بسم الله الرحمن الرحيم
أقوال الققهاء في المذاهب الأربعة الدالة على عدم تنافي القول بوجوب ستر المرأة المسلمة الحرة لوجهها مع تقريرهم بأنه ليس بعورة :
علماء المذهب الحنفي :
قال الجصاص في أحكام القرآن (5/172) : " قوله تعالى { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } إنما أراد به الأجنبيين , دون الزوج وذوي المحارم , لأنه قد بيّن في نسق التلاوة حكم ذوي المحارم في ذلك .وقال أصحابنا : المراد الوجه والكفان , لأن الكحل زينة الوجه , والخضاب والخاتم زينة الكف , فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف , فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين .ويدل على أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة أيضاً , أنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين , فلو كانا عورة لكان عليها سترهما كما عليها ستر ما هو عورة , وإذا كان ذلك جاز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة , فإن كان يشتهيها إذا نظر إليها جاز أن ينظر لعذر , مثل أن يريد تزويجها , أو الشهادة عليها , أو حاكم يريد أن يسمع إقرارها " . انتهى
ويقول الجصاص في أحكام القرآن (5/245) عند قوله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ } : " في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين , وإظهار الستر والعفاف عند الخروج , لئلا يطمع أهل الريب فيهن , وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها , لأن قوله تعالى { وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ } ظاهره أنه أراد الحرائر , وكذا روي في التفسير , لئلا يكن مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس والوجه , فجعل الستر فرقاً يعرف به الحرائر من الإماء " . انتهى
وقال السرخسي في المبسوط كتاب الاستحسان (10/119) : " أن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة هو القياس الظاهر , وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "المرأة عورة مستورة" ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة " . انتهى
وقال رحمه الله في موضع أخر من كتاب الاستحسان (10/125-126) : " يباح النظر إلى موضع الزينة الظاهرة منهن دون الباطنة لقوله تعالى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] , وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم ما ظهر منها الكحل والخاتم , وقالت عائشة رضي الله عنها إحدى عينيها , وقال ابن مسعود رضي الله عنه خفها وملاءتها .وأنه لا يباح النظر إلى شيء من بدنها , ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة , وعامة محاسنها في وجهها , فخوف الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء , وبنحو هذا تستدل عائشة رضي الله تعالى عنها , ولكنها تقول هي لا تجد بداً من أن تمشى في الطريق , فلا بد من أن تفتح عينها لتبصر الطريق , فيجوز لها أن تكشف إحدى عينيها لهذه الضرورة , والثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة .ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما , فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفها ... ثم ذكر الأخبار ... فدل أنه لا بأس بالنظر إلى الوجه والكف , فالوجه موضع الكحل , والكف موضع الخاتم والخضاب وهو معنى قوله تعالى {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] , وخوف الفتنة قد يكون بالنظر إلى ثيابها أيضا قال القائل:وما غرني إلا خضاب بكفها ... وكحل بعينيها وأثوابها الصفرثم لا شك أنه يباح النظر إلى ثيابها , ولا يعتبر خوف الفتنة في ذلك , فكذلك إلى وجهها وكفها , وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة : أنه يباح النظر إلى قدمها أيضا , وهكذا ذكر الطحاوي لأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال , وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء , تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو متنعلة , وربما لا تجد الخف في كل وقت " . انتهى
قال مقيده عفا الله عنه : تأمل عبارة (( فيجوز لها أن تكشف إحدى عينيها )) ونسبه لاختيار عائشة رضي الله عنها وعلله بالضرورة , ولم يرضى ذلك , ووسع الرخصة باختياره لقول علي وابن عباس رضي الله عنهم كما قال وحاصله أن الذي يجوز كشفه الوجه واليدان , وعلل ذلك السرخسي بقوله (( لأنها تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال )) ولم يتوقف عن هذا بل جعل الرخصة شاملة لكل ما تحتاج المرأة لإبداءه ولو كان رحمه الله يبيح السفور لما احتاج لهذا التفصيل فتأمل .ولذلك تجد السرخسي في سياق الحديث عن تغطية وجه الرجل حال الإحرام يقول : " فتخصيصه حالة الضرورة بالرخصة دليل على أن المحرم منهي عن تغطية الوجه ولأن المرأة لا تغطى وجهها بالإجماع مع أنها عورة مستورة فإن في كشف الوجه منها خوف الفتنة " . انتهى
قال الكاساني في بدائع الصنائع (5/121) :فلا يحل النظر للأجنبي من الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إلا الوجه والكفين لقوله تبارك وتعالى {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} إلا أن النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة وهي الوجه والكفان رخص بقوله تعالى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} والمراد من الزينة مواضعها ومواضع الزينة الظاهرة الوجه والكفان فالكحل زينة الوجه والخاتم زينة الكف ولأنها تحتاج إلى البيع والشراء والأخذ والعطاء ولا يمكنها ذلك عادة إلا بكشف الوجه والكفين فيحل لها الكشف وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يحل النظر إلى القدمين أيضا .... ثم ذكر وجه إباحة القدمين وشرع في رده لترجيح مشهور المذهب ... قائلاً : "وجه" ظاهر الرواية ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله جل شأنه {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أنه الكحل والخاتم وروي عنه في رواية أخرى أنه قال الكف والوجه فيبقى ما وراء المستثنى على ظاهر النهي ولأن إباحة النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها للحاجة إلى كشفها في الأخذ والعطاء ولا حاجة إلى كشف القدمين فلا يباح النظر إليهما . انتهى
قال ابن الهمام في فتح القدير /باب الكراهية/فَصْلٌ فِي الْوَطْءِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ :قَوْلُهُ ( قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : مَا ظَهَرَ مِنْهَا الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ ، وَالْمُرَادُ مَوْضِعُهُمَا وَهُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفُّ ) .أَقُولُ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ نَقْلِ قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ الِاسْتِدْلَال عَلَى جَوَازِ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا بِقَوْلِهِمَا فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى { إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } فَإِنَّ فِي تَفْسِيرِهِ أَقْوَالًا مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْهَا سِوَى قَوْلِهِمَا ، لَكِنَّ دَلَالَةَ قَوْلِهِمَا عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاضِحٍ أَيْضًا ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَوْضِعَ الْكُحْلِ هُوَ الْعَيْنُ لَا الْوَجْهُ كُلُّهُ ، وَكَذَا مَوْضِعُ الْخَاتَمِ هُوَ الْأُصْبُعُ لَا الْكَفُّ كُلُّهُ ، وَالْمُدَّعَى جَوَازُ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ كُلِّهِ وَإِلَى كَفَّيْهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، فَالْأَوْلَى فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْمَصِيرُ إلَى مَا جَاءَ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي الرُّخْصَةِ فِي النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا . انتهى ونص ابن الهمام في كتاب الحج من فتحه القدير على تحريم السفور صراحةً فقال :وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ إبْدَاءِ وَجْهِهَا لِلْأَجَانِبِ بِلَا ضَرُورَةٍ ، وَكَذَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ . انتهى
وقال ملا علي قاري في فتح العناية :(والحرة) أي وعورة الحرة (بدنها) أي جميع أعضائها ... (إلا الوجه والكف والقدم) لقول تعالى { لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } أي إلا ما جرت به العادة على ظهورها للأجانب من الوجه والكف والقدم , إذ من ضرورة إبداء الزينة إبداء مواضعها , والكحل زينة الوجه والخاتم زينة الكف , ولأن المرأة لا تجد بُداً من مزاولة الأشياء بيديها .ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً : الشهادة والمحاكمة ... ومواضع الضرورة مستثناة من قواعد الشرع " . انتهى
وقال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح / باب شروط الصلاة/ فصل في متعلقات الشروط وفروعه :قوله ( وجميع بدن الحرة ) : أي جسدها .قوله ( إلا وجهها ) : ومنع الشابة من كشفه لخوف الفتنة لا لأنه عورة . انتهى
وقال ابن نجيم في البحر الرائق (1/284) :قَوْلُهُ ( وَبَدَنُ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا ) لقوله تَعَالَى { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا ما ظَهَرَ منها } النور 31 قال ابن عَبَّاسٍ وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا وَإِنْ كان ابن مَسْعُودٍ فَسَّرَهُ بِالثِّيَابِ كما رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَلِأَنَّ النبي نهى الْمُحْرِمَةَ عن لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَلَوْ كَانَا عَوْرَةً لَمَا حَرُمَ سِتْرُهُمَا , وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تدعو إلَى إبْرَازِ الْوَجْهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَإِلَى ابراز الْكَفِّ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ فلم يُجْعَلْ ذلك عَوْرَةً . وَعَبَّرَ بِالْكَفِّ دُونَ الْيَدِ كما وَقَعَ في الْمُحِيطِ لِلدَّلَالَةِ على أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَاطِنِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْكَفِّ عَوْرَةٌ كما هو ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ , وفي مُخْتَلِفَاتِ قاضيخان ظَاهِرُ الْكَفِّ وَبَاطِنُهُ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ إلَى الرُّسْغِ ورجحة في شَرْحِ الْمُنْيَةِ ... وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ إخْرَاجَ الْكَفِّ عن كَوْنِهِ عَوْرَةً مَعْلُولٌ بِالِابْتِلَاءِ بِالْإِبْدَاءِ إذْ كَوْنُهُ عَوْرَةً مع هذا الِابْتِلَاءِ مُوجِبٌ لِلْحَرَجِ وهو مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ وَهَذَا الِابْتِلَاءُ كما هو مُتَحَقِّقٌ في بَاطِنِ الْكَفِّ مُتَحَقِّقٌ في ظَاهِرِهِ ا هـ . وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ " . انتهى
قال مقيده عفا الله عنه : ألا يحق لنا التأمل في حكاية الخلاف في المذهب الحنفي حول اليد وهل يُرخّص في إبدائها كلها أو ما تدعو الحاجة إليه وهو الباطن دون الظاهر ؟!!ولاحظ تعليلهم إخراج الوجه والكف عن كونهما عورة قال (( مَعْلُولٌ بِالِابْتِلَاءِ بِالْإِبْدَاءِ )) .ثم جزم ابن نجيم أن المذهب التفريق بين باطن اليد وظاهرها , وكل ذلك ودليلهم { إلا ما ظهر منها } فهل يقال أن الأحناف يقولون بإباحة السفور للوجه !!؟
وقال الطوري في تكملة البحر الرائق/كتاب الكراهية/فصل في النظر واللمس :وَاسْتَدَلَّ الشَّارِحُ على جَوَازِ النَّظَرِ إلَى ما ذُكِرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا ما ظَهَرَ منها } النور 31 قال عَلِيٌّ وابن عَبَّاسٍ ما ظَهَرَ منها الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ لَا الْوَجْهُ كُلُّهُ وَالْكَفُّ فَلَا يُفِيدُ المدعي فَتَأَمَّلْ.
وَالْأَصْلُ في هذا أَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ لِقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ إلَّا ما اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ وَهُمَا عُضْوَانِ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا بُدَّ لها من الْخُرُوجِ لِلْمُعَامَلَةِ مع الْأَجَانِبِ فَلَا بُدَّ لها من إبْدَاءِ الْوَجْهِ لِتُعْرَفَ فَتُطَالَبَ بِالثَّمَنِ وَيُرَدَّ عليها بِالْعَيْبِ وَلَا بُدَّ من إبْدَاءِ الْكَفِّ لِلْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَدَمَ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَا ضَرُورَةَ في إبْدَاءِ الْقَدَمِ فَهُوَ عَوْرَةٌ في حَقِّ النَّظَرِ وَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ في حَقِّ الصَّلَاةِ كَذَا في الْمُحِيطِ . انتهى
علماء المذهب المالكي :
- جاء في مدونة الإمام مالك (2/95) كتاب الأيمان بالطلاق :
" سئل رحمه الله : أرأيت إذا قال: لها أنت طالق فجحدها ؟
فقال الإمام مالك : لا تتزين له, ولا يرى لها شعرًا, ولا صدرًا, ولا وجهًا ". انتهى
فانظر كيف حرم رؤية الوجه على من يطلق زوجته ثلاثا لأنها تصبح في حكم الأجنبية عنه.
فهذا هو مذهب الإمام مالك صريحاً في حكم ستر وجه المرأة المسلمة فتأمل.
- قال ابن العربي في أحكام القرآن :قَوْلُهُ : { إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } وَاخْتُلِفَ فِي الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الثِّيَابُ يَعْنِي أَنَّهَا يَظْهَرُ مِنْهَا ثِيَابُهَا خَاصَّةً ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ .الثَّانِي : الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرُ .الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ .وَهُوَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي بِمَعْنًى ، لِأَنَّ الْكُحْلَ وَالْخَاتَمَ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ بِمَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَرَى الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ هِيَ الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ يَقُولُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كُحْلٌ أَوْ خَاتَمٌ ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ وَجَبَ سَتْرُهَا ، وَكَانَتْ مِنْ الْبَاطِنَةِ .وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ هِيَ الَّتِي فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، فَإِنَّهَا الَّتِي تَظْهَرُ فِي الصَّلَاةِ . وَفِي الْإِحْرَامِ عِبَادَةً ، وَهِيَ الَّتِي تَظْهَرُ عَادَةً .انتهى
وقال ابن العربي عند قَوْلُهُ : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } :وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَذِنَ فِي مُسَاءَلَتِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فِي حَاجَةٍ تَعْرِضُ أَوْ مَسْأَلَةٍ يُسْتَفْتَى فِيهَا ؛ وَالْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ ؛ بَدَنُهَا وَصَوْتُهَا ، فَلَا يَجُوزُ كَشْفُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ لِحَاجَةٍ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا ، أَوْ دَاءٍ يَكُونُ بِبَدَنِهَا ، أَوْ سُؤَالِهَا عَمَّا يَعِنُّ وَيَعْرِضُ عِنْدَهَا .انتهى
وقال ابن العربي في عارضة الاحوذي (4/56) :قوله في حديث ابن عمر : " ولا تنتقب المحرمة " وذلك لأن ستر وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج , فإنها ترخي شيئاً من خمارها على وجهها غير لاصق به , وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها . انتهى
وقال أبو الوليد ابن رشد رحمه الله (البيان والتحصيل 4/427) : جائز للرجل أن يقوم للمرأة الأجنبية في حوائجها ويناولها الحاجة إذا غض بصره عما لا يحل له النظر إليه مما لا يظهر من زينتها لقول الله عز وجل: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: ٣١] وذلك الوجه والكفان على ما قاله أهل التأويل فجائز للرجل أن ينظر إلى ذلك من المرأة عند الحاجة والضرورة " .
وقال ابن القطان الفاسي في النظر في أحكام النظر (ص142) :وهذا القول - أي أن الزينة الظاهرة هي [الوجه واليدان] - هو قول الأوزاعي والشافعي وأبي ثور ... وأما مذهب مالك رحمه الله فيشبه أن يقال إنه هو هذا ... ثم ذكر اختلاف أصحاب مالك وأن منهم من نسبه إلى قول ابن مسعود رضي الله عنه ...ثم قال ابن القطان : ويحتمل عندي أن يقال : أن مذهب مالك هو أن نظر الرجل إلى وجه المرأة الأجنبية , لا يجوز إلا من ضرورة ... وجواز البُدوِّ وتحريمه , مرتب عنده - أي عند مالك - على جواز النظر , أو تحريمه , فكل موضع له فيه جواز النظر , فيه إجازة البُدوِّ . انتهى
- وقال ابن القطان (ص406) :ليس من الضرورات احتياجها إلى أن تبيع أو تبتاع أو تستصنع , وقد روي عن مالك : أرى أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم , ولا تترك الشابة تجلس إلى الصناع , وأما المتجالة والخادم الدون ومن لا يتهم على القعود عنده , ومن لا يتهم فلا بأس بذلك .وهذا كله صواب من القول , فإن أكثر هذه ليست بضرورات مبيحة للتكشف , وقد تصنع وتستصنع وتتصرف بالبيع والشراء وغير ذلك وهي مستترة , ولا يمنعن من الخروج والمشي في حوائجهن ولو كن معتدات , وإلى المسجد , وإنما يمنعن من التبرج والتكشف والتطيب للخروج والتزين , بل يخرجن وهن منتقبات ولا يخفقن في المشي في الطرقات بل يلصقن بالجدرات . انتهى
- يقول ابن عبد البر رحمه الله [مقدمة الكافي في فقه أهل المدينة ] : " واعتمدت فيه على علم أهل المدينة وسلكت فيه مسلك مذهب الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس رحمه الله , لما صح له من جمع مذاهب أسلافه من أهل بلده , مع حسن الاختيار وضبط الآثار , فأتيت فيه بما لا يسع جهله لمن أحب أن يسم بالعلم نفسه , واقتطعه من كتب المالكيين ومذهب المدنيين واقتصرت على الأصح علماً والأوثق نقلاً " . انتهى
وقال ابن عبد البر في باب عقد النكاح [الكافي2/519] : " ومن أراد نكاح امرأة فليس له عند مالك أن ينظر إليها ولا يتأمل محاسنها وقد روي عنه أنه ينظر إليها وعليها ثيابها ومن أباح من العلماء النظر إليها عند خطبتها فإنه يبيح أن ينظر منها إلى وجهها وكفيها لأن ذلك ليس عليها ستره في صلاتها " . انتهى
ثم قال ابن عبد البر [الكافي 2/1136] : " وعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم , ولتضرب المرأة بخمارها وهو كل ما يغطي رأسها على جيبها لتستر صدرها , ولا تبدي زينتها إلا لبعلها أو أبن بعلها أو ابنها أو أخيها أو ابن اخيها أو ابن اختها او ما ملكت يمينها , ... وقد رُدت الرخصة في أكل المرأة مع عبدها الوغد ومع خادمها المأمون " . انتهى
ويقول ابن عبد البر (التمهيد 3/461) مستنبطاً من حديث ابن أبي القعيس رضي الله عنه : " في هذا الحديث دليل على أن احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام , وأنهم كانوا يرون النساء , ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم , إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم , حتى نزلت آيات الحجاب .... فأُمر النساء بالحجاب , ثم أُمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلالبيبهن , وهو القناع , وهو عند جماعة العلماء في الحرائر دون الإماء.وفيه أيضاً - أي في الحديث - أن ذوي المحارم من النسب والرضاع , لا يُحتجب منهم , ولا يستتر عنهم , إلا العورات , والمرأة في ما عدا وجهها وكفيها عورة " . انتهى
قال مقيده عفا الله عنه : يقرر ابن عبد البر أن الذي يجوز إبداءه من النساء لمحارمهن , وجهها وكفيها فقط , فما الفرق بين المحارم وغيرهم على قول من يبيح السفور للنساء , وهو أن للمرأة أن تكشف وجهها دائماً , وهل يكون ابن عبد البر من هؤلاء المبيحين فتأمل .
- وقال القرطبي عند قوله تعالى { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } : في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتين فيها ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها كما تقدم فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها . انتهى
وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن الأقوال عن السلف في تفسير قوله تعالى { إلا ما ظهر منها } ثم قال رحمه الله :قال ابن عطية : ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه ، أو إصلاح شأن ونحو ذلك. فـ {مَا ظَهَرَ} على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه.قلت [القرطبي] : هذا قول حسن ، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج ، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما.فهذا أقوى من جانب الاحتياط ؛ ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها ، والله الموفق لا رب سواه. انتهى
وقال القرطبي عند قوله { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ } :لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكرة فيهن أمر الله رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف فيقع الفرق بينهن وبين الإماء فتعرف الحرائر بسترهن. انتهى
- قال ابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل :{ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } نهى عن إظهار الزينة بالجملة ثم استثنى الظاهر منها ، وهو ما لا بد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك ، فقيل : إلا ما ظهر منها يعني الثياب؛ فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها ، وقيل : الثياب والوجه والكفان ، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة .انتهى
وقال ابن جزي عند قوله تعالى { ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ } :كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء ، وكان ذلك داعياً إلى نظر الرجال لهن ، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن ، ويفهم الفرق بن الحرائر والإماء . انتهىوقال ابن جزي في القوانين الفقهية :وإن كانت أجنبية جاز أن يرى الرجل من المتجالة الوجه والكفين ولا يجوز أن يرى ذلك من الشابة إلا لعذر من شهادة أو معالجة أو خطبة .انتهى
- وقال القرافي في الذخيرة :وقوله تعالى ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) يقتضي العفو عن الوجه واليدين من الحرة لأنه الذي يظهر عند الحركات للضرورة .انتهى
- قال الآبي في جواهر الإكليل :أن ابن مرزوق نص على أن مشهور المذهب وجوب ستر الوجه والكفين إن خشيت فتنة من نظر أجنبي إليها . انتهىالشرح الصغير للدردير المسمى أقرب المسالك :( وَ ) عَوْرَةُ الْحُرَّةِ ( مَعَ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ ) : مِنْهَا أَيْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا جَمِيعُ الْبَدَنِ ( غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ) : وَأَمَّا هُمَا فَلَيْسَا بِعَوْرَةٍ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا سَتْرُهُمَا لِخَوْفِ فِتْنَةٍ .انتهى
- وفي حاشية الصاوي على الشرح الصغير المسمى ببلغة السالك لأقرب المسالك :قَوْلُهُ : [ غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ] إلَخْ : أَيْ فَيَجُوزُ النَّظَرُ لَهُمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا بِغَيْرِ قَصْدِ لَذَّةٍ وَلَا وِجْدَانِهَا ، وَإِلَّا حَرُمَ .وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ سَتْرُ وَجْهِهَا وَيَدَيْهَا ؟ وَهُوَ الَّذِي لِابْنِ مَرْزُوقٍ قَائِلًا : إنَّهُ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ : أَوْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا عَلَى الرَّجُلِ غَضُّ بَصَرِهِ ؟ وَهُوَ مُقْتَضَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ عَنْ عِيَاضٍ .انتهىحاشية الدسوقي على الشرح الكبير :قَوْلُهُ ( غير الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ) أَيْ وَأَمَّا هُمَا فَغَيْرُ عَوْرَةٍ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِمَا وَلَا فَرْقَ بين ظَاهِرِ الْكَفَّيْنِ وَبَاطِنِهِمَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْشَى بِالنَّظَرِ لِذَلِكَ فِتْنَةً وَأَنْ يَكُونَ النَّظَرُ بِغَيْرِ قَصْدِ لَذَّةٍ وَإِلَّا حرم النَّظَرُ لَهُمَا وَهَلْ يَجِبُ عليها حِينَئِذٍ سَتْرُ وَجْهِهَا وَيَدَيْهَا وهو الذي لِابْنِ مَرْزُوقٍ قَائِلًا إنَّهُ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أو لَا يَجِبُ عليها ذلك وَإِنَّمَا على الرَّجُلِ غَضُّ بَصَرِهِ وهو مُقْتَضَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ عن عِيَاضٍ . انتهى
- قال عليش في منح الجليل :وهي من حرة مع رجل أجنبي مسلم جميع جسدها غير الوجه والكفين ظهراً وبطناً فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي وله نظرهما إن لم تخش الفتنة فإن خيفت الفتنة به فقال ابن مرزوق مشهور المذهب وجوب سترهما وقال عياض لا يجب سترهما ويجب عليه غض بصره وقال زروق يجب الستر على الجميلة ويستحب لغيرها .انتهىقال مقيده عفا الله عنه : قولهم (( أو لَا يَجِبُ عليها ذلك وَإِنَّمَا على الرَّجُلِ غَضُّ بَصَرِهِ وهو مُقْتَضَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ عن عِيَاضٍ )) لم يُتابع القاضي عياض على قوله هذا , لبطلان ما قام عليه وهو التفريق في التشريع بين حجاب أمهات المؤمنين وبين باقي نساء المسلمين .وقد فهم بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر والنووي أن مقصود القاضي عياض بخصوصية أمهات المؤمنين بالحجاب , إنما هو في استتار شخوصهن عن العامة , وأن لا يخاطبن إلا من وراء حجاب يستر أشخاصهن مع حجاب أبدانهن , لا أنه يبيح السفور . والله أعلم
علماء المذهب الشافعي :
وقال إمام الحرمين الجوينيُّ الشافعي رحمه الله (روضة الطالبين 7/24) :اتفق المسلمون على منع النِّساء من الخروج سافرات الوجوه؛ لأنَّ النَّظر مظنَّة الفتنة، وهو محرك للشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع سدُّ الباب فيه، والإعراض عن تفاصيل الأحوال، كالخلوة بالأجنبية .انتهى
قال الغزالي في الإحياء (2/53) :فإذا خرجت فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال , ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه , بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط , فإن لم تكن فتنة فلا , إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن منتقبات , ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقب أو منعن من الخروج إلا لضرورة . انتهى
قال النووي في المنهاج :وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبِيرَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ , وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ ، وَكَذَا عَنْدَ الْأَمْنِ عَلَى الصَّحِيحِ . انتهى
قال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب :وَتَحْتَجِبُ مُسْلِمَةٌ عن كَافِرَةٍ وُجُوبًا , فَيَحْرُمُ نَظَرُ الْكَافِرَةِ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أو نِسَائِهِنَّ } وَالْكَافِرَةُ لَيْسَتْ من نِسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ , وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا تَحْكِيهَا لِلْكَافِرِ فَلَا تَدْخُلُ الْحَمَّامَ مع الْمُسْلِمَةِ , نعم يَجُوزُ أَنْ تَرَى منها ما يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ على الْأَشْبَهِ في الْأَصْلِ .قال الْأَذْرَعِيُّ وهو غَرِيبٌ لم أَرَهُ نَصًّا بَلْ صَرَّحَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهَا مَعَهَا كَالْأَجْنَبِيِّ , وَكَذَا رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وهو ظَاهِرٌ فَقَدْ أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ على الْمُسْلِمَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا لها , وهو إنَّمَا يَأْتِي على الْقَوْلِ بِذَلِكَ الْمُوَافِقُ لِمَا في الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ في مَسْأَلَةِ الْأَجْنَبِيِّ . انتهى
قال السبكي : الأقرب إلى صنيع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر . انتهى
وقال البلقيني : الترجيح بقوة المدرك والفتوى على ما في المنهاج وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء - أي من الخروج سافرات - . انتهى
قال الرملي معقباً على دعوى الجمع بين كلام أئمة الشافعية وما نقل عن القاضي عياض : ظاهر كلامهما أن الستر واجب لذاته فلا يتأتى هذا الجمع , وكلام القاضي - عياض - ضعيف . انتهى من نهاية المحتاج
وقال الرملي في نهاية المحتاج في الجنائز :وممن استثنى الوجه والكفين المصنف - يقصد النووي - في مجموعه لكنه فرضه في الحرة , ووجوب سترهما في الحياة ليس لكونهما عورة , بل لكون النظر إليهما يوقع في الفتنة . انتهى
قال الجمل في حاشيته على المنهج :قوله (وعورة حرة غير وجه وكفين) وهذه عورتها في الصلاة وإما عورتها عند النساء المسلمات مطلقا وعند الرجال المحارم فما بين السرة والركبة وأما عند الرجال الأجانب فجميع البدن . انتهى
قال الدمياطي في إعانة الطالبين :( قوله غير وجه وكفين ) مفعول ستر , أي يجب أن تستر سائر بدنها حتى باطن قدمها ما عدا وجهها وكفيها , وذلك لقوله تعالى { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال ابن عباس وعائشة هو الوجه والكفان , ولأنهما لو كانا عورة في العبادات لما وجب كشفهما في الإحرام , ولأن الحاجة تدعو إلى إبرازهما .واعلم أن للحرة أربع عورات فعند الأجانب جميع البدن , وعند المحارم والخلوة ما بين السرة والركبة , وعند النساء الكافرات ما لا يبدو عند المهنة , وفي الصلاة جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها . انتهى
قال السيوطي في الإكليل :قوله تعالى { يدنين عليهن من جلابيبهن } هذه آية الحجاب في حق سائر النساء , ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن . انتهى
وقال السيوطي في الأشباه والنظائر ص240 :المرأة في العورة لها أحوال حالة مع الزوج ولا عورة بينهما وفي الفرج وجه وحالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين في الأصح وحالة مع المحارم والنساء وعورتها ما بين السرة والركبة وحالة في الصلاة وعورتها كل البدن إلا الوجه والكفين. انتهى
قال البيضاوي في تفسيره :{ يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة , و { من } للتبعيض فإن المرأة ترخي بعض جلبابها وتتلفع ببعض . انتهى
وقال البيضاوي عند قوله { إلا ما ظهر منها } :عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجا , وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف , أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزيينية والمستثنى هو الوجه والكفان , لأنها ليست بعورة , والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر , فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة . انتهى
قال الشهاب في شرحه :ومذهب الشافعي رحمه الله كما في الروضة وغيره : أن جميع بدن المرأة عورة حتى الوجه والكف مطلقاً , وقيل : يحل النظر إلى الوجه والكف إن لم يخف , وعلى الأول : هما عورة إلا في الصلاة , فلا تبطل صلاتها بكشفهما . انتهى
وقال الحافظ ابن حجر (الفتح 1/249) :قوله ( احجب ) أي امنعهن من الخروج من بيوتهن , بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة ما قال كما سيأتي قريبا , ويحتمل أن يكون أراد أولاً الأمر بستر وجوههن , فلما وقع الأمر بوفق ما أراد , أحب أيضاً أن يحجب اشخاصهن مبالغة في التستر فلم يجب لأجل الضرورة . انتهى
وقال الحافظ ابن حجر أيضاً في الفتح (12/245) : ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك . انتهىوالله الموفق
علماء المذهب الحنبلي :
من المعلوم أن المشهور في المذهب الحنبلي أن وجه المرأة الحرة عورة في غير الإحرام والصلاة , وخالف بعض الحنابلة مشهور المذهب ورجحوا أن الوجه ليس بعورة وإلا لما جاز كشفه في الإحرام والصلاة , ومع ذلك فالجميع متفقون على وجوب ستره عن الرجال الأجانب .والجدير بالذكر التنبيه على أن الذين قالوا أن الوجه عورة , لا يعنون تنزيله منزلة السؤاتين , وإنما ذلك من باب التغليب والاصطلاح الفقهي وأن مكمن الستر يسمى عورة , ويظهر لك ذلك بأنهم لا يوجبون على المرأة ستر وجهها في بيتها وهي خالية , وأما السؤاتان فينهى عن كشفهما مطلقاً ولو كان المكلف خالياً إلا لحاجة , على خلاف في النهي بين التحريم والكراهة .
وإليك أيها الموفق للصواب نصوص بعض علماء الحنابلة ممن رجحوا أن الوجه والكفين ليسا بعورة ومع ذلك هم يوجبون سترهما ولا يبيحون السفور :
قال الموفق ابن قدامة في المغني (1/671) :وقال مالك و الأوزاعي و الشافعي جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة لأن ابن عباس قال في قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال الوجه والكفين ولأن النبي صلى الله عليه و سلم نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء . انتهى
وقال الموفق في المغني (1/671) :وقال بعض أصحابنا المرأة كلها عورة لأنه قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ المراة عورة ] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح , لكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة وأبيح النظر لأجل الخطبة لأنه مجمع المحاسن . انتهى
وقال الموفق في المغني (7/460) :وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها دليل على التحريم عند عدم ذلك إذ لو كان مباحاً على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب فنحمله عليه انتهى
قال ابن مفلح في الفروع (2/35) :والحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، نص عليه، إلا الوجه، اختاره الأكثر، وعنه والكفين . انتهى
وقال ابن مفلح في الفروع أيضاً (5/528 - 530) :وقال في الانتصار في مسألة التيمم ضربة للوجه والكفين: إن المرأة أبيح لها كشف الوجه والكفين في الصلاة والإحرام.ويجوز لها أن تسدل على الوجه لحاجة "و" لقول عائشة: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات "1فإذا حاذونا أسدلت1" إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها, فإذا جاوزونا كشفناه ... وعن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر, رواه مالك1, أطلق جماعة جواز السدل .والمذهب: يحرم تغطية ما ليس لها ستره ... وحكم المرأة كالرجل في جميع ما سبق إلا في لبس المخيط وتظليل المحمل, بالإجماع . انتهى
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (2/244) :وَيُكْرَهُ النِّقَابُ لِلْأَمَةِ وَعَنْهُ يَحْرُمُ ، وَعَنْهُ يُبَاحُ إنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ النِّقَابُ وَالْبُرْقُعُ فِي الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ .وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهَا - أي في غير الصلاة والإحرام - ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ يَجِبُ سَتْرُهُ . انتهى
قال المرداوي في الإنصاف (1/319) :قوله: "والحرة كلها عورة حتى ظفرها وشعرها إلا الوجه".الصحيح من المذهب: أن الوجه ليس بعورة وعليه الأصحاب وحكاه القاضي إجماعا وعنه الوجه عورة أيضا قال الزركشي أطلق الإمام أحمد القول بأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة انتهى وقال بعضهم الوجه عورة وإنما كشف في الصلاة للحاجة قال الشيخ تقي الدين والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه . انتهى
قال ابن المبرد يوسف بن عبد الهادي في مغني ذوي الأفهام ص103 : " وعورة المرأة الحرة : يجب ستر جميع بدنها " . انتهى
وقال ابن المبرد في كتاب النكاح ص356 : " ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت . انتهى
وقد اصطلح ابن المبرد في مقدمة كتابه بأن ما اتفق فيه الأئمة , يصيغه بـ (( صيغة المضارع )) , وقد جزم في النقلين السابقين بقوله (( يجب )) يعني باتفاق الأئمة. والله الموفق
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين
وكتبه / أبو طارق علي بن عمر النهدي
11/07/1430 هجرية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق