بسم الله الرحمن الرحيم
تعليقة على قولهم ( الشيخ الألباني وافق المرجئة )
..
الحمد لله والصلاة
والسلام على رسوله وعبده .... أما
بعد :
هذه العبارة مجملة
وهي تدل على معنيين:
إما الموافقة لهم في
الاعتقاد.
أو الموافقة لهم في
الألفاظ والعبارات.
فأما الأول فهو
بهتان لا يقوم على حجة تنجي يوم التناد، والعاقل فضلاً عن صاحب الديانة عليه في
أقل أحواله أن يتورع ويتهم نفسه في هذا الحكم فخصمه إمام من أئمة السنة وليس آحاد
الناس، وبنيانه الذي بناه لا يقوم على أساس صحيح، فكل ما في الباب عبارات وألفاظ
ودعاوى بعض المنتسبين للشيخ الألباني رحمه الله , وقد خالفهم كثير ممن عاصر الشيخ
وخالطه من أقرانه أو ممن أخذ عنه وتتلمذ عليه , والنقاش ليس مع هذا الصنف لأن مجال
الكلام والملام لا تكفيه هذه التعليقة.
وأما المذهب الثاني
وهم الذين يقولون : الشيخ الألباني رحمه الله وافق المرجئة في اللفظ والعبارة،
فكما أن للشيخ تقريرات صريحة توافق ما عليه أهل السنة بلا جدال في دلالتها، ولكن
له في المقابل ألفاظ وعبارات موهمة وافق فيها تقريرات المرجئة الذين يُخرجون العمل
من الإيمان وبها يصح قولنا أن الشيخ الألباني رحمه الله وافق المرجئة!
ولكن غفل هؤلاء عما
ينبغي في هذه الحال ألا وهو حمل هذه العبارات على ما يُعرف عن الشيخ الألباني وعلى
نصوصه الصريحة في المسألة , ثم على ما يعرف من حاله، وبعدها ننظر في العبارات وما
يمكن أن تحمل عليه بما يوافق القول الحق المعروف عن أهل السنة ، فإن لم نجد
لها وجهاً حكمنا بأنها أخطاء لفظية لا ترقى إلى نسبة الشيخ بسببها إلى موافقة
أصحاب هذا المذهب الرديء ونحن نعتقد سلامة عقيدته في الباب.
قال شيخ الإسلام
رحمه الله في الجواب الصحيح (4/44) : ( فإنه يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض،
ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتعرف ما عادته وما يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا
تكلم به، وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عرف عرفه وعادته في
معانيه وألفاظه، كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده. وأما إذا استعمل لفظه في
معنى لم تجر عادته باستعماله فيه، وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته
باستعماله فيه، وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ بجعل
كلامه متناقضاً، وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه، كان ذلك تحريفاً لكلامه عن
موضعه، وتبديلاً لمقاصده وكذباً عليه). انتهى
ومن تأمل أقوال
الشيخ ناصر المختلفة والتي ظاهرها التعارض وتطبيقاته العملية في التكفير علم مراد
ومقصود الشيخ من عباراته وإطلاقاته واستقامته على مذهب أهل الحق كما يأتي بيانه .
فصلٌ في الفرق بين كون عمل الجوارح ركن أو لازم, وأن المحصل واحد
من حيث دخوله في أصل الإيمان:
قال الكوثري في
التأنيب (ص44-45) ما نصه : " كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون
أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، ويرمون بالإرجاء من يرى إن الإيمان هو العقد
والكلمة ، مع أنه الحق الصراح بالنظر إلى حجج الشرع ". انتهى
وقال أيضا في
التأنيب: " وإما إذا عدوا العمل من كمال الإيمان فقط ، فلا يبقى وجه
للتنابز والتنابذ ، لكن تشددهم هذا التشدد يدل على أنهم لا يعدون العمل من كمال
الإيمان فحسب, بل يعدونه ركنًا أصليًا " . انتهى النقل من القائد للمعلمي
انظر أثاره (11/556) .
فعلق الشيخ الألباني
في مقدمة تخريجه لشرح الطحاوية (ص57) قائلًا : " وعليه فالسلف وأولئك الأئمة
الصالحون (!) هم عنده على الباطل في قولهم : بأن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد
وينقص. وقد نقل أبو غدة كلام شيخه ... مع بالغ إعجابه به . وظني به أنه يجهل - أن
هذا التعريف للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح - مع ما فيه من المخالفة لما
عليه السلف كما عرفت، مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم الذين
ذهبوا إلى أن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار ! ... والكوثري في كلمته
المشار إليها يحاول فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان
لفظي ، ويشير بذلك إلى أن الأعمال ليست ركنًا أصليًا ، ثم يتناسى أنهم يقولون :
بأنه يزيد وينقص ، وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقًا " . انتهى
ففي هذا النقل أمور
:
- نفي الشيخ الألباني أن يكون الإيمان هو العقد والكلمة فقط.
- تنصيص الشيخ الألباني على أن ما عليه السلف مخالف لمن جعل الإيمان هو العقد والكلمة.
- نفي الشيخ الألباني لإيهام الكوثري للقراء بأن الخلاف بين السلف والحنفية لفظي ، بزعم الكوثري أن الأعمال عند السلف شرط كمال ، بالمعنى الأصولي للشرطية ، ومن هنا جعل الكوثري الخلاف لفظيًا بزعمه بين السلف والحنفية، وعلى هذا من المحال أن يكون مقصود الشيخ الألباني بشرط الكمال ما زعمه الكوثري وقد رده عليه الألباني بالزيادة والنقصان المتضمن نفي معنى الشرطية الأصولي.
- الشيخ الألباني ينفي كون عمل الجوارح ركناً أصلياً في الإيمان بحيث أنه يتعين عمل بعينه يكون مجرد فقده فقد للإيمان ، ولكنه يجعله لازماً غير منفك عن الإيمان لاتباطها بالزيادة والنقصان التي هي من أركان تعريف الإيمان عند أهل السنة ، ومن المعلوم أن كل من يقول بالزيادة والنقصان يلزمه إدخال عمل الجوارح في الإيمان، وأما كونه لازماً وليس ركناً فخلاف لفظي بين أهل السنة نص على ذلك شيخ الإسلام وسيأتي، لأن اللزوم حتمي الوجود بمعنى أنها لازم متمم (مكمل) لأصل الإيمان ،والفرق بين اللزوم والركنية أن الركن جزء مستقل بذاته وأما اللازم فهو تبع لملزومه .
- نفي الشيخ الألباني أن يكون الإيمان هو العقد والكلمة فقط.
- تنصيص الشيخ الألباني على أن ما عليه السلف مخالف لمن جعل الإيمان هو العقد والكلمة.
- نفي الشيخ الألباني لإيهام الكوثري للقراء بأن الخلاف بين السلف والحنفية لفظي ، بزعم الكوثري أن الأعمال عند السلف شرط كمال ، بالمعنى الأصولي للشرطية ، ومن هنا جعل الكوثري الخلاف لفظيًا بزعمه بين السلف والحنفية، وعلى هذا من المحال أن يكون مقصود الشيخ الألباني بشرط الكمال ما زعمه الكوثري وقد رده عليه الألباني بالزيادة والنقصان المتضمن نفي معنى الشرطية الأصولي.
- الشيخ الألباني ينفي كون عمل الجوارح ركناً أصلياً في الإيمان بحيث أنه يتعين عمل بعينه يكون مجرد فقده فقد للإيمان ، ولكنه يجعله لازماً غير منفك عن الإيمان لاتباطها بالزيادة والنقصان التي هي من أركان تعريف الإيمان عند أهل السنة ، ومن المعلوم أن كل من يقول بالزيادة والنقصان يلزمه إدخال عمل الجوارح في الإيمان، وأما كونه لازماً وليس ركناً فخلاف لفظي بين أهل السنة نص على ذلك شيخ الإسلام وسيأتي، لأن اللزوم حتمي الوجود بمعنى أنها لازم متمم (مكمل) لأصل الإيمان ،والفرق بين اللزوم والركنية أن الركن جزء مستقل بذاته وأما اللازم فهو تبع لملزومه .
وهذا معنى ما يدندن
حوله الشيخ الألباني وينص عليه بقوله : " فأعمال الجوارح؛ هي أجزاء مكملة
للإيمان ما هي أجزاء أصيلة من الإيمان، إنما كلما ازداد الإنسان عملًا صالحًا؛
كلما قوي هذا الإيمان الذي مقره القلب " .
وقوله : " أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح
وأعمال الجوارح تبع , فكل مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه بل هو
أصل العمل وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان حيث ظنوا أنه
مجرد التصديق دون الأعمال " .
وقوله : "
فهناك ارتباط وثيق جدًا بين العمل القلبي وبين العمل البدني، فكلما ازداد الإيمان
في القلب كلما ظهرت آثاره على البدن، وكلما ازداد العمل بدنيًا، عاد بزيادة في
الإيمان القلبي" .
فإثبات الشيخ
الألباني (( الارتباط الوثيق جدًا )) بين القلب والبدن، وهو ما يسمى بالتلازم بين
الباطن والظاهر وانتبه إلى الشيخ الألباني يثبته في أصل الإيمان، فهذا الإثبات واضح
في إثبات جنس العمل أو مطلق العمل أو شيء من العمل - سمه ما شئت - وأنه من الإيمان
ولابد ، ولكن الشيخ الألباني يجعل هذا الضرب من العمل جزءًا متممًا للأصل ، ولا
يجعله ركنًا في الأصل . فمطلق عمل الجوارح أو جنسه أو الضرب منه عند الألباني جزءٌ
لازمٌ متتمٌ للأصل إذا زال بالكلية استلزم زوال ملزومه الذي هو الأصل الموجود في
القلب، ولا يجعله ركنًا من أركان الأصل ،بمجرد فقده ينتقض الإيمان.
فكون أعمال الجوارح
ركنًا أصليًا في الإيمان أو كونها لازمًا لما في القلب من التصديق والإذعان ، هو
خلاف بين أهل السنة، ومؤدى القولين واحد بالنسبة لإدخال الأعمال في الإيمان ،
والحنفية وكل مرجئ ليسوا من أهل هذا الخلاف لإخراجهم العمل من الإيمان
ابتداءا ونفيهم للزيادة والنقصان، فمن لم يجعل العمل ركنًا في الإيمان من أهل
السنة ، جعله من لوازم الإيمان وبه تكون الزيادة والنقصان ، وهذا ما رد به الشيخ
الألباني على الكوثري الذي أوهم بأن الخلاف لفظيًا لو كان العمل شرط كمال عند
السلف فلا يكون ثمة خلاف معنوي بينهم وبين الحنفية!.
وقد نص شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله في أكثر من موضع على صفة الخلاف اللفظي كما يلي :
فقال رحمه الله : ((
إذَا تَبَيَّنَ هَذَا وَعُلِمَ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ مِنْ
التَّصْدِيقِ وَالْحُبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْأُمُورَ الظَّاهِرَةَ
مِنْ الْأَقْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ ؛ كَمَا أَنَّ
الْقَصْدَ التَّامَّ مَعَ الْقُدْرَةِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُرَادِ وَأَنَّهُ
يَمْتَنِعُ مَقَامَ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ فِي الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ
مُوجِبِ ذَلِكَ وَمُقْتَضَاهُ زَالَتْ " الشُّبَهُ الْعِلْمِيَّةُ " فِي
هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا " نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ " فِي
أَنَّ مُوجِبَ الْإِيمَانِ الْبَاطِنِ هَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْهُ دَاخِلٌ فِي
مُسَمَّاهُ فَيَكُونُ لَفْظُ الْإِيمَانِ دَالًّا عَلَيْهِ بِالتَّضَمُّنِ
وَالْعُمُومِ ؟ أَوْ هُوَ لَازِمٌ لِلْإِيمَانِ وَمَعْلُولٌ لَهُ وَثَمَرَةٌ لَهُ
فَتَكُونُ دَلَالَةُ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ ؟ )) . اهـ [مجموع
الفتاوى 7/757]
وقال رحمه الله :
((أَنَّكُمْ سَلَّمْتُمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ لَازِمَةٌ لِإِيمَانِ
الْقَلْبِ فَإِذَا انْتَفَتْ لَمْ يَبْقَ فِي الْقَلْبِ إيمَانٌ وَهَذَا هُوَ
الْمَطْلُوبُ ؛ وَبَعْدَ هَذَا فَكَوْنُهَا لَازِمَةً أَوْ جُزْءًا نِزَاعٌ
لَفْظِيٌّ)) . اهـ [ مجموع الفتاوى 7/203]
وقال رحمه الله :
((وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جِنْسَ الْأَعْمَالِ مِنْ لَوَازِمِ إيمَانِ الْقَلْبِ
وَأَنَّ إيمَانَ الْقَلْبِ التَّامِّ بِدُونِ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ
الظَّاهِرَةِ مُمْتَنِعٌ سَوَاءٌ جَعَلَ الظَّاهِرَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ
أَوْ جُزْءًا مِنْ الْإِيمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ)) اهـ [مجموع الفتاوى
7/616]
ويقول شيخ الإسلام
(7/579) : (( فإن المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل
الطاعة ويقتضي ذلك والطاعة من ثمراته ونتائجه لكنها تنازع هل يستلزم الطاعة )) .
انتهى .
يعني أن العلاقة بين
طاعة الجوارح وبين إيمان القلب إما أن تكون علاقة تلازم أو تكون علاقة بين السبب
والمسبب , والأول كشروق الشمس وطلوع النهار , أما الثاني فكحال الشجرة وثمرتها لا
يلزم من وجود الشجرة وجود ثمراتها فقد توجد وقد لا توجد , فالأول مذهب أهل السنة
والثاني مذهب المرجئة، والشيخ الألباني يقرر الحق دائما كما سترى في ما يلي عنه:
يقول الشيخ ناصر الدين
الألباني رحمه الله في [رد له على البوطي] : (( نعلم علم اليقين أنه كلما ازداد
المسلم إتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم ازداد حبًا له, وأنه كلما ازداد حبًا له
ازداد إتباعًا له صلى الله عليه وسلم, فهما أمران متلازمان كالإيمان والعمل الصالح
تمامًا )) . اهـ
ويقول رحمه الله :
(( فهناك ارتباط وثيق جدًا بين العمل القلبي وبين العمل البدني, فكلما ازداد الإيمان
في القلب كلما ظهرت آثاره على البدن, وكلما ازداد العمل بدنيًا, عاد بزيادة في
الإيمان القلبي )). انتهى
ويقول رحمه الله
متحدثًا عن حقيقة الإيمان : (( الإيمان أولًا : لابد من أن يتحرك القلب بالإيمان
بالله ورسوله؛ ثم لابد أن يقترن مع هذا الإيمان الذي وقر في القلب، أن يظهر ذلك
على البدن والجوارح )) . انتهى
ويقول رحمه الله :
(( لا أستطيع أن أتصور مؤمنًا وقد كان كافرًا, ثم آمن بالله ورسوله حقًا, مستحيل
أن أتصور أنه سيبقى كما كان ... والسبب أن الإيمان كما قلنا يزيد وينقص .... فكلما
قوي إيمان أحدهم, كلما قويت الآثار الصالحة الظاهرة في بدنه, وكلما ضعف هذا
الإيمان أو قلت قوته على الأقل كلما كان الظاهر في بدنه قليلًا ... يصل لدرجة إذا
نقص ذهب, وليس كل ناقص معناه ذهب )) .اهـ
وتأمل قول الشيخ
ناصر (( يصل لدرجة إذا نقص ذهب )) فهذا لا يقوله المقررون لإيمان تارك عمل الجوارح
بالكلية , فلازم قولهم أن أصل الإيمان لا ينتقض بعدم وجود أصل عمل الجوارح , وكذلك
يلزمهم موافقة الطحاوي رحمه الله فيما قرره في عقيدته بقوله : "
وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ " ومن توفيق الله جل
وعز للشيخ الألباني رحمه الله تعليقه على مخالفة الطحاوي هذه فقال كما في تعليقاته
على العقيدة الطحاوية في هذا الموطن : " الصواب فيه أنه متفاوت في أصله
" فتنبه.
وبذلك يظهر أن
الإشكال عند البعض في بحث الشيخ الألباني إنما هو في استعمالاته اللفظية لمصطلحات
شرعية غير مألوفة وهو رحمه الله يعتمد في ذلك على مقولة " لا مشاحة في
الاصطلاح " ، فيطلق اللفظ بأن كل ما يظهر على البدن شرط كمال أو كمال وهو
يريد أن منها لوازم متممة للإيمان الذي أصله في القلب ، وبحسب مكانة الملزوم تكون
مكانة اللازم ، فمن اللوازم ما يُتمم الأصل الذي به يصح الإيمان، ومنها ما يُتمم الواجب
كمالًا واجبًا، ومنها ما يُتمم المستحب كمالًا مستحبًا، فالشيخ ناصر يريد أن يبين
أن الجزء المتمم ليس أصليًا ، سواء كان متممًا للأصل أو لما فوق الأصل من الإيمان
الواجب أو الإيمان المستحب.
ويؤكد هذا المعنى
استفاضة تقرير الشيخ ناصر لأصلين يذكرهما في سياق واحد :
الأول : إن عمل الجوارح من الإيمان.
الثاني : استحالة وجود الإيمان بدون أعمال الجوارح ، وإنه متى وجد أحدهما وجد الآخر ضرورة ، وأن هذا معنى الزيادة والنقصان يستلزم ذلك.
الأول : إن عمل الجوارح من الإيمان.
الثاني : استحالة وجود الإيمان بدون أعمال الجوارح ، وإنه متى وجد أحدهما وجد الآخر ضرورة ، وأن هذا معنى الزيادة والنقصان يستلزم ذلك.
وأما قوله رحمه الله
بأن السلف فرّقوا بين العمل والإيمان , فله معنى صحيح يوافق الحق ويوضحه لنا شيخ
الإسلام بما يوافق ما تقدم بيانه بنص واضح صريح منه رحمه الله يقول فيه كما في
مجموع الفتاوى (7/198) : " وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنَ
الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ فِي مَوَاضِعَ فَهَذَا صَحِيحٌ ... وَذَلِكَ لِأَنَّ
أَصْلَ الْإِيمَانِ هُوَ مَا فِي الْقَلْبِ وَالْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ لَازِمَةٌ لِذَلِكَ, لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ إيمَانِ
الْقَلْبِ الْوَاجِبِ مَعَ عَدَمِ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْجَوَارِح ". انتهى
فبما تقدم يتضح أن
إلزام الشيخ الألباني رحمه الله بمعنى الشرطية عند الأصوليين ، أو بمعنى الكمال
عند المرجئة كما فهمه المنتقدون غير لازم للشيخ وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية حين
يقول : " لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَحْمِلَ كَلَامَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا
عَلَى مَا عُرِفَ أَنَّهُ أَرَادَهُ لَا عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ فِي
كَلَامِ كُلِّ أَحَدٍ " . انتهى
وبما تقدم يظهر خطأ
نسبة الشيخ الألباني لموافقة المرجئة بمجرد ظاهر عباراته أو بمجرد نسبة ذلك له ممن
ينتسب إليه من أصحابه ممن يقرر إيمان تارك أعمال الجوارح بالكلية , فضلا عن نسبة
هذا القول له بلوازم أقواله وهو غلط بلا شك.
فكيف وقد خالفهم
غيرهم كفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد البدر حفظه الله في مقال له بعنوان (الحق في
نصوص الوعد والوعيد وسط بين طرفي الإفراط والتفريط) بعد أن وقف على نصوص الشيخ
الألباني الواضحة الصريحة فقال ما نصه : " وإن مما يؤسف له أن يُبتلى عدد
قليل من طلبة العلم بالنيل من الشيخ العلامة المحدث الألباني رحمه الله ووصفه
بالإرجاء ... وقد وقفت في كلامه على ما يوضح سلامته من الإرجاء ... فما فيه إجمال
واحتمال ينبغي أن يحمل على أحسن المحامل فيحمل على كلامه المفسَّر، وقد قال شيخ
الإسلام ابن تيمية في الرد على البكري (ص 324): ((ومعلوم أن مفسر كلام المتكلم
يقضي على مجمله، وصريحه يقدَّم على كنايته)) " . انتهى كلام الشيخ عبد المحسن
سلمه الله.
وكذلك فضيلة الشيخ
الدكتور فلاح مندكار حفظه الله وقد سألته عمن ينسب الشيخ الألباني لموافقة المرجئة
فقال حفظه الله : " والله من عرف الألباني يعلم علم اليقين خطأ ذلك ". وأفاد
حفظه الله بأن الموافقة لأهل البدع في الألفاظ قد تحصل، بحيث نتوافق معهم في
ألفاظ تفيد معاني صحيحة فيكونون هم الموافقون لنا ولا ينسب أهل السنة لموافقتهم
ولا أرى حال الشيخ ناصر رحمه الله إلا هذه الحال ولكنهم لما يعرفوا وجهه والله
المستعان " . وقد فصّل الشيخ فلاح حفظه الله ذلك في شرحه لرسالة الإمام أحمد بن حنبل في أصول
السنة عند قول الإمام رحمه الله : " ومن ترك الصلاة فقد كفر , وليس من
الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة " .
فهذان الشيخان ممن لازما الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله وينفيان عنه هذا القول جملة وتفصيلا
وغيرهم كثير , فلا يصح الاعتماد على مخالفيهم من المنتسبين للشيخ الألباني رحمه
الله وينبغي الرجوع لمجموع أقواله وتمحيصها وبذلك يظهر للمنصف صحة الدعوى أو
فسادها .
والله اعلم وصل
اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
وكتب / علي بن عمر
النهدي
23 صفر 1437
23 صفر 1437
|
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق