الثلاثاء، 26 فبراير 2013

مشروعية الأسماء الدالة على صفات أهل الذكر والمُمِّيزة لهم عن غيرهم من أهل الأهواء والبدع

بسم الله الرحمن الرحيم

مشروعية الأسماء الدالة على صفات أهل الذكر
والمُمِّيزة لهم عن غيرهم من أهل الأهواء والبدع

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وعبده .... أما بعد :

الانتساب لأسماء ذات دلالات وصفات ممدوحة شرعًا والاعتزاء إليها بغرض التميز عن غيرها من الأسماء الدالة على صفات ودلالات مذمومة شرعًا عند الحاجة أمر مشروع ومندوب إليه لا ينكره إلا جاهل أو جاحد مخالف .

وهذا الانتساب جادة أهل الحق عند الحاجة في كل زمان ومكان منذ وقوع التفرق والفتن بين أمة الإسلام بعد مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ففي عام 40 للهجرة المسمى بعام الجماعة والذي اجتمعت فيه كلمة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من عموم الأمة عدا أهل البدع والاهواء من الخوارج والشيعة ونحوهما آنذاك على الملك العادل خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان بتنازل السبط المصلح الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عن الجميع تقلدت الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وهم  أهل الحق من أهل الإسلام مسمى أهل السنة والجماعة, وذلك لمفارقتهم طريقة أهل الأهواء المجانبة لما جاء في السنة مما خالف أهواءهم, والمجانبة للدخول فيما دخل فيه الناس من الاجتماع على خليفة المسلمين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما, فتميز أهل الحق بمسمى أهل السنة والجماعة واستحق أهل الباطل مسمى أهل الأهواء والبدع .

أخرج الإمام مسلم في مقدمة الصحيح : عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد. فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم .

وهذا التمييز والتميز هو العلامة الفارقة التي يهتدي بها عوام المسلمين للاهتداء والاقتداء بأهل الذكر ومعرفتهم معرفة واضحة لأن عوام المسلمين أُمروا بالرجوع إليهم للأخذ عنهم أمور دينهم المنزل على نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى { فأسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }.
لذا كان هذا التميز من أشد ما يكون على أهل الأهواء والبدع, فأصبحوا يمكرون بالناس بالتلبس بالإسم الذي تميز  به أهل الحق والذكر مع بقاءهم على بدعهم ومخالفتهم المضادة للكتاب والسنة ولمضمون الاسم المتميز  به.

ولهذا يحتاج أهل الحق في كل وقت تنشأ فيه فرق جديدة ومحدثات وبدع وأهواء سخيفة تنتسب إلى الحق وأهله , الرد عليها والتميز عنها بالاسم الدال على الوصف القامع لهذه الأهواء الجديدة, فعندما نشأت الأشعرية وهي فرقة مبتدعة وأظهرت نصرة مذهب أهل السنة والجماعة بالرد على المعتزلة والجهمية, ولكنها سلكت طريقة مخالفيها فجمعت إلى ما أظهرته من السنة إقرار بعض الطرق الكلامية المحدثة, وإنكار شيء من السنة الثابتة, فتميز أهل الذكر عنهم بمسمى أهل الحديث الدال على صفتهم وهي التمسك بالنصوص المنزلة في الكتاب والسنة الصحيحة وعدم التفريق بينها والأخذ بدلالاتها وترك التأويل بغير دليل من جنسهما والاقتداء بسبيل من سبقهم من الصحابة والتابعين في الفهم والاستدلال ومجانبة العلوم العقلية الفلسفية الدخيلة على علوم الإسلام.
والأشاعرة لم يرضوا بهذا اللقب (( أهل الحديث )) لأنه يهدم بدعتهم التي فارقوا بها السنة وأهلها, لأن الأشاعرة لا يأخذون بالأحاديث لظنيتها في زعمهم ويزعمون بأن العلم فقط ما كان قطعي , وبالمقابل تجدهم يرمون أهل السنة بألقاب منفرة كـ (( الحشوية والمجسمة .. الخ )) ولكل قوم وارث .

ومرت السنون وظهرت جملة من الأهواء والمحدثات من ضمنها بدعة التعصب المذهبي وتفريق الأمة إلى مذاهب ملزمة تُلزِم المسلمين باجتهادات بشرية مصادمة للنصوص الشرعية ودلالاتها النصية والظاهرة الراجحة, وهي خلاف الانتساب السائغ للمدارس الفقهية المتبوعة كوسيلة لتلقي العلم الشرعي, ثم أعقبها ظهور بدعة الأحزاب الحركية والتنظيمات السرية المتدثرة بلباس العودة إلى دولة الخلافة مما يسمى اليوم بحركات الإسلام السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين المنحرفة وما نشأ عنها من حركات الغلو في التكفير والتفجير والتبديع, ونشأ عنها الشقاق والكراهية بين والولاة والرعية, وتسلط دول الكفر بإذكاء هذا الشقاق وتكريس الفرقة والاختلاف وتقسيم المقسم وتفريق المفرق والله المستعان .

وهاتان البدعتان (( التعصب المذهبي والأحزاب الحركية )) واجهها أهل الحق بالانتساب إلى طريقة سلفهم ممن سبقهم من أهل الحديث والسنة والجماعة, وصفتها تعظيم الأثار والتمسك بالنصوص ودلالاتها والتأكيد على الأصول المهجورة عند أرباب هاتين البدعتين كذم التقليد الأعمى مع معرفة حق الأئمة المتبوعين وقدرهم والحث على الاجتماع على الحق القديم والإسلام العتيق ونبذ التفرق والاختلاف والتحزب والعصبية للرجال والجماعات وغيرها من الأصول المجمع عليها بين أهل السنة والجماعة كأصل السمع والطاعة في المعروف لمن ولاه الله أمر المسلمين والصبر على جورهم وترك الخروج عليهم ومنابذبتهم ومنازعتهم .

فكان من السائغ والمشروع أن يتسمى من كان هذه حاله وصفته بـ (( سلفي )) أو (( أثري )) ويكون المعروفون بهذه الصفات (( سلفيون )) (( أثريون )) ولا ينكر ذلك إلا خصم لهم من المتعصبة أو الحركيين ممن يشتد عليه تميز أهل الذكر بحق بعلامة فارقة, فعندها لا يستطيع بث شبهاته وأهواءه على الناس, لذا تجدهم لا يقبلون هذا التميز والانتساب للسلف والأثر , لأنه يهدم عليهم بدعهم وأهواءهم وتحزباتهم, فطريقة السلف الصالح بريئة من التعصب للرجال ومقررة فيها الأصول الطوال الهادمة لأهواء المتعصبين والحركيين, وبالمقابل تجدهم ينبزون أهل الذكر بحق بـ (( الوهابية والجامية )) ولكل قوم وارث .
   
يقول ابن تيمية في شرح العقيدة الأصفهانية (483-485) : أن الصفة إذا قامت بمحلٍّ عاد حُكمُها إلى ذلك المحل ، فكان هو الموصوفُ بها ، فالعلمُ والقدرة والكلام والحركةُ والسُّكونُ إذا قام بمحلٍّ كان ذلك المحلُّ هو العالم القادر المتكلِّمُ أو المتحرِّكُ أو الساكنُ .... أنه يُشتقُّ لذلك المحل من تلك الصفة اسمٌ ، إذا كانت تلك الصفة مما يشتقُّ لمحلها منها اسمٌ ، كما إذا قام العلمُ أو القدرةُ أو الكلامُ أو الحركة بمحلٍ قيل : عالمٌ أو قادرٌ أو متكلِّمٌ أو متحرِّكٌ ..... أنه لا يُشتقُّ الاسم لمحلٍّ لم يقُم به تلك الصِّفَةُ ، فلا يُقَال لمحلٍّ لم يقم به العلم أو القدرة أو الإرادة أو كلام أو الحركة إنه عالم أو قادر أو مريد أو متكلم أو متحرك " . انتهى المقصود

فالسلفي أو الأثري هو الذي يقوم به الوصف المتقدم ظاهرًا دون ناقض, ومتى قام به الوصف ساغ أن يسمى به , وأما من لم يقم به ذلك الوصف ظاهرًا وإنما إدعاءً وينقضه بظاهر أفعاله , فلا يستحق الاسم ولا الصفة وإن زعم ذلك.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " لَا عَيْبَ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مَذْهَبَ السَّلَفِ وَانْتَسَبَ إلَيْهِ وَاعْتَزَى إلَيْهِ بَلْ يَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ لَا يَكُونُ إلَّا حَقًّا. فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي هُوَ عَلَى الْحَقِّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ دُونَ الْبَاطِنِ: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِ. فَتُقْبَلُ مِنْهُ عَلَانِيَتُهُ وَتُوكَلُ سَرِيرَتُهُ إلَى اللَّهِ. فَإِنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا نَشُقَّ بُطُونَهُمْ ".انتهى (الفتاوى 4/149)

من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى
السؤال : ما تقول فيمن تسمّى بالسلفي والأثري ، هل هي تزكية ؟؟؟
فأجاب رحمه الله : " إذا كان صادقًا أنه أثري أو أنه سلفي لا بأس ، مثل ما كان السلف يقول ، فلان سلفي ، فلان أثري  " .
من محاضرة مسجلة بعنوان: "حق المسلم"، في 16/1/1413 بالطائف

قال الذهبي : [السٓلَفي]  بفتح السين واللام وفي آخرها فاء هذه النسبة إلى السلف وانتحال مذهبهم وعرف به جماعة.
قال الزبيدي في تاج العروس : " للسَّلَفِ مَعْيَنان آخَرانِ أحدُهما كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمْتَهُ أَو فَرَطٍ فَرَطَ لَكَ فهو لَكَ سَلَفٌ وقد سَلَفَ لهُ عَمَلٌ صَالِحٌ.
الثاني : كُلُّ مَن تَقَدَّمَكَ مِن آبَائِكَ وذَوِى قَرَابَتِك الذين هم فَوْقَكَ في السِّنِّ والفَضْلِ واحِدُهم سَالِفٌ ... ومنه حديثُ الدُّعَاءِ للمَيِّتِ : ( وَاجْعَلْهُ سَلَفاً لنا ولهذا سُمِّىَ الصَّدْرُ الأَوَّلُ مِن التَّابِعين السَّلَفَ الصَّالِحَ .
ج : سُلاَّفٌ وأَسْلاَفٌ كما في الصِّحاحِ قال ابنُ بَرِّيّ : ليس سُلاَّفٌ جَمْعَ سَلَفٍ وإنَّمَا هو جَمْعُ سَالِفٍ لِلْمُتَقَدِّمِ وجَمْعُ سَالِفٍ أَيضاً : سَلَفٌ ومِثْلُه خَالِفٌ وخَلَفٌ ومنه أبو بكر عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ السَّرْخَسِيُ السَّلَفِيُّ المُحَدِّثُ سَمِع أبا الفِتْيَانِ الرَّوَّاسِيَّ وآخَرُونَ مَنْسُوبُونَ إِلى السَّلَفِ أَي : بالتَّحْرِيكِ ". انتهى مختصرًا

وختامًا : فالتميز  بالأسماء الشرعية الدالة على المعاني المطلوبة شرعًا للاهتداء بها من قبل عموم المسلمين واجب عند الحاجة ولاسيما عندما تكثر الأهواء ويكثر أهلها فيكاد أن يضيع مفهوم أهل الذكر المنصوص عليه في القرآن والذي بسؤالهم تبرأ الذمة وتقوم الحجة وتستبين المحجة.

والله أعلم وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأهل الذكر من بعدهم أصحاب المنهج السلفي السوي.

وكتبه / علي بن عمر النهدي
16 ربيع الثاني 1434 للهجرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق