الخميس، 20 سبتمبر 2012

محل الإنصاف في حال سيد قطب

بسم الله الرحمن الرحيم



محل الإنصاف في حال سيد قطب


الحمد لله محب المقسطين والصلاة والسلام على سيد المنصفين وعلى آله وأصحابه الغر المحجلين ...  أما بعد :

الإنصاف عزيز  .... كلمة قالها الكثيرون من بني آدم ولم يتمثل بها إلا الموفقون منهم !

والسبب في ذلك أعني في ترك الإنصاف من الكثيرين إما الجهل بحقيقة الإنصاف وإما الظلم المضاد للإنصاف, فالنفس قد جبلت على الظلم والجهل فمن لم يوفق لاجتنابهما بما معه من علم نافع   فسيجانبه الإنصاف بحسب ما فيه من الجهل والظلم .

ولكن ثمة فرق بين السببين فترك الإنصاف بسبب الجهل أهون من تركه بسبب الظلم, ففي الأول يكون المرء محبًا لئن يكون منصفًا ويسعى لذلك ويجانبه التوفيق لعدم العلم بحقيقة الإنصاف.

والأشنع إذا كان ترك الإنصاف سببه الظلم, فتجد المقتضي قائم عند المرء لينصف الناس من نفسه فتأبى عليه نفسه الظلومة ذلك لأسباب شتى فيتركه ظلمًا لا جهلًا, وهو أشرهما لأنه يقع عن علم وعمد عافاني الله ومن يقرأ .

وإني أبرا إلى الله من الحالين وخصوصا في كلمتي عن سيد قطب, فقد غفل الدكتور محمد الفاضل (1) وفقه الله عن أن مقام التحذير لا يحتمل ذكر المناقب كما قد قرره أئمة الهدى في هذا العصر, مع التنبيه على أن الجادة في ذكر شيء من المحاسن حال الترجمة لأهل البدع أن تذكر المحاسن بإجمال وتذكر الإنحرافات بالتفصيل لئلا يغتر مغتر بذكر المحاسن المغمورة في بحار الضلالات والبدع المهلكة, لا كما يفعله المفتونون بالمبتدعة فيهونون من شأن البدع العظيمة بتسميتها أخطاء, ويعظمون وينفخون في بعض الأعمال ويجعلونها غامرة لتلك المهلكات كمن يريد أن يحجب عين الشمس بيده وهذا أولًا .

وثانيًا : وجود الثناء لا يقتضي وجود الخلاف حول انحراف الرجل المحذر منه فمن المعلوم أن بدع وانحرافات سيد قطب كانت خافية على جل المشايخ إن لم يكن كلهم تقريبًا لعدم الإحاطة بمؤلفاته إحاطة تمحيص, لطغيان الذكر الحسن عن الرجل لدوره في مجابهة الاشتراكية المتمثلة في نظام عبد الناصر فيما يظهر لعلماء المملكة وقادتها, والحرب الباردة آنذاك مستعرة بين الإسلام والشيوعية. فجرى في هذا السياق تعظيم شأن الرجل وتمجيده لاسيما وأن نهايته كانت على يد الطاغية عبد الناصر المحارب آنذاك لمملكة التوحيد السعودية, ولهذا اجتمعت كلمة العلماء في هذا البلد الطيب على الثناء على سيد قطب والرفع من شأنه.
واستغل الحركيون هذا الوضع فسوقوا لكتب الرجل بما فيها من العجر والبجر, حتى قام لها أول القائمين الشيخ  عبد الله الدويش رحمه الله في زمن لم يكن يجرؤ فيه أحد على مجرد التلميح فضلا عن التصريح, لما للرجل من جاه عند الدولة قبل العلماء وقبل ظهور الفتنة العظيمة بأفكار الرجل المنحرفة, وانتشار الغلو في التكفير ومن ثما وقع التفجير في بلاد المسلمين. 

هنا قام أهل العلم بواجبهم الشرعي وخصوصًا بعد توالي فتن الطائفة الحزبية الحركية في افغانستان ثم في حرب الخليج الثانية ثم في الجزائر, فتوالت التنبيهات والتحذيرات حتى قام الشيخ  ربيع المدخلي بنخل كتب سيد قطب ليقف على ما لم يقف عليه غيره, فقام بواجب النصح والتحذير وأيده كل من قرأ وخلا من سوء الظن في مقصود النقد علما بأن الشيخ ربيعا قد  نقل عن سيد قطب قبل ذلك بعض ما يستحسنه من الصياغات الأدبية التي لا تخالف شريعة رب البرية.

فمن علم ذلك يعلم أن نصب الخلاف بين المشايخ في شأن سيد قطب ليس من إنصاف الدين ولا المسلمين في شيء, فالثناء  في حق الرجل لم يتفرد به بعض المشايخ عن بعض, وهو ثناء مخصوص وبحسب علمهم عن حاله آنذاك, ومثل هذا لا يصلح ليعارض به التحذير المفصل من بدع وضلالات وجهالات الرجل تجاوز الله عنه.

 فالإنصاف المقصود في كلمتي السابقة :
-           إنصاف الدين من ضلالات سيد قطب وجهالاته وأفاعيل أتباعه.
-          وإنصاف سيدًا نفسه من أن يضل بأفكاره من لا يعرف حاله ويغتر بالجاه المصطنع من مريديه والمفتونين بضلالاته, فيحمل من أوزارهم مع أوزاره ما لا يتمنه الواحد منا لنفسه .
-          وإنصاف العلماء الهداة الذين صدعوا بالتحذير من ضلالات سيد قطب بعد أن كانوا يثنون عليه وينقلون عنه كحال المشايخ ابن باز  والألباني والربيع والفوزان ونحوهم, ولم تأخذهم في ذلك لومة لائم.
-          وكذلك إنصاف العلماء الأجلاء من أمثال الشيخين بكر  أبو زيد وابن جبرين عفا الله عنهما اللذين خفي عنهم حقيقة الحال وحجم الفتنة العظيمة بهذا السيد عند أتباعه المفتونين به, وقالوا ما قالوا لإحسان ظنهم ببعض أتباعه المتخفين زورًا بلباس دفع بغي من انتقد سيدًا زعموا .

فهل تزعم يا دكتورنا الفاضل أن هؤلاء العلماء راضون بأباطيل وانحرافات سيد وأن دفاعهم هو عن منهجه الفاسد, وليس مجرد حُسن ظن قديم, كل العلماء القادحين قبل المادحين كانوا عليه ؟

أعيذك بالله حقًا وصدقًا يا دكتور من الإجابة بنعم ولا أظن فيك إلا خيرا .

والخلاصة : فالرجل أعني سيدًا تكلم في علوم الشريعة ولا يخلو حاله من أن يكون قد تكلم بجهل بسيط وهذا فسق وكبيرة من كبائر الذنوب.

وإما أنه تكلم بجهل مركب بعد إطلاع على مذاهب الفرق المنتسبة للإسلام, فجنح به فكره عن الجادة السلفية إلى الأهواء المردية : فاختار التأويل في الصفات, والتكفير بالكبائر, والخروج على الحكام المسلمين, وشتم أعلامًا من الصحب الكرام رضي الله عنهم, ودندن حول كثير من عقائد التصوف الفاسدة.
بل وأعظم ما يمدحه به أتباعه وبسببه فتنوا : دعوى إقامة الحاكمية لله تعالى, وحاكمية الله تقتضي ممن يدعو لها, أن يحكّم أوامر الله عز وجل وأحكامه في نفسه قبل كل شيء, وسيد قطب مخالف لحاكمية الله تعالى في باب العقائد المحكمة الآنفة الذكر , فهل تصح له دعواه, علمًا بأن فهمه للحاكمية كان فهم مغلوطًا كفهم الخوارج والمعتزلة حذو القذة بالقذة , فقد خصصه في منابذة الحكومات فقط فشابه بذلك أصل المعتزلة الخامس المسمى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقصرونه على الإنكار على الحكام.

وأما حاكمية الله تعالى تشمل كل شيء في حياة المسلم عقيدة وشريعة وسلوك, فيجب على المسلم المستسلم لأوامر الله وأحكامه أن يتمثل بمقتضاها مندوبها قبل واجبها وأن يترك مكروهها قبل محرمها بقدر وسعه, ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها, وسيد قد فرّط فيما وسعه وزعم الدعوة لما ليس في وسعه وهذا حال كل مفتون عافانا الله ووقانا .

وفي الختام يا دكتورنا الفاضل يشهد الله تعالى بأني أرجو لكل نفس مسلمة قدمت على ربها العفو والتجاوز وأما حكمها في الدنيا فبحسب القرب والبعد عن دين الله، فإن كنت يا أيها الفاضل أو غيرك يجادل عن أفكار سيد فهلم للنقاش ومقارعة الحجة بالحجة فأرجع صاغرا لها وأما النزاع حول شخص سيد فليس من شيم العقلاء ، فالله حكم عدل وهو يتولى آخرته، وأما في حكم الدنيا فلم نكلف إلا بالظاهر فمن أظهر البدع وأصل لها واستدل عليها ووالى وعادى عليها بدعناه ولا كرامة ولو كان أقرب قريب وهذا صنيع أئمة السلف من العصر الأول وليس ببدع من العمل. وإلا لزمنا ترك أحكام سلفنا الصالح فيمن هو خير من سيد علما وعبادة كعمرو بن عبيد الذي قال في زهده الخليفة المنصور : كلكم يطلب صيد كلكم يمشي رويد إلا عمرو بن عبيد .

واستغفر الله لي ولك وله الأمر من قبل ومن بعد والحمد كله له جل في علاه .

وكتبه / علي بن عمر النهدي
بتاريخ (22 شوال 1433) وأعاد النظر وزاد فيه بتاريخ (5 ذو القعدة 1433) .
----------------------------
(1) طالبني الدكتور محمد الفاضل بالإنصاف تجاه سيد قطب في سياق تعليقه على مقالي (كلمة منصفة في سيد قطب) فكان هذا المقال بيانًا لمحل الإنصاف في حال سيد قطب وأمثاله .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق