نَظَرٍ تَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْمَعْرِفَةُ ... وَهَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ النَّظَرُ أَوَّلَ وَاجِبٍ بَلْ أَوَّلُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} لَمْ يَقُلْ " اُنْظُرْ وَاسْتَدِلَّ حَتَّى تَعْرِفَ الْخَالِقَ ". انتهى [مجموع الفتاوى (16/328)]

فيا معشر المسلمين لا يلبس عليكم دينكم ابن حميد الدين وأمثاله, فهؤلاء أناس يريدون التفلت من الشريعة بالتشغيب والتمويه على ضعاف العقول والبصائر, فعليكم بنصيحة أئمة الهدى فهذا عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رحمه الله يقول لكم : عَلَيْك بِدِينِ الْأَعْرَابِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْكُتَّابِ .

ويقول ابن تيمية رحمه الله ناصحًا [مجموع الفتاوى (5/260)]:
" وَعَلَيْك بِمَا فَطَرَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى الْحَقِّ وَالرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَكْمِيلِ الْفِطْرَةِ وَتَقْرِيرِهَا لَا بِتَحْوِيلِ الْفِطْرَةِ وَتَغْيِيرِهَا. وَأَمَّا أَعْدَاءُ الرُّسُلِ كالْجَهْمِيَّة الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا فِطْرَةَ اللَّهِ وَيُورِدُونَ عَلَى النَّاسِ شُبُهَاتٍ بِكَلِمَاتِ مُشْتَبِهَاتٍ لَا يَفْهَمُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَقْصُودَهُمْ بِهَا؛ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُجِيبَهُمْ. وَأَصْلُ ضَلَالَتِهِمْ تَكَلُّمُهُمْ بِكَلِمَاتِ مُجْمَلَةٍ؛ لَا أَصْلَ لَهَا فِي كِتَابِهِ؛ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ؛ وَلَا قَالَهَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ..... فَمَنْ كَانَ عَارِفًا بِحَلِّ شُبُهَاتِهِمْ بَيَّنَهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِذَلِكَ فَلْيُعْرِضْ عَنْ كَلَامِهِمْ وَلَا يَقْبَلْ إلَّا مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَمَا قَالَ: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}" . انتهى

والله أعلم واهد اللهم ابن حميد الدين إلى التخلص مما هو فيه من الضلال المبين وبصّر عبادك المخدوعين به وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

وكتبه / علي بن عمر النهدي
2 من ذي القعدة 1433 للهجرة

محل الإنصاف في حال سيد قطب

بسم الله الرحمن الرحيم



محل الإنصاف في حال سيد قطب


الحمد لله محب المقسطين والصلاة والسلام على سيد المنصفين وعلى آله وأصحابه الغر المحجلين ...  أما بعد :

الإنصاف عزيز  .... كلمة قالها الكثيرون من بني آدم ولم يتمثل بها إلا الموفقون منهم !

والسبب في ذلك أعني في ترك الإنصاف من الكثيرين إما الجهل بحقيقة الإنصاف وإما الظلم المضاد للإنصاف, فالنفس قد جبلت على الظلم والجهل فمن لم يوفق لاجتنابهما بما معه من علم نافع   فسيجانبه الإنصاف بحسب ما فيه من الجهل والظلم .

ولكن ثمة فرق بين السببين فترك الإنصاف بسبب الجهل أهون من تركه بسبب الظلم, ففي الأول يكون المرء محبًا لئن يكون منصفًا ويسعى لذلك ويجانبه التوفيق لعدم العلم بحقيقة الإنصاف.

والأشنع إذا كان ترك الإنصاف سببه الظلم, فتجد المقتضي قائم عند المرء لينصف الناس من نفسه فتأبى عليه نفسه الظلومة ذلك لأسباب شتى فيتركه ظلمًا لا جهلًا, وهو أشرهما لأنه يقع عن علم وعمد عافاني الله ومن يقرأ .

وإني أبرا إلى الله من الحالين وخصوصا في كلمتي عن سيد قطب, فقد غفل الدكتور محمد الفاضل (1) وفقه الله عن أن مقام التحذير لا يحتمل ذكر المناقب كما قد قرره أئمة الهدى في هذا العصر, مع التنبيه على أن الجادة في ذكر شيء من المحاسن حال الترجمة لأهل البدع أن تذكر المحاسن بإجمال وتذكر الإنحرافات بالتفصيل لئلا يغتر مغتر بذكر المحاسن المغمورة في بحار الضلالات والبدع المهلكة, لا كما يفعله المفتونون بالمبتدعة فيهونون من شأن البدع العظيمة بتسميتها أخطاء, ويعظمون وينفخون في بعض الأعمال ويجعلونها غامرة لتلك المهلكات كمن يريد أن يحجب عين الشمس بيده وهذا أولًا .

وثانيًا : وجود الثناء لا يقتضي وجود الخلاف حول انحراف الرجل المحذر منه فمن المعلوم أن بدع وانحرافات سيد قطب كانت خافية على جل المشايخ إن لم يكن كلهم تقريبًا لعدم الإحاطة بمؤلفاته إحاطة تمحيص, لطغيان الذكر الحسن عن الرجل لدوره في مجابهة الاشتراكية المتمثلة في نظام عبد الناصر فيما يظهر لعلماء المملكة وقادتها, والحرب الباردة آنذاك مستعرة بين الإسلام والشيوعية. فجرى في هذا السياق تعظيم شأن الرجل وتمجيده لاسيما وأن نهايته كانت على يد الطاغية عبد الناصر المحارب آنذاك لمملكة التوحيد السعودية, ولهذا اجتمعت كلمة العلماء في هذا البلد الطيب على الثناء على سيد قطب والرفع من شأنه.
واستغل الحركيون هذا الوضع فسوقوا لكتب الرجل بما فيها من العجر والبجر, حتى قام لها أول القائمين الشيخ  عبد الله الدويش رحمه الله في زمن لم يكن يجرؤ فيه أحد على مجرد التلميح فضلا عن التصريح, لما للرجل من جاه عند الدولة قبل العلماء وقبل ظهور الفتنة العظيمة بأفكار الرجل المنحرفة, وانتشار الغلو في التكفير ومن ثما وقع التفجير في بلاد المسلمين. 

هنا قام أهل العلم بواجبهم الشرعي وخصوصًا بعد توالي فتن الطائفة الحزبية الحركية في افغانستان ثم في حرب الخليج الثانية ثم في الجزائر, فتوالت التنبيهات والتحذيرات حتى قام الشيخ  ربيع المدخلي بنخل كتب سيد قطب ليقف على ما لم يقف عليه غيره, فقام بواجب النصح والتحذير وأيده كل من قرأ وخلا من سوء الظن في مقصود النقد علما بأن الشيخ ربيعا قد  نقل عن سيد قطب قبل ذلك بعض ما يستحسنه من الصياغات الأدبية التي لا تخالف شريعة رب البرية.

فمن علم ذلك يعلم أن نصب الخلاف بين المشايخ في شأن سيد قطب ليس من إنصاف الدين ولا المسلمين في شيء, فالثناء  في حق الرجل لم يتفرد به بعض المشايخ عن بعض, وهو ثناء مخصوص وبحسب علمهم عن حاله آنذاك, ومثل هذا لا يصلح ليعارض به التحذير المفصل من بدع وضلالات وجهالات الرجل تجاوز الله عنه.

 فالإنصاف المقصود في كلمتي السابقة :
-           إنصاف الدين من ضلالات سيد قطب وجهالاته وأفاعيل أتباعه.
-          وإنصاف سيدًا نفسه من أن يضل بأفكاره من لا يعرف حاله ويغتر بالجاه المصطنع من مريديه والمفتونين بضلالاته, فيحمل من أوزارهم مع أوزاره ما لا يتمنه الواحد منا لنفسه .
-          وإنصاف العلماء الهداة الذين صدعوا بالتحذير من ضلالات سيد قطب بعد أن كانوا يثنون عليه وينقلون عنه كحال المشايخ ابن باز  والألباني والربيع والفوزان ونحوهم, ولم تأخذهم في ذلك لومة لائم.
-          وكذلك إنصاف العلماء الأجلاء من أمثال الشيخين بكر  أبو زيد وابن جبرين عفا الله عنهما اللذين خفي عنهم حقيقة الحال وحجم الفتنة العظيمة بهذا السيد عند أتباعه المفتونين به, وقالوا ما قالوا لإحسان ظنهم ببعض أتباعه المتخفين زورًا بلباس دفع بغي من انتقد سيدًا زعموا .

فهل تزعم يا دكتورنا الفاضل أن هؤلاء العلماء راضون بأباطيل وانحرافات سيد وأن دفاعهم هو عن منهجه الفاسد, وليس مجرد حُسن ظن قديم, كل العلماء القادحين قبل المادحين كانوا عليه ؟

أعيذك بالله حقًا وصدقًا يا دكتور من الإجابة بنعم ولا أظن فيك إلا خيرا .

والخلاصة : فالرجل أعني سيدًا تكلم في علوم الشريعة ولا يخلو حاله من أن يكون قد تكلم بجهل بسيط وهذا فسق وكبيرة من كبائر الذنوب.

وإما أنه تكلم بجهل مركب بعد إطلاع على مذاهب الفرق المنتسبة للإسلام, فجنح به فكره عن الجادة السلفية إلى الأهواء المردية : فاختار التأويل في الصفات, والتكفير بالكبائر, والخروج على الحكام المسلمين, وشتم أعلامًا من الصحب الكرام رضي الله عنهم, ودندن حول كثير من عقائد التصوف الفاسدة.
بل وأعظم ما يمدحه به أتباعه وبسببه فتنوا : دعوى إقامة الحاكمية لله تعالى, وحاكمية الله تقتضي ممن يدعو لها, أن يحكّم أوامر الله عز وجل وأحكامه في نفسه قبل كل شيء, وسيد قطب مخالف لحاكمية الله تعالى في باب العقائد المحكمة الآنفة الذكر , فهل تصح له دعواه, علمًا بأن فهمه للحاكمية كان فهم مغلوطًا كفهم الخوارج والمعتزلة حذو القذة بالقذة , فقد خصصه في منابذة الحكومات فقط فشابه بذلك أصل المعتزلة الخامس المسمى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقصرونه على الإنكار على الحكام.

وأما حاكمية الله تعالى تشمل كل شيء في حياة المسلم عقيدة وشريعة وسلوك, فيجب على المسلم المستسلم لأوامر الله وأحكامه أن يتمثل بمقتضاها مندوبها قبل واجبها وأن يترك مكروهها قبل محرمها بقدر وسعه, ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها, وسيد قد فرّط فيما وسعه وزعم الدعوة لما ليس في وسعه وهذا حال كل مفتون عافانا الله ووقانا .

وفي الختام يا دكتورنا الفاضل يشهد الله تعالى بأني أرجو لكل نفس مسلمة قدمت على ربها العفو والتجاوز وأما حكمها في الدنيا فبحسب القرب والبعد عن دين الله، فإن كنت يا أيها الفاضل أو غيرك يجادل عن أفكار سيد فهلم للنقاش ومقارعة الحجة بالحجة فأرجع صاغرا لها وأما النزاع حول شخص سيد فليس من شيم العقلاء ، فالله حكم عدل وهو يتولى آخرته، وأما في حكم الدنيا فلم نكلف إلا بالظاهر فمن أظهر البدع وأصل لها واستدل عليها ووالى وعادى عليها بدعناه ولا كرامة ولو كان أقرب قريب وهذا صنيع أئمة السلف من العصر الأول وليس ببدع من العمل. وإلا لزمنا ترك أحكام سلفنا الصالح فيمن هو خير من سيد علما وعبادة كعمرو بن عبيد الذي قال في زهده الخليفة المنصور : كلكم يطلب صيد كلكم يمشي رويد إلا عمرو بن عبيد .

واستغفر الله لي ولك وله الأمر من قبل ومن بعد والحمد كله له جل في علاه .

وكتبه / علي بن عمر النهدي
بتاريخ (22 شوال 1433) وأعاد النظر وزاد فيه بتاريخ (5 ذو القعدة 1433) .
----------------------------
(1) طالبني الدكتور محمد الفاضل بالإنصاف تجاه سيد قطب في سياق تعليقه على مقالي (كلمة منصفة في سيد قطب) فكان هذا المقال بيانًا لمحل الإنصاف في حال سيد قطب وأمثاله .

الاثنين، 3 سبتمبر 2012

كلمة منصفة في سيد قطب

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة منصفة في سيد قطب

 الحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ... أما بعد :

 سيد قطب رحمه الله رجل بدأ حياته في اضطراب فكري كما يقول صلاح الخالدي وهو من محبيه فقال عن سيد في كتابه (( سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد )) : [ نشأ - سيد - على تقاليد الإسلام في طفولته في القرية , ولما سافر إلى القاهرة أقبل على الأدب والنقد والدراسة والثقافة والمعرفة , وصار يتلقى من الثقافة الغربية المادية , وهذا جعله يمر بمرحلة من الشك والارتياب في الحقائق الدينية إلى أقصى حد !] انتهى

 ويقول الخالدي : [ إن رحلة ضياعه استمرت حوالي خمسة عشر عامًا ما بين 1925-1940م ] . انتهى

 ولم يكن اتجاه سيد قطب لدراسة القرآن من منطلق تدين أو استقامة , ولكنه اتجه لدراسة القرآن لدواعي أدبية كما قال الخالدي : [ وفي هذه المرحلة - أي ما بين 1940-1945م - أقبل على القرآن يدرسه لدواع أدبية ] . انتهى

 الشاهد من ذلك أن سيداً رحمه الله وغفر له , لم يكن مؤهلاً عند اتجاهه لدراسة القرآن , وفاقد الشيء لا يعطيه , بل إن كل ما أُخذ عليه من أقوال واعتقادات منحرفة , كانت بسبب جهله بحقيقة علم الشريعة , وعدم تلقيه أصول هذا العلم الجليل من أهله. وكل من كان على هذه الحالة , لا بد له من أن يعتقد ثم يستدل , وهذا منشأ ضلال كل جماعة أو فرد في الغالب , لأن الاعتقاد إما أن يكون مبنيًا عن علم صحيح أو علم فاسد.

 المقصود أن سيدًا بدأ في التوجه الديني على غير هدى , في وقت كانت الحالة فيها مزرية في أكثر الدول الإسلامية , وكان المسلمون في قمة التمزق والذل الاستعماري , فانعكس ذلك على فكر سيد قطب , فكانت بداية الانحراف أن اعتقد بأن البشرية قد ارتدت وعادت كهيئتها يوم نزول القرآن أول مرة !!

 يقول سيد قطب في الظلال :( لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية؛ وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "..." فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد , وإلى جور الأديان , ونكصت عن لا اله إلا الله وإن ظل فريق منها يردد على المآذن : لا اله إلا الله) . انتهى

 وقد شهد على سيد قطب بتكفير المجتمعات المسلمة , زملاء له في جماعة الإخوان المسلمين كالقرضاوي وفريد عبد الخالق وعلي جريشة . وقد أكد القرضاوي في كتابه أولويات الحركة الإسلامية , وفي مقابلة تلفزيونية عن ما كتبه قطب في كتابه "معالم في الطريق"، والذي اعتبر فيه أن المجتمع بالأساس غير مسلم ومهمة المصلحين هي رد الناس أولا إلى العقيدة الإسلامية الصحيحة وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا... انتهى كلام القرضاوي

 ويقول علي جريشة في كتابه (( الإخوان المسلمون في ميزان الحق )) :(إن نشأة فكر التكفير بدأت بين شباب بعض الإخوان في سجن القناطر في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات , وأنهم تأثروا بفكر الشهيد سيد قطب وكتاباته , وأخذوا منها أن المجتمع في جاهلية) .انتهى

 وانظر أيها المبارك لفهم سيد قطب لقضية الربا كما في تفسيره لآخر سورة البقرة , فقد فَهِم فَهْم الخوارج الذين يكفرون بالكبائر فيقول سيد قطب : (وكان هذا في العمليات الربوية الفردية ؛ فأما في المجتمع الذي يقوم كله على الأساس الربوي فأهله كلهم ملعونون ! معرضون لحرب الله ، مطرودون من رحمته بلا جدال!!) .انتهى

 وقد جزم سيد قطب بكفر كل من يتعاطى الربا وأخذ هذا الحكم من ظواهر الآيات كقوله تعالى:{ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ }. يقول سيد :( وهذا التعقيب هنا قاطع في اعتبار من يصرون على التعامل الربوي - بعد تحريمه - من الكفار الآثمين ، الذين لا يحبهم الله ، وما من شك أن الذين يحلون ما حرم الله ينطبق عليهم وصف الكفر والإثم ، ولو قالوا بألسنتهم ألف مرة : لا إله إلا الله!! . محمد رسول الله!! . . فالإسلام ليس كلمة باللسان؛ إنما هو نظام حياة ومنهج عمل؛ وإنكار جزء منه كإنكار الكل . . وليس في حرمة الربا شبهة؛ وليس في اعتباره حلالاً وإقامة الحياة على أساسه إلا الكفر والإثم . . والعياذ بالله) .انتهى

 وعقيدة أهل السنة والجماعة أن المسلم لا يكفر بالذنوب الكبيرة إلا إن استحلها , وأما من يموت وهو مصر على الكبائر , فهو تحت المشيئة الإلهية , فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له , ومن يدخل النار من الموحدين أهل الكبائر فمصيرهم إلى الجنة قطعًا لقوله تعالى:{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } .

 ولك أيها المنصف أن تستغرب لو علمت أن سيدًا قد مدح صنيع الخوارج تجاه عثمان -رضي الله عنه-!! , وقال: إن موقفهم أقرب إلى روح الإسلام من موقف عثمان -رضي الله عنه- !

 يقول سيد في كتابه العدالة الاجتماعية :(وأخيراً ثارت الثائرة على عثمان واختلط فيها الحق بالباطل، والخير بالشر، ولكن لابد لمن ينظر إلى الأمور بعين الإسلام ، ويستشعر الأمور بروح الإسلام أن يقرر أن تلك الثورة في عمومها كانت أقرب إلى روح الإسلام واتجاهه من موقف عثمان أو بالأدق من موقف مروان! ). انتهى

وأهل السنة متفقون على أن الخروج على الحاكم الفاجر كبيرة من كبائر الذنوب , فكيف بالخروج على ذي النورين الذي تستحي منه الملائكة , والذي قيل فيه وحيًا ( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) ؟!!

 المقصود أن سيدًا دخل عليه فكر الخوارج بلا أدنى ريب , لأن فكر الخوارج أصله من طغيان الطاعة , وقد حذر القرآن والسنة من هذا الطغيان لعواقبه الوخيمة فقال تعالى:{ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا }.وقال عليه الصلاة والسلام :( إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق " وفي رواية " وما شاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه " .

 فتوجه سيد قطب الأدبي وصياغة الأفكار الخارجية في قالب حماسي كله غيرة على الإسلام , يسحر العقول وإن من البيان لسحرًا , والرجل قد يكون صاحب نية حسنة ابتداءً , ولكن النية الصالحة لا تصحح العمل .

 وقد مات سيد قطب ولكن هل ماتت أفكاره ؟!!

يقول أيمن الظواهري كما في صحيفة الشرق الأوسط، عدد 8407- في 19/9/1422هـ : (( إن سيد قطب هو الذي وضع دستور "الجهاديين !!" في كتابه الديناميت!! : (معالم في الطريق)، وإن سيد هو مصدر الإحياء الأصولي!!، وإن كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام، يعد أهم إنتاج عقلي وفكري للتيارات الأصولية!، وإن فكره كان شرارة البدء في إشعال الثورة الإسلامية ضد أعداء الإسلام في الداخل والخارج، والتي ما زالت فصولها الدامية تتجدد يوماً بعد يوم)). انتهى

وأخيرًا يجب أن يعلم المنصف أن أهل العلم لا يشتغلون بالرد على كتاب أو على فلان من الناس إلا بحسب خطورة الأفكار , وإلا فالمخالفون لعقيدة أهل السنة كثير, ولكن لما كان فكر سيد قطب هو قاعدة انطلاق كل الحركات التكفيرية في العصر الحديث , وجدت الردود العلمية المبينة لهذا الفكر المنحرف , لاسيما وأن هناك من فتن بهذا الفكر وحاول تمريره على أنه تجديد للدين !!

 وقد علق الشيخ الألباني على خاتمة كتاب (( العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم للشيخ ربيع المدخلي)) موافقا ما فيه من نقد وتحذير بقوله رحمه الله :(كل ما رددته على سيد قطب حق وصواب , ومنه يتبين لكل قارئ مسلم على شيء من الثقافة الإسلامية أن سيد قطب لم يكن على معرفة بالإسلام بأصوله وفروعه .فجزاك الله خير الجزاء أيها الأخ ( الربيع ) على قيامك بواجب البيان والكشف عن جهله وانحرافه عن الإسلام) . انتهى

 وأهل العلم أيدوا هذه الردود كما في :

- كتاب (براءة علماء الأمة) والذي فيه أقوال أهل العلم في فكر سيد قطب والواجب تجاهه وهو على الرابط :
http://www.archive.org/download/bamtab/bamtab.pdf

- وانظر (سيد قطب في ميزان علماء السنة) :


 والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

جمع / أبي طارق النهدي